التعریف بأئمه الشیعه

0

وقد یعترض البعض من « أهل السنه » على هذه الروایات مستغرباً کیف یتکلم الرسول (صلى الله علیه وآله) عن أمور غیبیه ما زالت فی طی العدم ؟ وقد جاء فی القرآن قوله : «لو کنت أعلم الغیب لاستکثرت من الخیر وما مسنی السوء» ( الأعراف : ۱۸۸ ) .
وإجابه على ذلک نقول بأن هذه الآیه الکریمه لا تنفی عن الرسول علمه بالغیب مطلقاً ، إنما جاءت رداً على المشرکین الذین طلبوا منه أن یعلمهم عن قیام الساعه ، وموعد الساعه قد اختص الله سبحانه بعلمه .
وقد جاء فی القرآن الکریم قوله تعالى : «عالم الغیب فلا یظهر على غیبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ….» ( الجن : ۲۶ ـ ۲۷ ) .
وفی هذا دلاله على أنه سبحانه یطلع على غیبه رسله الذین اصطفاهم ، ومن ذلک مثلاً قول یوسف (علیه السلام) لأصحابه فی السجن : «لا یأتیکما طعام ترزقانه إلا نبأتکما بتأویله قبل أن یأتیکما ذلکما مما علمنی ربی …» ( یوسف : ۳۷ ) .
وکقوله تعالى: «فوجدا عبدا من عبادنا آتیناه رحمه من عندنا وعلمناه من لدنا علماً» (الکهف : ۶۵) . حکایه عن الخضر الذی التقى بموسى وعلمه من علم الغیب ما لم یستطع علیه صبراً .
والمسلمون شیعه وسنه لم یختلفوا فی أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) کان یعلم الغیب وقد سجلت سیرته الکثیر من الأخبار بالغیب کقوله (صلى الله علیه وآله): « ویح عمار تقتله الفئه الباغیه » وقوله لعلی : « أشقى الآخرین الذی یضربک على رأسک فیخضب لحیتک » وقوله : « إن ابنی الحسن یصلح الله به فئتین عظیمتین » وکقوله لأبی ذر بأنه سیموت وحیداً طریداً إلى غیر ذلک من الأخبار الکثیره ، ومنها حدیثه المشهور الذی أخرجه البخاری ومسلم وکل المحدثین والذی جاء فیه : « الأئمه من بعدی اثنا عشر کلهم من قریش » وفی بعض الروایات « کلهم من بنی هاشم » .
وقد أثبتنا فی الأبحاث السابقه من کتاب « مع الصادقین » وکتاب «فاسألوا أهل الذکر » بأن علماء السنه أنفسهم أشاروا فی صحاحهم ومسانیدهم إلى تلک الأحادیث الداله على إمامه الأئمه الاثنی عشر وصححوها .
وإذا سأل سائل : لماذا ترکوهم واقتدوا بغیرهم من ائمه المذاهب الأربعه ، إذا کانوا یعترفون بتلک الأحادیث ویصححونها ؟ ؟
والجواب هو : إن « السلف الصالح » کلهم من أنصار الخلفاء الثلاثه الذین أولدتهم السقیفه أبو بکر وعمر وعثمان ، فکان نفورهم من أهل البیت وعداؤهم للإمام علی وأولاده لابد منه ، فعملوا کما قدمنا على محق السنه النبویه وإبدالها باجتهاداتهم .
وسبب ذلک انقسام الأمه إلى فرقتین بعد وفاه الرسول مباشره فکان «السلف الصالح » ومن تبعهم ورأى رأیهم یمثلون « أهل السنه والجماعه» وهم الأغلبیه الساحقه فی الأمه ، وکان الأقلیه القلیله علی وشیعته الذین تخلفوا عن البیعه ولم یقبلوا بها فأصبحوا من المنبوذین والمغضوب علیهم وأطلقوا علیهم اسم الروافض .
وبما أن « أهل السنه والجماعه » هم الذین تحکموا بمصیر الأمه عبر القرون فحکام بنی أمیه کلهم وحکام بنی العباس کلهم هم أنصار وأتباع مدرسه الخلافه التی أسسها أبو بکر وعمر وعثمان ومعاویه (۱) ویزید .
