درس فی الخوف والرجاء

0

 والمراد بالخوف فی المقام : الخوف من الله تعالى من مقام ذاته ، ومن غضبه وسخطه ، ومن عذابه فی الدنیا وعقابه وناره فی الآخره. وبالرجاء : الرجاء منه تعالى ، رجاء رحمته وقربه وإحسانه فی الدنیا ونعمه ورضاه وجنته فی الآخره وهذان هما اللذان یمکن أن لا یوجدا فی الإنسان أو یوجدا قلیلاً ، وهما اللذان یجب عقلاً ونقلاً ـ تحصیلها بالتفکر فی عظمته وقدرته ، والتأمل فی أخذه للطاغین والعاصین وبطشه ، وما صنعه تعالى بالکفار والمنافقین والمستکبرین من الأمم الماضیه من الإهلاک بالطوفان والغرق والصاعقه والرجفه والصیحه والخسف والوباء والطاعون وما أوعده تعالى لأعدائه فی عالم الآخره. وبالتفکر فی ما أنعم الله على عباده الصالحین فی الدنیا من العلم والملک والولد والمال والنعمه والعافیه وما وعده تعالى لأولیائه فی الآخره من غفرانه وإحسانه وإعطائه مقام الشهاده والشفاعه والجنه والرضوان مما یعجز عنه وصف الواصفین ولم یبلغه نعت الناعتین. ثم إن الوصفین حالتان تعرضان على النفس کثیراً ما تکونان متلازمتین ، بل یجب أن یکونا کذلک بالنسبه لمقام رب العالمین ، بحیث لو حصل للانسان خوف منه تعالى بلا رجاء أو رجاء بلا خوف کان مما ورد النهی عنه وعبر عنهما : بالیأس من روح الله والأمن من مکر الله ، بل اللازم وجودهما وتساویهما بحیث لو وزنا لم یتراجحا ، وأیضاً : من اللازم أن یکونا مسببین عن قدره الله تعالى وعفوه وکرمه نظیر ما إذا قتل زید ولد شخص کبیر قادر على الانتقام عظیم کریم الصفح ، فإنه یحصل للقاتل ـ مع ملاحظه خطأه ـ حاله خوف بالنظر إلى قدرته ورجاء بالقیاس إلى کرمه ، فاللازم على العبد المذنب إذا فکر فی قدره الله أن یخاف منه ، وإذا فکر فی عفوه وکرمه أن یرجوا صفحه. وأما الرجاء الحاصل من حسبان نفسه لائقاً بالعفو أو الإثابه أو رؤیه عمله حسناً جمیلاً یستحق به الجزاء فهو مذموم.      والحالتان قد تحصلان بالنسبه إلى الذنب وعقوبته ، وقد تحصلان بالنسبه إلى العمل الصالح وثوابه ، فالعبد کما قد یخاف من عقاب ذنبه ویرجوا العفو عنه کذلک قد یخاف من حرمان ثواب عمله ویرجوا الفوز به ، فالأولى أن نورد شیئاً مما ورد فی الوصفین وآثارهما ، أی : ما ورد فی صفه الخوف من الله تعالى ومن بطشه و عقابه ، وفی صفه الرجاء منه تعالى ـ رجاء غفرانه وإحسانه ـ.      فنقول : خاطب الله الناس بقوله : ( وإیای فارهبون ) (۱) ___________۱ ـ البقره : ۴۰٫ وقوله : ( وخافون إن کنتم مؤمنین ) (۱) وقوله : ( فلا تخشوا الناس واخشون ) (۲) وقال لرسله بعدما وعدهم إهلاک الظالمین وإسکانهم الأرض : ( ذلک لمن خاف مقامی وخاف وعید ) (۳) ووصف رسله بأنهم الذین یرجون رحمته ویخافون عذابه وقال تعالى : ( وبشر المخبتین الذین إذا ذکر الله وجلت قلوبهم ) (۴) وقال لنبیه فی حق القرآن : ( وأنذر به الذین یخافون أن یحشروا إلى ربهم ) (۵) وقال : ( أو أمن أهل القرى أن یأتیهم بأسنا ضحى وهم یلعبون أفأمنوا مکر الله فلا یأمن مکر الله إلا القوم الخاسرون ) (۶).      ووصف رجالاً من أولیائه بأنهم : ( یخافون یوماً تتقلب فیه القلوب والأبصار ) (۷).      ووصف آخرین بأنهم هم ( الذین یبلغون رسالات الله ویخشونه ولا یخشون أحداً إلا الله ) (۸) وقال فی حق الملائکه والأنبیاء : ( ویرجون رحمته ویخافون عذابه ) (۹) وقال فی حق المتقین : ( الذین یخشون ربهم بالغیب وهم من الساعه مشفقون ) (۱۰) وقال فی حق المسارعین إلى الخیرات : ( والذین یوتون ما آتوا وقلوبهم وجله أنهم إلى ربهم راجعون ) (۱۱). ________________۱ ـ آل عمران : ۱۷۵٫۲ ـ المائده : ۴۴٫۳ ـ ابراهیم : ۱۴٫۴ ـ الحج : ۳۴ و ۳۵٫۵ ـ الأنعام : ۵۱٫۶ ـ الأعراف : ۹۸ و ۹۹٫۷ ـ النور : ۳۷٫۸ ـ الأحزاب : ۳۹٫۹ ـ الإسراء : ۵۷٫۱۰ ـ الأنبیاء : ۴۹٫۱۱ ـ المؤمنون : ۶۰٫ وقال فی حق العلماء : ( إنما یخشى الله من عباده العلماء ) (۱). وقال : ( أمن هو قانت آناء الیل ساجداً وقائماً یحذر الآخره ویرجوا رحمه ربه قل هل یستوی الذین یعلمون والذین لا یعلمون ) (۲). وقال تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) (۳) و ( إن الذین یخشون ربهم بالغیب لهم مغفره وأجر کبیر ) (۴). وأن المؤمنین المهاجرین ( اولئک یرجون رحمه الله ) (۵). وأن المؤمنین من النصارى قالوا : ( ونطمع أن یدخلنا ربنا مع القوم الصالحین ) (۶) وقال : ( نبئ عبادی أنی أنا الغفور الرحیم وأن عذابی هو العذاب الألیم ) (۷).      