رساله الإمام علی بن الحسین
إننا عندما ننظر إلى النهضه الحسینیه وحرکتها فإننا لا نستطیع أن نصنفها إلا کحرکه جهادیه لإصلاح أمر الأمّه, ودفعها لتحمّل مسؤولیاتها لإحیاء الدوله الإسلامیه بقیاده الإمام المهدی (ع). فکان الإمام الحسین (ع) هو الکبش العظیم الذی فدیت به الأمه لإصلاحها وإیمانها ونجاتها, ولتعظیم بیت الله الحرام.
إن رساله الإمام علی بن الحسین زین العابدین (ع) هی رساله جهادیه متممه ومکمله لرساله أبیه الحسین علیه السلام. فعندما استشهد الإمام الحسین (ع) فی وضح النهار وبین ظهرانی الأمّه وبعلم منها وهو الذی خرج من مکه, ولم تنصره الأمّه وهو إمامها المنصّب من قبل الله وهو ابن بنت نبیها, فإن ذلک لا یدلّ فقط على مدى قبح یزید وقبح قتلت للإمام, بل یدلّ أیضاً على مدى ضعف الوعی والإیمان لدى عامه الجمهور فی الأمه الإسلامیه.
الإمام المعلّم
أخذ الإمام زین العابدین (ع) على عاتقه العمل الجهادی لنهضه الأمّه علمیاً وتوعویاً وأخلاقیاً وفقهیاً وإیمانیاً, فکان بحق زین العابدین وسید الساجدین والمؤسس الأول للنهضه العلمیه فی الأمه الإسلامیه, وبالتالی إنعکاساتها على النهضه العلمیه العالمیه. فکان هو المؤسس الأول للحوزات العلمیه وحلقات التدریس وروایه الحدیث وتدریس الأحکام الفقهیه والأخلاقیه, وهو الطبیب والمطهّر الأول لأرواح المؤمنین فی کلّ زمان ومکان بصحیفته السجادیه.
لقد قام الإمام علی بن الحسین بتعلیم الأفراد من کلّ أنحاء الأمه لنشر العلم فی ربوعها. فدرّس الحدیث وأمر بتدوینه, وعلّم الأحکام الفقهیه, وبدأ بتفسیر القرآن. فجعل المدینه مقصداً لطلّاب العلم ومناراً لنشر الوعی.
فعمل الإمام زین العابدین على تدوین الحدیث, وروایته ونشره, وتعلیم الناس بأحکام الإسلام, وتفسیر القرآن, ونشر ثقافه الإحساس بالمسؤولیه عن طریق رساله الحقوق. وعندما یشهد جمیع أهل زمانه بعلمه وورعه وروایته للحدیث وبأخلاقه, فإن ذلک لا یدل فقط على إثبات هذه الصفات للإمام, بل أیضاً یدل على مدى جده واجتهاده وعمله على تعلیم وإصلاح الأمه.
الإمام المربّی
إن غایه الحیاه الدنیا هو علاج الأرواح. فالمولى عز وجل خلق الإنسان فی أحسن تقویم, قابلاً للصعود أو النزول, وابتلاه بأعماله فی الحیاه الدنیا. فإما أن تصعد به أعماله الصالحه إلى علیین, أو تهبط به أعماله السیئه إلى أسفل سافلین (إن الأبرار لفی نعیم, وإن الفجار لفی جحیم) – سوره الإنفطار.
وفی الحقیقه فإن جوهر وجود الإنسان هو روحه, ولیس البدن المستعار والمؤتمن علیه. وإن المولى عز وجلّ یعالج الإنسان فی الدنیا, وأعطاه الفرصه للقرب أو البعد, وللصعود أو النزول (ما أنتم علیه بفاتنین, إلا من هو صال الجحیم) – سوره الصافات. فالمؤمنون یصلون إلى مراتبهم التی رتبهم الله عز وجل فیها فی جنّه النعیم, ویخّذل الکافرون والمنافقون إلى منازلهم فی درک الجحیم. وما جعلت الدنیا إلا لإظهار بواطن الإنسان فلا یکون للإنسان على الله أی حجه یوم القیامه (فَیَوْمَئِذٍ لّا یَنفَعُ الَّذِینَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ یُسْتَعْتَبُونَ (۵۷)) – سوره الروم.
الدعاء لإصلاح البشریه
إن الدعاء من أفضل الوسائل لإصلاح ما فسد من ضمیر وروح ووجدان الإنسان, فیلقنه بشکل سریع ومؤثر القیم الصحیحه والتوبه والعوده إلى الله ومعرفته, ویربیه أخلاقیاً. فکان الإمام السجاد کالطبیب الدوار بطبّه وصحیفته السجادیه یعالج بها أرواح الناس فی کلّ زمان ومکان. فالتربیه الروحیه والأخلاقیه هی أمر أساسی لصلاح البشریه ونهضتها.
إن الدعاء هو مخّ العباده, لأنه یجعل الأفکار التی تدور فی ذهن الإنسان هی أفکار عبادیه, ویجعل نظرته للأشیاء واستجابته للأمور الخارجیه, وقناعاته کلها إیمانیه وصالحه. فالدعاء یغیر أسلوب الإنسان فی التفکیر فیصحح معتقداته, ویصحح أفعاله وبالتالی یصلح أمر الإنسان. وإذا صلح الإنسان صلح المجتمع وبالتالی صلح العالم. إنه من الصعب تغییر أسلوب الإنسان فی التفکیر. فالعلم لا یکفی لیصلح أسلوب تفکیر الإنسان. فقد یکون الإنسان عالماً ولکن متهتک. أو قد لا یردع العلم الإنسان عن الظلم والقتل والانتهاکات. بل وقد یستخدم العلم لصناعه الأسلحه الفتّاکه التی تقتل الإنسان.
