عوامل زیاده الإیمان عند المؤمن

0

لمّا کان العلم رأس الفضائل ، صار أمل المؤمن ؛ لکونه المرتقى الذی یتجّه به صعوداً إلى الدرجات الرفیعه ، قال تعالى : ( یَرفَعِ اللهُ الَّذینَ آمنُوا مِنکُم والّذینَ أوتُوا العلمَ دَرجَاتٍ .. ) (۱) . فالعلم هو الذی یکسب صاحبه الشرف والسؤدد ، قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : ( .. لا شرف کالعلم ) (۲) ، وقال أیضاً ـ موصیاً بضروره اقتران العلم بالأدب ـ : ( یا مؤمن، إنّ هذا العلم والأدب ثمن نفسک فاجتهد فی تعلّمهما، فما یزید من علمک وأدبک یزید من ثمنک وقدرک، فإنَّ بالعلم تهتدی إلى ربّک، وبالأدب تحسن خدمه ربّک ) (۳) . فالإمام (علیه السلام) یضع میزاناً لا یقبل الخطأ ، وهو کلّما تصاعد المؤشر البیانی للعلم المقترن بالأدب فی نفس المؤمن ، کلّما زید فی قیمته ومکانته أکثر فأکثر . ومن أجل ذلک کان العلماء أقرب الناس إلى درجه النبوه ؛ بدلیل قول الرسول الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) : ( أقرب الناس من درجه النبوّه أهلُ العلم والجهاد . أمّا أهل العلم ، فدّلوا الناس على ما جاءت به الرُّسُل . وأمّا أهل الجهاد ، فجاهدوا بأسیافهم على ما جاءت به الرُّسُل ) (۴) . وعن ابن عباس قال : قال رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) : ( مَن جاء أجَلُه وهو یطلب العلم لقی الله تعالى ، لم یکن بینه وبین النبیین إلاّ درجه النبوه ) (۵) . وفی القرآن الکریم آیات عده تشیر إلى دور العلم وأهمیته فی حقل الإیمان بالله وکتبه وملائکته ورسله ، ومن الآیات الصریحه جداً بهذا المجال قوله تعالى : ( إنّما یَخشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلماءُ ) (۶) . ومن هنا نجد وصایا الرسول (صلَّى الله علیه وآله) الکثیره فی طلب العلم ، وکذلک وصایا أهل البیت (علیهم السلام) . نکتفی بما قاله أمیر المؤمنین (علیه السلام) : ( تعلّم العلم ، فإنَّ تعلّمه حسنه ، ومدارسته تسبیح ، والبحث عنه جهاد ، وتعلیمه مَن لا یعلمه صدقه ، وهو عند الله لأهله قربه … یرفع الله به أقواماً یجعلهم فی الخیر أئمه … ) (۷) . ثانیاً : العمل الصالح . وهو العنصر الثانی الذی یقترن بالإیمان ویسهم فی إیصال المؤمن إلى أعلى الدرجات ، قال تعالى : ( وَمَنْ یَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِکَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا ) (۸) . وإذا کان الإیمان یمنح الشخصیه الإیمانیه الرؤیه الصحیحه وسلامه التصور ونقاء الاعتقاد ، فإنَّ العمل الذی هو شعار المؤمن یفجّر طاقتها الإبداعیه ، فتنطلق فی آفاق أرحب وتحیى حیاه طیبه ، یقول عزَّ من قائل : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَکَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْیِیَنَّهُ حَیَاهً طَیِّبَهً وَلَنَجْزِیَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ ) (۹) . فالإسلام لا یرید من المؤمن أن ینعزل عن الحیاه ویکتفی بالإیمان المجرَّد الذی یقصره البعض وفق نظره القاصر على الاعتقاد القلبی أو التلفُّظ اللسانی ، وإنّما یُرید المؤمن أن یترجم إیمانه إلى عمل صالح یُحقّق النُّقله الحضاریه التی تتطلّع إلیها الأُمه الإسلامیه کأُمّه رائده . ومَن یتدبرّ فی قوله تعالى : (.. وَیَسْتَخْلِفَکُمْ فِی الْأَرْضِ فَیَنْظُرَ کَیْفَ تَعْمَلُونَ ) (۱۰) ، یلاحظ أنّه استعمل لفظه : (کیف) ، ولم یقل : (کم) تعملون ؛ لأنّ الأهم هو نوعیه العمل وأبعاده الحضاریه ولیس کمِّیته . فمبیت الإمام علی (علیه السلام) ـ على سبیل المثال ـ لیله واحده فی فراش الرسول (صلَّى الله علیه وآله) أنقذت الرسول والرساله ، وضربته یوم الخندق کانت تعادل عباده الثقلین ! . فالإنسان یرتفع بنوعیه العمل الذی ینجزه على صعید الواقع ، ومن هنا رکّزت مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) على (الثنائی الحضاری) المتمثِّل بالإیمان المقترِن بالعمل ، وفی هذا الصدد قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : ( لا تکن ممّن یرجو الآخره بغیر عمل .. یحبُّ الصالحین ولا یعملُ عملهم … ) (۱۱) . ومن المعروف أنّ بعض الناس یتّکلون على أحسابهم الرّفیعه فی کسب المکانه الاجتماعیه ، ولکن الإمام علیاً (علیه السلام) رکّز على مقیاس العمل وأعطاه الأولویه فی تکامل الإنسان ورفعته ، فقال (علیه السلام) : ( مَن أبطأ به عمله ، لم یسرع به حسبه ) (۱۲) . وکان أئمه أهل البیت (علیهم السلام) على الرغم من شرف حسبهم ، وسمو مقامهم الاجتماعی ، یجهدون أنفسهم فی العمل . فعلى سبیل الاستشهاد أنّ الإمام علیّاً (علیه السلام) قد أعتق من کد یده جماعه لا یحصون کثره ، ووقف أراضی کثیره وعیناً استخرجها وأحیاها بعد موتها (۱۳) .  وسَلَکَ ذات المسلک ولْده من بعده ، کانوا یعملون لخدمه الناس فینقلون على ظهورهم الجراب وفیها الدقیق والأطعمه إلى المحتاجین والفقراء . وکانوا یعملون بأیدیهم الکریمه فی الشمس المحرقه حباً للعمل واحتساباً لله ، حتى عرّضوا أنفسهم فی بعض الأحیان لسهام النقد المسمومه وقوارص الکلام ، ومن الشواهد ذات الدلاله ما ورد عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال :  ( إنَّ محمد بن المنکدر کان یقول : ما کنت أرى أنّ مثل علی بن الحسین (علیه السلام) یدع خلفاً لفضل علی بن الحسین (علیهما السلام) حتى رأیت ابنه محمد بن علی ، فأردت أن أعظه فوعظنی ، فقال له أصحابه : بأی شیء وعظک ؟ قال : خرجتُ إلى بعض نواحی المدینه فی ساعه حاره ، فلقیتُ محمد بن علی (علیهما السلام) ـ وکان رجلاً بدیناً ـ وهو متکیء على غلامین له أسودین أو مولیین له ، فقلت فی نفسی : شیخ من شیوخ قریش فی هذه الساعه على هذه الحال فی طلب الدّنیا لأعظه ، فدنوت منه فسلّمت علیه فسلّم علیَّ بنهر وقد تصبب عرقاً ، فقلتُ : أصلحک الله ، شیخ من أشیاخ قریش فی هذه الساعه على هذا الحال فی طلب الدنیا ، لو جاءک الموت وأنت على هذه الحال؟! قال : فخلى عن الغلامین من یده ثم تساند وقال : لو جاءنی ـ والله ـ الموت ، وأنا فی هذه الحال ، جاءنی وأنا فی طاعه من طاعات الله ، أکفُّ بها نفسی عنک وعن الناس ، وإنّما کنت أخاف الموت لو جاءنی وأنا على معصیه من معاصی الله ، فقلت : یرحمک الله أردت أن أعظک فوعظتنی ) (۱۴) .   ثالثاً : الإیثار . وهو خصله کریمه ترفع الإنسان إلى أعلى مراتب الإیمان ، فحینما یرتفع الإنسان فوق ( الأنا) ویضع مصلحه الآخرین فوق مصلحته الخاصه ، فلا شک أنّه قد قطع شوطاً إیمانیاً یستحق بموجبه الدَّرجات الرَّفیعه . وقد مدح تعالى أولئک الذین یخرجون من دائره (الأنا) الضیقه على الرغم من ضیق ذات الید ، إلى دائره أسمى هی دائره الإنسانیه ، فقال عزَّ من قائل : (.. وَیُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ کَانَ بِهِمْ خَصَاصَهٌ .. ) (۱۵) . وقد کان رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) من