الإمـام الکـاظـم علیه السلام فی أسطر

0

فهو السابع من هؤلاء الذین بوجودهم یکون الدین بخیر، وکذا الخلائق تکون بخیر.
ولد علیه السلام فی السابع من صفر لسنه (۱۲۸هـ) فی الأبواء، أمه حمیده البربریه والملقبه بحمیده المصفاه أی التی صفیت وطهرت من الأدناس والعیوب ـ وهذا دیدن أمهات الأئمه علیهم السلام ـ والتی قال عنها إمامنا الصادق علیه السلام:"حمیده المصفاه کسبیکه الذهب مازالت الأملاک تحرسها حتى أدّت لی کرامه من الله والحجه من بعدی".

عاش فی أحضان الإمام الصادق والده ما یقرب من عشرین سنه وتسلّم بعده منصب الإمامه الکبرى بعد شهاده والده وهو ابن العشرین، واستمر ناهضاً بهذا العبء خمسه وثلاثین سنه حیث رحل عن هذه الدنیا مسموماً فی سجن السندی بن شاهک فی بغداد فی حکومه هارون الرشید فی الخامس والعشرین من رجب لسنه (۱۸۳هـ) عن عمر یناهز الخامسه والخمسین.
والحدیث عن الإمام علیه السلام متشعب وطویل وله أبعاد کثیره ولا یمکن أن تحصر عند حد أو توقف عند أمد، ولکن النقطه التی سوف نسلط الضوء علیها، والتی هی ظاهره بارزه فی حیاته وحیاه آبائه وأبناءه علیهم السلام، والتی لا تخفى عن أعمى فضلاً عن بصیر، والتی تمثل معلماً ومنهجاً فی حیاتهم، وأعنی بها مواجهتهم للظالمین والوقوف فی وجوههم والتصدی لظلمهم وأبعاد الناس عنهم بل وزرع الجرأه فی قلوبهم على مواجهتهم، وهذا هو السبب الذی وعى أولئک الظالمین للانتقام منهم والتضیق علیهم وإیداعهم السجون والزنزانات وقتلهم بمختلف الوسائل من السم والسیف وغیره.
وهذا یکشف عن الصدق الذی عاشه هؤلاء فلم یداهنوا ولم یجاملوا وحتى التقیه التی کانوا یعیشونها إنما هی أسلوب من أسالیب المواجهه للباطل والظالم ونصره الحق، ولو تدبر الإنسان فی کثیر من المواقف لانکشفت له الحقیقه.
ومواجهتهم للظالمین تکشف عن حقیقه التوکل علی الله والثقه به التی عاشوها بحیث لم یدخلهم خوف من التصدی لهؤلاء مهما ملکوا من القدرات العسکریه والمالیه والإعلامیه لأنهم یلتجئون إلى قوه الأزل کما قال إمامنا الهادی علیه السلام:
(إن الله علم منا أن لا نلجأ فی المهمات إلا إلیه ولا نتوکل فی الملمات إلاّ علیه وعودنا إذا سألناه الإجابه فنخاف أن نعدل فیعدل بنا).
ومواجهتهم تکشف عن حقیقه الإعراض عن هذه الدنیا والزهد فیها وعدم المیل إلیها والحرص على تحصیلها، حیث کلفتهم تلک المواجهه أبسط الحقوق وحرمتهم من کثیر من نعیمها الزائل. فها هو موسى بن جعفر علیهما السلام یعیش فی السجون بعیداً عن أهله وأحبته وکان لا یمیز بین اللیل والنهار إلى أن یموت مسموماً فیها ویضع نعشه على جسر الرصافه ینادى علیه بنداء الاستخفاف و··· فلو کانوا یمیلون قید أنمله إلى الدنیا لحصلوا علیها وهم أبصر الناس بطرق الحصول علیها، ولکنهم یستحون أن یطلبوها من خالقها فکیف یطلبونها من مخلوق لا یصلح أن یکون نعلاً لعبیدهم:
فلقد ساووک بمن ناووک
وهل سـاووا نعلی قمبر
وعلى کل حال فان أهل البیت علیه السلام قد تصدوا لمواجهه الظلم بکل ما یتمکنون حتى جاءت الزیاره الجامعه المرویه عن إمامنا الهادی علیه السلام لتخبرنا عن الواقع الذی عاشوه :
(وجاهدتم فی الله حق جهاده وبذلتم أنفسکم فی مرضاته وصبرتم على ما أصابکم فی جنبه وأقمتم الصلاه وآتیتم الزکاه وأمرتم بالمعروف ونهیتم عن المنکر..)
وهاهی مواقف إمامنا الکاظم علیه السلام الذی عاصر من أحب الملک حباً وصل به إلى درجه لیصرح ـ ولم یتمکن من الکتمان ـ بأن صاحب القبر وأشار إلى قبر الرسول صلى الله علیه وآله وسلم لو نازعه على الملک لقطع الذی فیه عیناه واحتز رأسه، ولکن ذلک مع ماله من دنیا لم تمنع الإمام علیه السلام من التصدی له والعمل للوقوف ضد ظلمه بقدر ما یتمکن، وقد اتبع أسالیب مختلفه فی ذلک:
 
