قراءه تاریخیه… النور السجین الامام موسى بن جعفر الکاظم (ع)
إنه السفر الذی صاغ من القیود والأغلال طریق الحریه والکرامه, ورسم من ظلام السجون نهجاً أبلجاً علّم البشریه مقارعه الظلم والطغاه حتى النصر أو الشهاده, إنه النور الذی لم تزده ظلمات الجور الّا اتقاداً وومیضاً, إنه المعنى الحقیقی لرسالات السماء والذی لم یعرف السجود والرکوع والإنحناء الّا لربه, إنه ابن من بدد سُحب الکفر ببرق ذی الفقار وابن من لم یقرّ للظالمین حتى زلزلت صرخته عروشهم وقوّضت جبروتهم (هیهات منا الذله), إنه سلیل النبوه, ووریث الامامه الذی عانق القرآن منهجاً واتخذ سیره آبائه الابرار طریقاً للسیر على هدیهم وسلوکهم حتى امتزجت دماؤه بدمائهم فی سبیل إعلاء کلمه الله وبسط العدل ودحض الباطل, إنه بحر علوم النبوه وطود حلم الامامه الامام موسى بن جعفر الکاظم (ع).
والحدیث عن هذا الامام العظیم متعدد الجوانب متشعب الأغراض, خاض فیه الباحثون والکتاب کثیراً فکانوا کمن یغترف غرفه من بحر أو یحصی حبات الرمل فی القفر, فمناقبه أجل من أن توصف أو تحصى وقد اعترف بها القریب والبعید والموالی والمعادی وسنقتصر فی حدیثنا هذا على مواقف السلطه العباسیه التعسفیه تجاه الامام (ع) وما تعرض له من اضطهاد وظلم وسجن حتى استشهاده فی بالسم فی سجن هارون العباسی.
روى السید هاشم معروف الحسنی فی کتابه سیره الائمه ج ۲ ص ۳۲۸: ان المهدی العباسی استدعى الإمام الکاظم (ع) وعرض علیه أن یرد فدکاً الیه فرفض الإمام (ع) قبولها ولما ألح علیه المهدی قال (ع): لا أقبلها الّا بحدودها, ولما سأله المهدی عن حدودها, قال (ع): الحد الأول: عدن, فتغیر وجه المهدی, لکن الامام واصل کلامه قائلاً: والحد الثانی: سمرقند.. فأربد وجهه, فلم یعبأ به الامام وخاطبه بلهجه الواثق: والحد الثالث أفریقیه.. ولم یمهله المهدی حتى سأله باضطراب واضح: والحد الرابع ؟ فقال (ع) وهو لا یزال محتفظاً بهدوئه ولهجته المطمئنه: سیف البحر ما یلی الخزر وأرمینیه..
فلم یتمالک المهدی وهو یسمع الحد الرابع الا أن قام والغضب یعلو وجهه وقد فهم مقصود الامام وقال له: لم یبق شیء فتحول الى مجلسی.. فأجابه الامام بلهجه المنتصر: لقد أعلمتک بأنی إن حددتها لم تردها.
أول ما یُلاحظ من هذه المحاوره بین خلیفه عباسی وإمام من ائمه أهل البیت (ع) هو البون الشاسع والنظره المتناقضه لمفهوم الخلافه عند الجانبین فهذا المفهوم عند العباسیین لم یختلف من خلیفه الى آخر الّا باختلاف وتعدد الوسائل القمعیه والوحشیه التی قامت علیها سیاستهم الدمویه وقد امتلأت کتب التاریخ بجرائمهم وموبقاتهم وأدنى مراجعه لتاریخهم الاسود یُستشف منها أبشع وأسوأ صفحه من صفحات التاریخ الاسلامی فمفهوم الخلافه عند العباسیین لا یعدو مفهوم السلطه والتجبّر والقتل والتشرید والاستبداد والاستیلاء على مقالید الحکم بشتى الوسائل ورفع شعار (الملک عقیم)! إذ لم تقتصر الجرائم التی ارتکبها العباسیون على أهل البیت (ع) وشیعتهم وإن کان النصیب الاوفر من هذه الجرائم قد ارتکبت بحقهم بل طالت جمیع المسلمین بل وحتى من یتخوفون منه من العباسیین أنفسهم یقول الخوارزمی عن المنصور: (الذی لم یتورع عن قتل ابن أخیه وعمه عبد الله بن علی وأبی مسلم مؤسس دولته) وروى الصدوق فی عیون أخبار الرضا ج ۱ ص ۹۱ ان هارون العباسی قال لإبنه المأمون: (والله لو نازعتنی هذا الامر لأخذت الذی فیه عیناک, فإن الملک عقیم) ونجد المأمون قد استثمر هذه المقوله التی تماهت تماماً مع نزعته الدمویه فلم یتورع عن قتل أخیه الأمین ولو کان الامین هو المنتصر لفعل کما فعل أخوه.. هذا هو مفهوم الخلافه عند بنی العباس, الوصول الى السلطه بشتى الوسائل وحکم الناس بالقهر والجور والاستبداد وهتک الحرمات.