ولما فشل أمر الخلافه وذهبت هیبتها وأصبحت فی أیدی الممالیک والأعاجم وسمع بتدوین السنه النبویه ، عند ذلک ظهرت تلکم الأحادیث التی عمل الأولون على طمسها وکتمانها ولم یقدروا فیما بعد على محوها وتکذیبها ، وبقیت تلک الأحادیث من الألغاز المحیره عندهم لأنها تخالف الأمر الواقع الذی آمنوا به .
وحاول بعضهم التوفیق بین تلک الأحادیث وما هم علیه من العقیده فتظاهروا بمحبه أهل البیت ومودتهم فتراهم کلما ذکروا الإمام علیاً یقولون رضی الله عنه وکرم الله وجهه ، حتى یتبین للناس بأنهم لیسوا بأعداء لأهل البیت النبوی .
فلا یمکن لأی واحد من المسلمین حتى المنافقین منهم أن یظهر عداءه لأهل البیت النبوی ، لأن أعداء أهل البیت هم أعداء رسول الله (صلى الله علیه وآله) وذلک یخرجهم من الإسلام کما لا یخفى .
والمفهوم من کل هذا بأنهم فی الحقیقه أعداء أهل البیت النبوی ونقصد بهؤلاء « السلف الصالح » الذین تسموا أو سماهم أنصارهم بـ « أهل السنه والجماعه » والدلیل أنک تجدهم کلهم یقلدون المذاهب الأربعه الذین أوجدتم السلطه الحاکمه ( کما سنبینه عما قریب ) ، ولیس عندهم فی أحکام الدین شیء یرجعون فیه لفقه أهل البیت أو لأحد الأئمه الاثنی عشر .
والحقیقه تفرض بأن الشیعه الإمامیه هم أهل السنه المحمدیه لأنهم تقیدوا فی کل أحکامهم الفقهیه بأئمه أهل البیت الذین توارثوا السنه الصحیحه عن جدهم رسول الله (صلى الله علیه وآله) ولم یدخلوا فیها الآراء والاجتهادات وأقوال العلماء .
وبقی الشیعه على مر العصور یتعبدون بالنصوص ویرفضون الاجتهاد فی مقابل النص ، کما یؤمنون بخلافه علی وبنیه لأن النبی (صلى الله علیه وآله) نص على ذلک ، فهم یسمونهم خلفاء الرسول ولو لم یصل منهم إلى الخلافه الفعلیه إلا علی ، ویرفضون ولا یعترفون بالحکام الذین تداولوا الخلافه من أولها إلى آخرها لأن أساسها کان فلته وقى الله شرها ولأنها قامت رفضاً ورداً على الله ورسوله وکل الذین جاؤوا بعدها هم عیال علیها فلم یقم خلیفه إلا بتعیین السابق له ، أو بالقتال والتغلب والقهر (۲) .
ولذلک اضطر « أهل السنه والجماعه » للقول بإمامه البر والفاجر لأنهم قببلوا بخلافه کل الحکام حتى الفاسقین منهم .
وامتاز الشیعه الإمامیه بالقول بوجوب عصمه الإمام فلا تصح الإمامه الکبرى وقیاده الأمه إلا للإمام المعصوم ولیس فی هذه الأمه بشر معصوم إلا الذین أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهیراً .
 ____________
(۱) لقد أغفلنا ذکر خلافه علی بن أبی طالب قصداً ، لأن « أهل السنه والجماعه » لم یکونوا یعترفون بها کما قدمنا إلا فی زمن أحمد بن حنبل . راجع فصل ( أهل السنه لا یعرفون السنه النبویه » ص ۴۴ من هذا الکتاب .
(۲) یستثنى من ذلک فقط خلافه علی بن أبی طالب ، فهو الوحید الذی لم یتعین من قبل الذی سبقه ، ولم یسلط علیها بالقهر والقوه ، بل بایعه المسلمون بکل حریه وطواعیه بل ودعوهم إلیها بإصرار .

Leave A Reply

Your email address will not be published.