فلسفه السجود لله تعالى
إنّ الله تبارک وتعالى قد خلق الخلق وأمرهم بعبادته، لا لأجل أنّه محتاج إلى تلک العباده, ولکن لأجل فوز المطیعین برحمته الخاصه التی لا تنال إلاّ بالطاعه، والتی أصدق صورها العباده, فالطاعه هی السبیل الوحید التی من خلالها ینال العبد أعلى المراتب وأجلها, قد یسأل سائل ما الفرق بین الطاعه والعباده؟
والجواب: هو بمنتهى الوضوح, فالطاعه هی الدائره الأوسع التی تشتمل على العباده, وأنّ الله تبارک وتعالى ینظر أولاً إلى الطاعه، ومن ثمّ ینظر إلى العباده. وأعطیک أمثله واضحه على ذلک:
فمثلاً (کما ورد فی عدید من الروایات) أنّ إبلیس اللعین کان من عباد الله الصالحین, وقد عبد الله تبارک وتعالى فی صلاه واحده ثلاثه آلاف عام، وفی بعض الروایات ۵ و ۶ و سبعه آلاف عام.
ولکن هذه العباده لم تنفعه عندما أمره الله تبارک وتعالى بالسجود لخلیفته على الأرض سیّدنا آدم (علیه السلام)، وأصبح فی أسفل السافلین، وإبلیس-لعنه الله- کان جنّیّاً ولم یکن مَلکاً, بمعنى أنّه کان مُکلفاً.
إذن العباده الغیر مقرونه بالطاعه لیس منها فائده.
مثال آخر یوضح ما أرمی إلیه:
هل تنفع عباده المرائی والمنافق؟؟
بالطبع لا, لماذا؟؟ ألم نسأل أنفسنا لماذا لا تقبل صلاه وصیام المنافقین والمرائین؟
الجواب: هو أنّ هذه الصلاه، أو أی عباده أخرى، تکون النیه فیها مشترکه بین الله تبارک وتعالى وبین من یرید أن ینافق هذا المصلى أمامه، والصلاه الصحیحه هی التی یجب أن تکون مقرونه بنیه التقرب إلى الله تعالى ولا لأحد سواه جلّ وعلا.
إذن نفهم مما تقدّم أنّ الله تبارک وتعالى ینظر أوّلاً إلى الطاعه ومقدارها وقوّتها وصحّتها، وعندئذٍ ینظر سبحانه إلى العباده, فکم من عباده خالیه من طاعه تلعن صاحبها وتکون وبالاً علیه.
إنّ أبرز العبادات التی تتمثل بها الطاعه هی الصلاه, فقد قال رسول الله (صلى الله علیه واله): (إنّ الصلاه عمود الدین, إن قبلت قبل ما سواها، وإن رُدّت ردّ ما سواها). فالصلاه أعظم مصداق للعبودیه, وأفضل عباده تتمثل بها الطاعه.
(وهذه مقدمه أولى)
(أمّا المقدمه الثانیه):
الإنسان هو سید المخلوقات وأعظمها, وکلّ ما عداه لیس سوى وسیله لخدمه هذا الإنسان, فالنباتات والحیوانات، والأرض والسماوات، واللیل والنهار، والکون کله خلقه الله تعالى لخدمه هذا الخلیفه فی الأرض، ویتکوّن هذا المخلوق (أی الإنسان) من عدّه أجزاء وأعضاء، کلّ منها یمثل وظیفه ومهمه معنیه, ولکن هناک جزء من بدن الإنسان یمثل کرامه وشرف وعظمه وشموخ الإنسان، وکبریائه وشخصیته وجبروته وکلّ وجوده وهو (الجبهه)، أی جبهه الإنسان وهی مقدمه الرأس وأعلاه وتاجه، ولو جمعنا بین هاتین المقدمتین, قد نصل إلى وصفین من فلسفه السجود لله.
فالصلاه هی لُبُّ الطاعه، والجبهه هی المعانی العظیمه للإنسان, ولو جمعناهما نجد أنّ فی السجود لله بالصلاه، وهی أعظم العبادات على جبهه الإنسان، وأشرف جزء فی بدنه, وأرقى وأعظم وأجلّ معانی الطاعه, حینما ینحنی هذا الإنسان بأشرف جزء من بدنه وذاته ووجدانه على التراب أمام خالقه العظیم، تلبیه لندائه واستجابه لحُکمه سبحانه وتعالى.
ألیس من الهین أن یسجد الإنسان لصنم قد صنعه بنفسه؟!
ألیس من الهین أن یضع بعض الحمقى من الوثنیین، وعُبّاد الحیوانات؛ بول بقره على جبهته؟! أقول هذه اختراعات العقول المنحرفه, وذاک أمر الله تبارک وتعالى.
وإنّ بعض الکفار فی مکّه کانوا یطلبون من رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) أن یلغی السجود من عبادته، ویدخلون فی الإسلام، معتقدین أنَّ هذا الدین قد شکّله وصنَعه رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم), ویستنکفون أن یُعلنوا بأنّه دین ربّ العالمین.
قال رسول الله (صلى الله علیه واله وسلم): (أکثر السجود فإنّه یحطّ الذنوب، کما تحطّ الریح ورق الشجر) (جامع أحادیث الشیعه ج۵ ص۲۲۷).
هذه کلمه قصیره فی فلسفه السجود لله تبارک وتعالى.