ولکن ما هو هذا المفهوم عند الامام الکاظم (ع)؟، لو رجعنا الى تاریخ أهل البیت (ع) نجد هذا المفهوم متجلیاً فی أقوالهم وأفعالهم على السواء, نجده فی قول أمیر المؤمنین (ع) لابن عباس عندما رآه یخصف نعله وهو فی طریقه لحرب الجمل فینکر ابن عباس أن یکون هذا الفعل فی هذا المقام فیبادره الامام بالسؤال: ما قیمه هذه؟، فیکون جواب ابن عباس بان لا قیمه لها فیأتی جواب الامام (ع) لیبین المفهوم الحقیقی للخلافه ویوضح أهدافها السماویه التی تجسد الخیر والاحسان واصلاح الانسان وخلق مجتمع فاضل فیقول له: (والله انها أحب الیّ من أمرتکم الّا أن أقیم حقاً وأدفع باطلاً), کما نجد هذا المفهوم فی الشروط التی وضعها الامام الحسن (ع) على معاویه والتی تنهاه عن سفک دماء الابریاء والامر بالمعروف والنهی عن المنکر ویتجلى هذا المفهوم بأروع صوره فی نهضه الامام الحسین (ع) بقوله: (ما خرجت أشراً ولا بطراً وانما خرجت لطلب الإصلاح فی أمه جدی رسول الله (ص) أرید أن آمر بالمعروف والنهی عن المنکر) کما تجلى هذا المفهوم فی سلوک الائمه (ع) کلهم ومنهم الامام موسى بن جعفر (ع) فالخلافه لم تکن فی مفهوم أهل البیت (ع) سلطه بقدر ما هی مسؤولیه وواجب تجاه الامه وقیادتها وفق أحکام الاسلام الحقه التی جاء بها خاتم النبیین (ص) وصونها من الزیغ الانحراف وهذا الامر لا یتأتى لأحد سوى الائمه الذین أختصهم الله بوحیه ونص علیهم الرسول (ص) وقرنهم بالکتاب وهذا ما قصده الامام الکاظم (ع) فی جوابه للمهدی.
وهذه المحاوله من المهدی إما ان تکون ساذجه فما قیمه فدک أمام الامبراطوریه العباسیه التی حدد الامام أرکانها الأربعه والتی حکمها العباسیون بالجور والظلم فالإمام کان أزهد الناس فی الدنیا وما فیها فضلاً عن فدک وإما ان تکون لإحتواء الإمام واستمالته للسلطه وهذا ما لا یکون أبداً ففکره وأخلاقه ینافیان سیاستها الجائره وقد أثار منهج الامام وسیرته حفیظه العباسیین فبقی (ع) طیله حکم المهدی تحت الرقابه الشدیده وقد استدعاه المهدی الى بغداد أکثر من مره وسجنه وعزم على قتله فکان الامام ینجو بدعاء یدعوه, وروى الخطیب البغدادی فی تاریخ بغداد فی احدى المرات التی سجن فیها الامام الکاظم (ع) فی سجن المهدی ان المهدی رأى فی بعض اللیالی علی بن أبی طالب (ع) فی نومه فقال له: یا محمد فهل عسیتم ان تولیتم أن تفسدوا فی الأرض وتقطعوا أرحامکم ففزّ مرعوباً واطلق سراح الامام (ع) لکنه لم ینقطع عن فساده فی الأرض وقطع أرحامه فشدد من مراقبته على الامام حتى هلک وفی عصر الهادی عاش الامام (ع) حادثه فخ الألیمه وما جرى على أهل بیته من المآسی فکان (ع) یتلوّى ألماً على هذه الحادثه وعبّر عنها بقوله (ع): (لم یکن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ).