الأول:
من هذه الأسالیب هو بیان حرمه العمل معهم وإعانتهم وخطوره تلک الأعمال.
وقد أوضح بشاعتها بشکل تقشعر منه الجلود وترتعد له الأعضاء، ولم یعهد من أحد أنه تکلم بهذا الکلام کما تکلم به الإمام الکاظم علیه السلام ، والملاحظ فی ذلک هو أن تلک الخطوره التی أوضحها هی للأعمال التی فی ظاهرها یسیره والتی قد یتصور الناس أنها سهله یمکن أن یغض النظر عنها، فکیف تکون خطوره الأعمال التی هی أکبر وأخطر من تلک؟ وکیف تکون حاله نفس الظلمه وما هو المصیر الأسود الذی سیواجههم، فلیس فقط أن الإمام لم یرخص للعمل معهم بل زرع فی القلوب بغضهم والذی هو مقدمه لحرب هؤلاء، وإلیک شواهد من کلماته علیه السلام بهذا الصدد.
 
قال علیه السلام: (من سوّد إسمه فی دیوان ولد سابع حشره الله یوم القیمه خنزیراً)
سابع هو مقلوب عباس، وهذا التصویر فی غایه الدقه للتنفیر عن الظالم والعمل معه وإعانته وعدم الاقتراب منه فمجرد إثبات الاسم فی دیوانه هو موجب لحشر الإنسان یوم القیامه فی صوره خنزیر، وحشر الإنسان بهذه الصوره إنما هو تجسم لما هو علیه فی الدنیا بل إن عالم الآخره هو کشف للغطاء عن الحقیقه:
(…فَکَشَفْنَا عَنْکَ غِطَاءَکَ فَبَصَرُکَ الْیَوْمَ حَدِیدٌ)(ق/۲۲).
وکشف الغطاء إنما یکون عن شئ موجود کما أشار إلى ذلک السید الطباطبائی "قده" فی تفسیر المیزان، فإذا کان الذی یثبت اسمه هکذا حقیقته؟ فکیف بالذی قاتل عنهم ویحرس السجون لهم؟
وإذا کان هذا حال العامل معهم فکیف بهم؟ فلابد أن یحشروا فی صور تحسن عندها صور القرده والخنازیر.
ویترقى الإمام علیه السلام فی بیان خطوره العمل معهم ویقول إن الحقیقه واحده، حینما جاء صفوان بن یحیى الجمال وکان یؤاجر جماله لهارون الرشید لیذهب بها إلى حج بیت الله الحرام ولم یذهب معه لیخدمه وإنما یبعث معه غلمانه، ولکن فاجأه الإمام بما لا یتوقعه والذی هزّه من الأعماق بحیث ترک ذلک العمل مهما ترتب علیه من قبل هارون والکلمه التی قالها له هی مترتبه على سؤال قدمه الإمام لصفوان حیث قال علیه السلام: أتحب بقائهم لحین خروج کرائک منهم؟
ال صفوان: نعم.
فقال علیه السلام: من أحب بقائهم فهو منهم.
