الاجتیاح الثقافی تحت ستار العولمه
وفی نطاق عمل الاستکبار الدؤوب وسعیه المتواصل إلى إسقاط الأمه الإسلامیه ومقوماتها, تأتی العولمه الثقافیه لتدلی بدلوها المسموم, فعملت على مغالطه العقول فی محاولهٍ للفصل بین الأمه ولغتها وعقیدتها, ووحدتها وحضارتها, کی تسهل على الغرب بعد ذلک إسقاطها, وحاولت تحت ستار (توحید الجمیع) ضمن قریه کونیه واحده تتسع للجمیع إحداثَ ثقافه الغرب على أنقاض ثقافه الإسلام.
لقد استخدم منظرو العولمه الثقافیه طرقاً وأسالیب ملتویه للتسلل إلى العقول والنفاذ إلى القلوب للتأثیر على سلوک الإنسان المسلم, فرفعوا شعارات أخّاذه تنادی بالمساواه بین الرجل والمرأه فی الحقوق, وتندد بتنشئه الأطفال على الخوف بتعلیمهم حقائق الجنه والنار, ودسوا أفکاراً مغلوطه أنّ لا لأسلمه الدوله, ولا للإرهاب والتطرف اللذین هما من تبعات الإسلام ولوازمه!! وشحنوا الشباب بفکره وجوب التخلص من قیود الأسره والمجتمع والدین, بحجه التحرر من الکبت والوصایه والتبعیه, ثمّ عمدوا بعد ذلک إلى تصدیر مظاهر الفسق والفجور, ودعوا إلى الجنس وشجّعوا علیه.. کل ذلک لإفراغ الإنسان من محتواه الدینی, وتخلیصه من الطابع العقیدی لیسهل علیهم بعد ذلک إیقاعه فی فخ الغرب والتغریب, وتجنیده بسهوله بعد إحداث القابلیه فیه.
وفی غمار هذه الهجمه الشرسه کان من الطبیعی أن یبرز فی المجتمع الإسلامی على اختلاف طبقاته فریقان متباینان:
الأول: فریق استسلم لخرافه وحده الثقافه, وأن العولمه حتمیه لا رادّ لها, وأن المنتوج العقلی قاسم مشترک بین الجمیع, وهو أعدل قسمه بین الناس, ولا محیص عن أن ینضوی الجمیع على اختلاف معتقداتهم وخصوصیاتهم العرقیه واللغویه تحت لواء الثقافه الإنسانیه الشمولیه.
وبرز فی المقابل مجموعه من الشباب المثقف الواعی وقفوا موقف الرافض لثقافه العولمه, باعتبارها ثقافه غازیه تحمل بین طیاتها نوعاً آخر من الاستعمار الثقافی.. وکان من الطبیعی أن یُقصى هؤلاء عن دائره الحکم فی أوطانهم, ویحکم علیهم بالتهمیش, ویؤتى بدلاً عنهم ببیادق وعبید ممن تکوّنوا فی مؤسسات الغرب وتغذوا من منهجه, بعد إفراغهم من شحنتهم الدینیه, وإغرائهم بالمناصب والأموال, وتکمیم أفواههم وتعصیب عقولهم عن رؤیه واقع الأمه والمساهمه فی إحیائه والنهوض به.
والیوم, بعد أن فقدت الثقافه الإسلامیه مدلولها الصحیح تحت مشروع العولمه, تبرز الحاجه ملحهً إلى إجراء عملیه تحصین, عن طریق إعاده النظر فی المنظومه الإسلامیه للقیم وبعدها الإنسانی والتربوی, بدءاً من البیت وانتهاء بالمدرسه والثانویه والجامعه, وإلاّ, فما لم تعد الثقافه الإسلامیه إلى مسارها الصحیح وبعدها الحضاری الدقیق, فإنّ کل طرح لقضیه الثقافه فی عالمنا الإسلامی, سیبوء بالفشل, لأنّه سیظل طرحاً بلا مقدمات سلیمه, لا یقود إلاّ إلى نتائج خاطئه کما هو الحال الیوم.
إلاّ أنّ عملیه التحصین والتوعیه, وهذا الدور القیادی للمثقفین المسلمین یتطلّب الاستجابه لمجموعه من القیم, أهمها:
۱- العمل على إیجاد مستوى من العلماء والجامعیین والکتاب والمفکّرین, فیهم قابلیه القیاده والتوجیه, ومطهّرین من تزلّف الحکام, لیأدوا رساله الله فی الأرض ویقودوا الأمه بالعمل الصالح والقدوه الحسنه.
۲- الوعی بمسؤولیتهم کعلماء فی ترشید أبناء الأمه حکاماً ورعیه, والصدع بکلمه الحق بإسداء النصیحه لعامه المؤمنین وخاصتهم.
۳- العمل على ترسیخ القیم الإنسانیه النبیله کما دعا إلیها الإسلام, وضبط علاقه الإنسان بالله, وتربیه المسلمین على قاعده أدب الاختلاف, القاضیه باحترام بعضهم البعض على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ومذاهبهم.
۴- نشر العلم والثقافه الإسلامیه بطریقه شمولیه تستوعب کافه الاختصاصات, وتحاکی جمیع الفئات, وصیانته عن عن الابتذال والسقوط, کیما یعود بالنفع على بنی الإنسان ,ویتخذ قاعده صلبه للنهوض بالأمه, فإنّ العلم وحده هو الذی یبنی ولا یبدد, ویوحّد ولا یعدد.
۵- إعداد الأمه واستعدادها انطلاقاً من الوعی بالضعف الذی یتطلب إعداد القوه لمجابهه الأقویاء, امتثالاً لقوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوه).
۶- العمل على تصحیح المفاهیم السائده, التی تضبط العلاقه بین أفراد المجتمع الإسلامی الواحد, وتحدید مکانه کل واحد فیه, کالمرأه والطفل والشیخ, لا على أساس التجزئه والتفریق, وإنما على أساس التنوع داخل الوحده.
فهذه هی مهمه الأمه الإسلامیه الیوم, فی عالم تسوده العولمه الغربیه الأمیرکیه المستکبره, هدفها اقتلاع الناس من جذورهم وأصولهم, ولذلک فإنّ المثقفین على اختلاف فئاتهم وتنوع اختصاصاتهم مدعوّون إلى ضم الصفوف وتوحید الخطه, والتنسیق فیما بینهم لتکوین هیئات ومنظمات فاعله تضع لبنات البناء الحضاری, وتتصدى لکل معالم العولمه الزاحفه.
هذا ولن ینفع الأمه الإسلامیه, الاکتفاء بالملتقیات والخطب الحماسیه, ما لم یتزامن هذا مع العمل الجماعی المنظّم, قال تعالى: (وقل اعملوا فسیرى الله عملکم ورسوله والمؤمنون).