أشد الخلق حرصاً على تلک الفضیله السامیه ، حتى ورد فی الخبر أنّه (صلَّى الله علیه وآله) ما شبع ثلاثه أیام متوالیه حتى فارق الدنیا . ولو شاء لشبع ، ولکنَّه کان یُؤثر على نفسه (۱۶) . وبلغ وصیه الإمام علی (علیه السلام) القمه فی الإیثار ، وقد ثمّنت السماء الموقف التضحوی الفرید الذی قام به عندما بات على فراش رسول الله (صلَّى الله علیه وآله) : ( .. فأوحى الله إلى جبرئیل ومیکائیل إنِّی آخیت بینکما وجعلت عمر الواحد منکما أطول من عمر الآخر ، فأیُّکما یؤثر صاحبه بالحیاه فاختار کلاهما الحیاه . فأوحى الله عزَّ وجلَّ إلیهما أفلا کنتما مثل علیّ بن أبی طالب آخیت بینه وبین محمد فبات على فراشه یفدیه بنفسه فیؤثره بالحیاه ، فأنزل الله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ یَشْرِی نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاهِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ) (۱۷) . فالإیثار ـ إذن ـ یرفع الإنسان إلى أعلى الدرجات الإیمانیه کما رُفع الإمام علیٌّ (علیه السلام) بحیث أنّ ربِّ العزه یفاخر به ملائکته المقرّبین . ومن الإیثار ما یکون معنویاً کإیثار الصدق على الکذب مع توقُّع الضرر ، وذلک من أجلى علائم الإیمان ، قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : ( الإیمان أن تُؤثر الصدق حیثُ یضرک على الکذب حیثُ ینفعک ) (۱۸) .   رابعاً : الخُلق الحسن . وهو ( عنوان صحیفه المؤمن ) (۱۹) ، و( أنَّ العبد لیبلغ بحسن خلقه عظیم درجات الآخره وشرف المنازل وإنّه لضعیف العباده ) کما یقول الرسول الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) (۲۰) . وقد ورد عن الإمام أبی جعفر (علیه السلام) : ( أنَّ أکمل المؤمنین إیماناً أحسنهم خُلقاً ) (۲۱) . وقال أمیر المؤمنین (علیه السلام) موصیاً : ( روّضوا أنفسکم على الأخلاق الحسنه ، فإنَّ العبد المؤمن یبلغ بحسن خلقه درجه الصائم القائم ) (۲۲) . إذن فالخلق الحسن أحد مقاییس الإیمان ، یصل من خلاله المؤمن إلى مقامات عالیه ویحصل به على أوسمه معنویه رفیعه ، فمن حکم ومواعظ أمیر المؤمنین (علیه السلام) : (… علیکم بمکارم الأخلاق فإنّها رفعه . وإیّاکم والأخلاق الدّنیه فإنّها تضع الشریف ، وتهدم المجد ) (۲۳) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) سوره المجادله ۵۸ : ۱۱ . (۲) نهج البلاغه ، صبحی الصالح : ۴۸۸ | حکم ۱۱۳ . (۳) روضه الواعظین ، الفتال النیسابوری ۱ : ۱۱ فی فضل العلم . (۴)المحجه البیضاء ، للفیض الکاشانی ۱ : ۱۴ . (۵) کنز العمال ۱۰ : ۱۶۰ | ۲۸۸۳۱ . (۶) سوره فاطر ۲۵ : ۲۸ . (۷) روضه الواعظین : ۹ فی فضل العلم . (۸) سوره طه ۲۰ : ۷۵ . (۹) سوره النحل ۱۶ : ۹۷ . (۱۰) سوره الأعراف ۷ : ۱۲۹ . (۱۱) نهج البلاغه ، صبحی الصالح : ۴۹۷ | حکم ۱۵۰ . (۱۲) نهج البلاغه ، صبحی الصالح | ۴۷۲ | حکم ۲۳ . (۱۳) الفصول المختاره : ۱۰۳ . (۱۴) الإرشاد ، للشیخ المفید : ۲۶۴ . (۱۵) سوره الحشر ۵۹ : ۹ . (۱۶) تنبیه الخواطر ۱ : ۱۷۲ . (۱۷) تنبیه الخواطر ۱ : ۱۷۳ ـ ۱۷۴ . والآیه من سوره البقره ۲ : ۲۰۷ . (۱۸) نهج البلاغه ، صبحی الصالح : ۵۵۶ | حکم ۵۸ . (۱۹) اُنظر تحف العقول : ۲۰۰ . (۲۰) المحجه البیضاء ۵ : ۹۳ کتاب ریاضه النفس . (۲۱) أصول الکافی ۲ : ۹۹ | ۱ کتاب الإیمان والکفر . (۲۲) تحف العقول : ۱۱۱ . (۲۳) تحف العقول : ۲۱۵ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.