وورد فی النصوص الصادره عن النبی الأعظم وأهل بیته المعصومین أن الخوف رقیب القلب والرجاء شفیع النفس ، ومن کان بالله عارفاً کان من الله خائفاً والیه راجیاً (۸).      وأن الصادق (علیه السلام) قال : أرج الله رجاء لا یجرئک على معاصیه ، وخف الله خوفاً لا یؤیسک من رحمته (۹).      وأن لقمان قال لابنه : خف الله خیفه لو جئته ببر الثقلین لعذبک ، وارج الله رجاء لوجئته بذنوب الثقلین لرحمک (۱۰).      وأن الصادق (علیه السلام) قال : خف الله کأنک تراه ، وإن کنت لا تراه ، فإنه یراک (۱۱). ___________۱ ـ فاطر : ۲۸٫۲ ـ الزمر : ۹٫۳ ـ الرحمن : ۴۶٫۴ ـ الملک : ۱۲٫۵ ـ البقره : ۲۱۸٫۶ ـ المائده : ۸۴٫۷ ـ الحجر : ۴۹ و ۵۰٫۸ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص ۳۹۰٫۹ ـ الأمالی : ج۱ ، ص۲۲ ـ وسائل الشیعه : ج۱۱ ، ص۱۷۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۸۴٫۱۰ ـ جامع الأخبار : ص۹۸ ـ الکافی : ج۲ ، ص۶۷ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۵۲٫۱۱ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۵۴ و ۳۹۰ ـ مستدرک الوسائل : ج۱۱ ، ص۲۲۹٫          وأن من عرف الله خافه ، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنیا (۱).      وأن الذین یقولون : نرجو ولا یعملون یترجّحون فی الأمانی کذبوا لیسوا براجین (۲).      وأن من رجا شیئاً طلبه ، ومن خاف من شیء هرب منه (۳).      وأن من شده العباده الخوف من الله (۴).      وأن حب الشرف والذکر لا یکونان فی قلب الخائف الراهب (۵).      وأن المؤمن یعمل بین مخافتین : بین أجل قد مضى لا یدری ما الله صانع فیه ، وبین أجل قد بقى لا یدری ما الله قاض فیه ، فلا یصبح ولا یمسی إلا خائفاً وإن کان محسناً ، ولا یصلحه إلا الخوف (۶).      وأنه لا یکون المؤمن مؤمناً حتى یکون خائفاً راجیاً (۷).      وأنه لا ینال المؤمن خیر الدنیا والآخره إلا بحسن ظنه ورجائه (۸).      وأن خیر الناس عند الله أخوفهم لله (۹).      وأن من اجتنب شهوه من مخافه الله حرم الله علیه النار (۱۰). _____________۱ ـ الکافی : ج۲ ، ص۶۸ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۵۷٫۲ ـ نفس المصدر السابق.۳ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۹۰٫۴ ـ الکافی : ج۲ ، ص۶۹ ـ وسائل الشیعه : ج۱۱ ، ص۱۷۳ ـ معالم الزلفى : ج۱ ، ص۱۳٫۵ ـ الحقائق : ص۱۶۵ ـ المحجه البیضاء : ج۷ ، ص۲۸۲ ـ نور الثقلین : ج۳ ، ص۱۷۷٫۶ ـ المحجه البیضاء : ج۵ ، ص۳۵۶ ـ بحار الأنوار : ج۷۷ ، ص۱۶۹٫۷ ـ الکافی : ج۲ ، ص۷۱ ـ الوافی : ج۴ ، ص۲۹۱ ـ وسائل الشیعه : ج۱۱ ، ص۱۷۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ، ص۳۶۵٫۸ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۸۸٫۹ ـ مستدرک الوسائل : ج۱۱ ، ص۲۳۴ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۷۸٫۱۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۷۸٫      وأنه کفى بخشیه الله علماً (۱).      وأن الله تعالى قال : « وعزتی وجلالی لا أجمع على عبدی خوفین ، ولا أجمع له أمنین ، فإذا أمننی فی الدنیا أخفته یوم القیامه ، وإذا خافنی فی الدنیا أمنته یوم القیامه » (2).      وأن سلمان قال : أبکتنی ثلاث : فراق الأحبه ، والهول عند غمرات الموت ، والوقوف بین یدی رب العالمین (۳). _______________۱ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۳۷۹٫۲ ـ نفس المصدر السابق. ۳ ـ المحاسن : ص۶۳ ـ الخصال : ص۳۲۶ ـ بحار الأنوار ، ج۲۲ ، ص۳۶۰ و ج۷۰ ، ص۳۸۶ و ج۷۱ ، ص۲۶۶ و ج۷۳ ، ص۹۴ و ج۷۸ ، ص۴۵۴٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.