مع أن صفوان من خاصه أصحابه وهو یتصور أنه من أولیائه وشیعتهم وإذا بالإمام یصنفه فی عداد الظالمین لهم علیه السلام ولیس فی عداد العاملین معهم، وهذا هو الذی قلنا عنه البیان الذی هو أشد من الأول ولکنه لمن أحبّ بقائهم ولو لیوم واحد لا لذواتهم وحباً لهم وإنما طمعاً فیما بأیدیهم فکیف بالذی یحبهم لذواتهم، ولذا نهى عن أخذ الهدایا منهم خوفاً من دخول حبهم فی القلوب لأن النفوس مجبوله على حبّ من أحسن إلیها وصرحوا:
وإنکم لا تنالون من دنیاهم شیئاً إلا نالوا من دینکم بقدره).
فبقدر ما یحبهم الإنسان یذهب من دینه.
ویشدد على قبح العمل معهم، ویقول حین جاءه زیاد بن أبی سلمه یطلب منه رخصه للعمل معهم :
(لئن أسقط من حالق جبل فأتقطّع قطعه قطعه أحبّ إلیّ من أن أطأ بساط أحدهم).
ففی نظره علیه السلام أن السقوط من حالق جبل وما فیه من العذاب وما یتبعه من ألم أهون من العقاب الذی سیلاقیه الإنسان من أن یضع رجله على بسطا واحد منهم، فما هو العقاب المعدّ لهؤلاء الظلمه؟
وبهذا الأسلوب تمکّن الإمام علیه السلام من إخراج الکثیر وتخلیصهم من العمل معهم وردّع الکثیر عن التفکیر من العمل معهم أو التهاون فی المیل إلیهم، بل زرع فی النفوس بذره الوقوف فی وجوههم فضلاً عن أن هذا تحذیر للإنسان من أن یرغب فی دنیاهم ویحب منهجهم أو یمیل أن یکون من أمثالهم.
 
الثـانی:
الأسلوب الآخر فی مواجهه الظلم نصب بعض الوجوه التی لا تتأثر بالدنیا والتی فی قلوبها الحرقه على المحرومین وعندها دقه فی العمل، حیث أذن لهم بالعمل فی مناصب حساسه فی الدوله لتکون بالمرصاد لما یرید أن یفعله الطغاه بالضعفاء وتعمل بقدر ما تستطیع من الدفع عنهم والذب، وعلی بن یقطین خیر شاهد على ذلک ولعل هناک غیره ممن لم یکشفه لنا التاریخ فهو الذی قال لعلی:
"یا علی إن لنا بک أنسا ولإخوانک بک عزاً عسى الله أن یجبر بک کسراً ویکسر بک نائره المخالفین عن أولیاءه".
فکان علی عوناً للمظلومین والمحرومین الذین أدخلت الدوله الجوع إلى بیوتهم وأسکنت الفقر فی مساکنهم حتى لا یعارضوا حاکماً ولا یجاهدوا ظالماً، فمن الأسالیب التی اتبعها علی فی إعانتهم إعطائهم الأموال للذهاب لحج بیت الله نیابه عنه.
 
