والفجر … قراءهٌ معرفیّه فی المفهوم والدلاله المفادیه
قال الله تعالى فی محکم کتابه العزیز : بسم الله الرحمن الرحیم (( والفجر * ولیالٍ عشر)) ( سوره الفجر /۱/۲) .
الفجر : هو مفهوم وجودی ؛ یفصح عن بدء النهار تکوینیا وشرعیا ، وعلى أساسه تترتب أحکام فقهیه ؛ کوجوب الصلاه فیه ، أعنی صلاه الفجر ، أو مثلا بدء الصیام منه فی شهر رمضان الکریم .
ومن هنا جاء قسم الله تعالى به إعلاناً عن عظمه الفجر وقیمته الوجودیه فی حیاه الإنسان . وظاهره الفجر تُشکّل نحواً من القدره الإلهیه الکبیره فی التصرف فی عالم الوجود ، حیثُ یقوم تعالى بصرف اللیل ببدء الفجر الصادق أول النهار ، وهذه هی القدره العجیبه لله تعالى فی تحریک الطبیعه بلیلها ونهارها ، بلا تداخل ولاتسابق کما ذکر تعالى : (( إنّ فی خلق السموات والآرض واختلاف اللیل والنهار لآیات لأولی الألباب )) ( آل عمران/۱۹۰) .
ویقیناً أنّ قسم الله تعالى بظاهره الفجر ، تأتی وفق مصالح وصلاحات وملاکات ومعاییر تکوینیه وأخلاقیه ووجودیه ، ترجع فی معطیاتها إلى مساحه الإنسان المستثمر لها عملیا.
ویمکن الوقوف ببساطه تحلیلیه لأهمیه قسم الله تعالى بالفجر ، وبتبویب أهم نقاط ومنافع الفجر والتبکیر فی حیاتیا ….
۱- فی الفجر تتحقق مفاهیم البرکه الإلهیه للناس . لذا أکد الرسول ( صلى الله علیه وآله ) هذا المعنى فی حدیثه الشریف : (( إنّ الله بارک لأمتی فی بکورها )) ( إنظر: الحدائق الناظره / المحقق البحرانی /ج۱۴/ ص۲۶) .
والمقصود بالبرکه : هی الطاقه الخیّره التی أودعها الله تعالى فی وقت الفجر تکوینیا ، وندب إلیها تأکیداً للإستفاده البشریه منها ، لذا أقسم تعالى بالفجر .
وهناک روایات تٌشیر إلى هذا المعنى ، وهو أنّ الله تعالى فی بدء الفجر یبثٌ طاقه عظیمه تنزل من السماء إلى الآرض ، بعد أذان الفجر ، والمستیقظ من المؤمنیین ینال ذلک وجودیا وعملیا دون النائم ، فلذا تعرض الله تعالى لهذه الحقیقه فی قوله تعالى : (( وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر کان مشهودا )) ( الإسراء/۷۸) .
ومعنى مشهودیه قرآن الفجر: أی صلاه الفجر ، وبدء النهار هو هبوط الملائکه بخیر ورحمه الله إلى الارض ؛ کی ینالها القائمون فی الفجر ، والمصلون لصلاه الفجر ، والمتبکرون فی الرزق .
وهذا أیضا قسم ثانٍ مؤکد لقوله تعالى ، والفجر کحقیقه إلهیه مشتمله على تکلیف العباد بصلاه الفجر ، والتی جزائها مشهودیه الخیر والبرکه ، ونزول الرحمه إلى العباد المؤمنین .
2- أثبتت الأبحاث العلمیه الحدیثه ، أنّ أعلى نسبه لغاز الأوزون فی الجو تتحقق عند الفجر ، وتبدأ بالتلاشی تدریجیا عند طلوع الشمس . ویذکر العلماء أنّ لهذا الغاز تأثیراً مفیداً على نشاط وحیویه الجسد ، والفکر البشری ، خاصه الجهاز التنفسی ، ومن الثابت أنّ التنفس هو أساس الحیاه الصحیه ، فکلما دخل غاز الأوزون إلى الجسم من خلال التنفس للهواء فی واقع الفجر ، زاد نشاط الإنسان حیویه وفعالیه .
وقد جاء فی بعض الأبحاث الطبیه ، أنّ جهاز المناعه یکون فی غایه الضعف عند الفجر ، وهذا مایُفسّر الکسل الجسدی ، واحتمال انتقال عدوى نزلات البرد ، والإصابه بنوبات القلب عند عدم النهوض فی الفجر ، والبقاء فی حاله الإستیقاظ ، لذا ینصح الأطباء بالإستیقاظ مبکرا ؛ لتقویه جهاز المناعه ، من خلال حرکات الصلاه ، والمشی والتنفس الحی ، وتناول شیئاً من الطعام .
۳- توفیر الصحه العقلیه والذهنیه : لقد أثبتت التجارب البشریه ، والتجربه تفید علماً طبعا ، بأنّ قوه الحفظ والذکاء عند الفجر ؛ تفوق بدرجات بقیه الأوقات ، وهذه الحقیقه ذکرها رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) فی قوله : (( إغدوا فی طلب العلم فإنّ الغدو برکه ونجاح )) ( إنظر: فیض القدیر فی شرح الجامع الصغیر/المناوی/ج۲/ص ۲۳) .
۴- تحقیق الصحه الروحیه والنفسیه : فالإرتباط الروحی والنفسی بالإلتزام بصلاه الفجر ، یُحقق قسطاً کبیرا من الإتزان النفسی للإنسان المؤمن ، بأنّ خالقه یرعاه ویحفظه ، وسیُجازیه على قیامه هذا ، فضلا عن صلاح حاله فی الدنیا .
۵- إستقرار الحیاه المادیه للإنسان : یقینا أنّ أرزاق الخلائق المعنویه والمادیه بید الله تعالى ، وتقسیمها یتحقق فی وقت مابین الفجر وطلوع الشمس ، على ما ذکرت الروایات الصحیحه ، فمن استیقظ فی وقت الفجر کان رزقه المعنوی والمادی مبارکا .
فقد ورد فی تفسیر قوله تعالى : (( فالمُقسِمات أمرا )) ( الذاریات/۴/) : إنّ الملائکه تقسم أرزاق بنی آدم ما بین طلوع الفجر إلى الشمس ، فمن نام مابینهما ، نام عن رزقه ( إنظر: ذکرى الشیعه فی أحکام الشریعه/الشهید الاول/ج۳/ص ۴۴۷) .