إحیاء الشعور بالمسئولیه
إن قتل الإمام الحسین (ع) یدلّ على أن الأمّه الإسلامیه لم تتحمّل مسئولیاتها, وکذلک یدلّ على أن الأفراد فی الأمّه الإسلامیه لم یکونوا على درجه کافیه من الوعی والإیمان وتحمّل المسئولیه. فکان من السهل لبنی أمیه التلاعب بإرادتهم وخداعهم إعلامیاً, أو إرهابهم وتخویفهم, وبالتالی التسلّط علیهم واستغلال ثرواتهم.
لا شیء یصلح ویقوّم الإنسان کالدعاء فی الصحیفه السجادیه, وتربیته وتحمیله للمسئولیه کرساله الحقوق. فالدعاء یصحح أسلوب الإنسان فی التفکیر فیصحح إرادته. وبمعنى آخر فإن إرادته لا تکون إلا لأفعال صحیحه, فیصلح الإنسان وفعله.
وأما رساله الحقوق فإنها تجعل الإنسان عنصراً فاعلاً وإیجابیاً فی الواقع الذی یعیشه, فرساله الحقوق تصحح وضع الإنسان ضمن منظومته الکونیه والاجتماعیه. فتجعله حامداً وعابداً لخالقه وشاکراً لکل من له نعمه علیه, ویعطی کلّ ذی حقٍ حقه. فهو ینصف ربه وینصف إمامه, وینصف نفسه من نفسه. وکذلک ینصف کلّ من له علاقه به من والدین أو زوجه وأولاد أو سلطان أو مملوک أو جار أو معلم أو متعلم. وکذلک یؤدی ویحفظ الواجبات التی علیه من صلاه أو صوم أو حج أو صدقات.
فالإمام زین العابدین (ع) عمل على إصلاح الجمهور وتربیته وتعلیمه وتحمیله لمسئولیاته بعد أن عمل الإمام الحسین (ع) على الإصلاح السیاسی لأمر الأمّه عن طریق إسقاط شرعیه الظالمین. وبما أن الأمه لم تنصر الإمام الحسین (ع) بالشکل المباشر والکافی ولم تنصر قبل ذلک الإمام الحسن (ع) أو الإمام علی (ع), عمل الإمام زین العابدین (ع) إصلاح الجمهور. وهذا الأمر الجهادی لیس بالأمر الهیّن, بل یحتاج إلى عمل دؤوب وفی عده جبهات, وذلک من أعمال الأنبیاء.
فمع وجود القیاده الصالحه للأمّه کالإمام علی (ع) أو ابنه الحسن أو الحسین, فإن ذلک لم یکن کافیاً لصلاح الأمه. لأنه إذا فسد العامه لا یمکن حتى للقیاده الصحیحه أن تنهض بأمور الأمه, وتصلح شأنها, بل سوف تبتلى بالفتن والمؤامرات, کما بلی الإمام علی (ع) بالناکثین والمارقین والقاسطین. ویتسلط علیها من لیس بأهل للخلافه, فیسومهم سوء العذاب.
إن الذی یرید أن یصلح أمر الأمّه لابد وأن یتجه لإصلاح الجمهور, وإن الذی یطمع فی السلطه والرئاسه فإنه یسعى نحو الکرسی ویستخدم کلّ الوسائل للوصول إلى الرئاسه. وشتان بین من یرید إصلاح الأمه وممن یرید أن یتأمّر علیها. وهذا یبدوا جلیاً فی زهد الأئمّه علیهم السلام بالرئاسه بعد مقتل الإمام الحسین (ع) وجهادهم فی إصلاح الناس.
إن ثوره الإمام الحسین (ع) أسقطت الشرعیه الدینیه لحکم بنی أمیه, وکان من رساله الإمام زین العابدین (ع) وزینب الکبرى هو الإظهار الإعلامی لحقیقه لثوره الإمام الحسین (ع) للحفاظ علیها من التدلیس الإعلامی لبنی أمیه الذین ادعوا على آل الرسول بأنهم خوارج. فکان الإمام زین العابدین وزینب الکبرى هم المنبر الإعلامی لنجاح الثوره الحسینیه إعلامیاً.
إن المصائب التی رآها الإمام علی بن الحسین لم یراها بشر غیره, فهو الذی قتل والده وإخوته وقرابته, وسبیت عمّاته, وداروا بهم فی البلاد, ولا تحسبن الله بغافلٍ عمّا یفعل الظالمون. إن العباده والخروج من عالم الدنیا کان هو الرَوح والراحه للإمام, فکان أنسه فی مناجات الله والقربى منه والتذلل إلیه.
السلام على الإمام زین العابدین المربی الأخلاقی للأمه والمعلم الفاتح لأبواب العلم والمؤسس للمدارس الدینیه, والحامل لرایه الشعور بالمسئولیه. والسلام على الإمام السجاد ذی الثفنات یوم ولد ویوم استشهد ویوم یبعث حیا.