وأما السنین التی قضاها الامام فی عصر هارون فکانت أسوأ ما مر علیه فی حیاته فقد سخّر هارون أجهزته لمراقبه الإمام ورصد حرکاته وسکناته وکثرت العیون والجواسیس حوله ولعل أشد ما قاساه الامام من ذلک هو انه کان من ضمنهم أقرب الناس الى الامام یقول السید محمد تقی المدرّسی فی کتابه التاریخ الاسلامی ص ۱۹۳ (ولکی تتمکن السلطات العباسیه من الحصول على المعلومات فقد بذلت من أجل ذلک الکثیر من الأموال لشراء الذمم حتى ذمم بعض العلویین) وروى الکشی والکلینیان محمد بن اسماعیل دخل على هارون العباسی وقال: (ما ظننت ان فی الأرض خلیفتین حتى رأیت عمی موسى بن جعفر یسلم علیه بالخلافه فأرسل الیه هارون مائه الف درهم فرماه الله بالذبحه فما نظر منها الى درهم ولا مسه) وهذا ما أثار کوامن حقده على الامام الکاظم (ع) فهو یعلم قبل غیره ما یشکله الامام من مصدر خطر علیه وما یحتله من حب وتقدیر فی نفوس الجماهیر التی تکوّن قاعده شعبیه واسعه فصمم على اعتقال الامام والتخلص منه بنفسه فذهب الى المدینه فی طریقه الى الحج فأمر جلاوزته بالقبض على الامام وأمرهم ان یتوجهوا به الى البصره وأمر عیسى بن جعفر المنصور الذی کان والیاً من قبل هارون بسجنه فبقی الامام سنه فی سجن عیسى حتى أمره هارون بقتله لکن عیسى امتنع وکتب الیه کتاباً مضمونه انه لا یستطیع قتل رجل یقضی لیله بالعباده ویصبح صائماً وطلب منه أن یرسل من یتسلم الامام منه أو یخلی سبیله فأرسل هارون من تسلم الامام من عیسى لیودعه عند الفضل بن الربیع فقضى الامام عنده مده طویله لا یصرف وجهه عن المحراب ثم أمره هارون بقتل الامام فأبى الفضل بن الربیع فکتب الیه بتسلیمه الى الفضل بن یحیى البرمکی فتسلمه منه ووضعه تحت المراقبه الشدیده ثم وسع علیه وأکرمه فبلغ ذلک هارون فأمر الفضل بقتله فأبى الفضل فاغتاظ هارون وأمر السندی بن شاهک بضرب الفضل بین یدیه مائه سوط وأراد قتله فتوسط یحیى بن خالد البرمکی والد الفضل فی تخلیص ابنه منه وسلّم الامام الى السندی الذی ضیق علیه، وقد جرت اثناء سجنه (ع) محاولات کثیره من قبل هارون للانتقاص من قدر الامام واخرى لاخضاعه وانتزاع اعتراف منه بشرعیه الخلافه العباسیه لکن کل هذه المحاولات کان مصیرها الفشل الذریع من هذه المحاولات ارسال جاریه بارعه الجمال الى الامام لأغرائه بها ولما ذهب هارون لیتفحص الامر وجدها ساجده خلف الامام وهی تقول (قدّوس, قدّوس) فقال هارون: سحرها موسى بن جعفر!
کما حاول هارون بعد ان صار فضل الامام وعبادته حدیث الناس أن یبرر فعلته الشنعاء بأطلاق سراح الامام بمجرد أن یسأله العفو فیکون ذلک اعترافاً من الامام بالذنب ومن ثم یستطیع هارون التشهیر بالإمام ولکن هارون نسی أو تناسى ان هذه النفس الابیه لا یمکن ان تخضع وتطلب العفو الا من بارئها وروى الیعقوبی انه قیل للإمام موسى بن جعفر بعد أن مکث مده طویله فی سجن هارون: لو کتبت الى فلان لیکلم هارون فیک فقال: حدثنی أبی عن آبائه أن الله أوصى الى داود ما أعتصم عبد من عبادی بأحد من خلقی دونی الا قطعت عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحته) والعجیب ممن یطلب ممن قرن الله طاعته بطاعته أن یطلب من یتوسط له عند طاغیه کهارون!
وانتشرت معاجز الامام ومناقبه وکراماته حتى فی بیوت سجانیه فکان مصدر قلق للسلطه وهو فی سجنه واصبح الکثیر من عرفوا ببغضهم لآل علی بن أبی طالب موالین للإمام لما رأوا من تقواه وورعه مثل أخت السندی وخادمه بشار والمسیب بن زهره الذی اذا أراد المنصور شراً برجل أمر بتسلیمه الیه فانه لما أوکل الیه حبس الامام الکاظم (ع) أصبح من موالیه وصار ینادیه بــ (سیدی) کل تلک الامور تجری أمام هارون أو تنقل الیه عن طریق العیون فیزداد غیظاً وغماً.
فماذا بعد ان تغلغل حب الامام الى الکثیر من رجال دولته وقاده جیشه بل وحتى غلمانه وجواریه الّا الحد من هذه السلطه الروحیه والخلافه الالهیه التی یتمتع بها الامام لیحافظ هارون على سلطته القمعیه وخلافته المزیفه ولیس من سبیل الى ذلک سوى قتل الامام فسولت له نفسه الخبیثه تلک الجریمه النکراء بدس السم الى الامام فبقی (ع) ثلاثه أیام ثم قضى نحبه ملتحقاً بالرفیق الاعلى مع آبائه الطاهرین.