الثـالث:
من تلک الأسالیب هو تحمل الکثیر من المعاناه من قبل الدوله مع قدرته على التخلص منها، فانه أسلوب لفضح النظام وکشف خزیه وإنه بعید عن الإسلام تمام البعد وإنهم أعداء لرسول الله صلى الله علیه وآله وسلم ولیسوا خلفاء، وهناک الشواهد التی أوضحت أن، هذا الأسلوب من الأسالیب المؤثره حتى فی قلوب أصحاب سر هارون وخاصته، فالإمام قادر على التخلص من السجن وغیر السجن ولکن أراد أن یکشف القناع المزیف لهذا الرجل فی بقائه فی السجن ویوضح للناس أن هذا لا یحترم عالم ولا یقدر عابد ولا یخلص من شره صاحب خلق ولا یکرم ذریه رسول الله بل لا یؤمن بالله والیوم الآخر حتى أن الجاریه التی بعثها هارون لغرض افتتان الإمام وقد جلست فوجدته ساجداً لم یرفع رأسه من سجوده لله تأثرت بالإمام علیه السلام وشمّت شیئاً من عطر عبودیته وحین أخذوها لهارون قالت: ما ذنب هذا الرجل حین أودعته السجن.
وحتى حین قدم هارون إلى المدینه وزار الإمام وواعد الإمام بصله وقبل الإمام ذلک، فان الإمام یعلم بأنه لا یعطیه ولکنه أراد أن یکشف حقیقته للناس حیث أخذ یعطی للمغنین وللعواهر ولمن لا یعرف بنسب ولا فضل·
 
الرابـع:
هناک حوادث فعلها الإمام لیعرّض بالظالمین بل لیصرح، فقصه حجب إبراهیم الجمال على بابه وقوله علیه السلام :
(لا قبل الله حجک ولا شکر الله سعیک حتى یرضى عنک إبراهیم الجمال).
حیث أن علی بن یقطین قال لخدامه: لا تأذنوا لإبراهیم الجمال وقد جاءه فی حاجه ومنعه لا بغضا له وإنما خوفاً من اطلاع الحکومه على علمه ومع ذلک حجبه الإمام على بابه وقال له تلک المقوله ، فهذا لعلی بن یقطین المرضی عند الإمام ولأجل هذا الفعل ، فکیف بالذی یذل المؤمنین ویزّج بهم السجون یشرّد الکثیر منهم فلا یأوون إلى منزل وقد ملئوا أقطار الأرض··؟
ولذا کان کثیراً ما یوضح حرمه المؤمن عند الله ویؤکد على تکریمه فإن هذا تعریض بالظالمین الذین آذوا المؤمنین واضطهدوهم وأجاعوهم وأخافوهم.
 
الخامـس:
استعمال القوه فی بعض الأحیان لردع الظالم أو لردع الناس عن معونته والاغترار بدنیاه، وقصه الساحر الذی جاء به هارون للاستهزاء بالإمام علیه السلام خیر شاهد حیث أشار الإمام إلى صوره لأسدین على وساده بأخذه وقد حصل ذلک، وقام علیه السلام وطلب هارون من الإمام إرجاعه فقال حتى ترجع عصا موسى ما لقفت أتسلط أعداء الله على أولیاء الله " (راجع بحار الأنوار: ج۴۸ص۴۲).
 
السـادس:
مواجهه الإمام علیه السلام لأبی حنیفه الذی کان یشیع مذهب الجبر الذی أراد من خلاله أن یبرر للظالمین ظلمهم وأعمالهم وما على الأمه إلا التسلیم لهذا المقدر وعلیها السکوت وعدم التعرّض لهم لأنه أمر من قبل الله عزّ وجل.
إلى غیر ذلک من الأسالیب التی استعملها علیه السلام فی مواجهتهم والتی جعلت الظالمین یشعرون بخطورته علیهم وأنه یهدد ملکهم، خصوصاً وأن الناس تراه هو الألیق بالحکم لما یتصف به من علم وحلم وسماحه وعباده ورحمه وزهد وإعراض عن الدنیا، فأودعوه السجون تصوراً منهم أن السجون تحد صاحب هذه الهمه العالیه والعزیمه الراسخه ، فأدخل الرعب على قلوبهم فی سجونهم فعزموا على قتله غیله وهذه شیمه الجبناء وهذه هی نهایه المجاهدین المخلصین الذی لا یداهنوا فی الحق طرفه عین.
"والسلام على المعذّب فی قعر السجون وظلم المطامیر ذی الساق المرضوضه بحلق القیود والجنازه المنادى علیها بذل الاستخفاف".

Leave A Reply

Your email address will not be published.