الإشاعه رؤیه قرآنیه
هنا محاوله لتسلیط الضوء على الإشاعه … وکیف تعاملَ معها القرآن ، فی واحده من محطّات تاریخ الإسلام .
ظاهره اجتماعیّه قدیمه :
الإشاعه أو الشائعه ( Rumeur ) ظاهره اجتماعیّه بالغه الأهمیّه ، ویضاعف من هذه الأهمیّه شیوعها فی کلّ زمان ومکان ، وإنّها مسلک مألوف من مسالک الجماعات … وتعتبر الشائعات وسیله مؤثّره من وسائل الدعایه السوداء ، وأداه رئیسیّه من أدواتها ؛ لأنّها تعمل على بث الذعر والکراهیّه وتحطیم الروح المعنویّه ، وإثاره عواطف الجماهیر وبلبله أفکارهم ، وخاصّه فی أوقات الحروب والأزَمات ، حیث یستولی على الناس الخوف والرعب (۲) .
وفی ضوء هذا ، فالإشاعه : سلاح من أسلحه الحرب النفسیّه ، یتمثّل فی خبر مدسوس کلیّاً أو جزئیاً ، وینتقل شفهیّاً أو عبر وسائل الإعلام دون أن یرافقه أی دلیل أو برهان ، ویُقصد به تحطیم المعنویات (۳) .
فمنذ أقدم العصور عرفَ الإنسان الحرب النفسیّه ، وأثرَها التخریبی فی تماسک الشعوب والأُمم والجماعات والأفراد ، خصوصاً فی حاله الحروب والأزَمات والتحوّلات الاجتماعیّه والأحداث الجدیده ، فاستخدَمها کسلاح هدّام فی صراعه الفکری والعسکری والسیاسی والاقتصادی … إلخ (۴) .
وقد وجِدت الإشاعه حیث وجِدت المجتمعات البشریّه ، وتطوّرت مع تطوّر المجتمع ، وتبلوَرت فی ظلّ کلّ حضاره وثقافه ، فأخذَت أشکالاً متنوّعه ، وقد لَعبت الإشاعه دوراً فی التاریخ ، فأدّت مثلاً إلى موت سقراط بتهمه تحریض الشبّان فی أثینا على التمرّد والعصیان (۵) .
ویقول إلبورت وبوستمان فی کتابهما عن سیکولوجیّه الإشاعه : إنّ أباطره الرومان کانوا یعانون من الإشاعات التی تنتشر بین سکان المُدن والقرى … من أجل ذلک قام کثیر من هؤلاء الأباطره باستخدام حرّاس الإشاعات للاختلاط بالناس وتجمیع الإشاعات التی یتناقلونها ، وإبلاغها للإمبراطور فضلاً عن إطلاق الإشاعات المضادّه (۶) .
وقامت الحروب فی القرون الوسطى ؛ نتیجهً للمغالاه فی روایه قصص المعجزات والجرائم والأسلاب ، وکان لها دور فی التعبئه النفسیّه فی أوربا إبان الحروب الصلیبیّه .
ومن الأمثله التاریخیّه ذات الدلالات ، الإشاعه التی ساعَدت على اندلاع الثوره الهندیّه ضدّ بریطانیا عام ۱۸۵۷، فلقد کان الجنود الهنود العاملون فی جیش الهند البریطانی یستخدمون بنادق تملأ من فوهه السبطانه (الماسوره) ، وکان علیهم خلال الرمی أن ینزعوا بأسنانهم الورق المشحّم من طرف کلّ خرطوشه ، حتى یسقط البارود فی سبطانه البندقیّه قبل وضع المقذوف فی مکانه ، واعتمدت الإشاعه التحریضیّه على هذا الأمر ، إذ انتشرت بین الجنود المسلمین إشاعه تقول : بأنّ الشحم المستخدم هو شحم خنزیر ، وخُیّل للهندوس بأنّه شحم بقر ، وقد حاولَ الانکلیز وقتذاک إقناع الجنود بالقیام بأنفسهم بتشحیم ورق الخرطوش بالسمن النباتی (۷) .
تزاید دورها فی العصر الحدیث :
وفی العصر الحدیث تطوّرت أسالیب الإشاعه ، وکانت فتره الحرب العالمیّه الثانیه مسرحاً مکثّفاً لانتشار الشائعات على نطاقٍ واسع ، خاصّه وإنّها اُستخدمت کسلاح ذی حدّین : للإقناع ، والاستفزاز .
ولهذا نجد أنّ موضوع الإشاعه من المواضیع التی اهتمّ بها علم النفس ، منذ الحرب العالمیّه الثانیه ، فلقد لاحظَ علماء النفس والمهتمّون بالحروب النفسیّه ، أنّ الإشاعه وسیله هامّه من وسائل الحرب النفسیّه یفید منها العدو ، الذی یوعز إلى عملائه ببث الإشاعات ، التی تُبلبل نفسیّه الجماهیر وتفقّدها ثقتها بحکومتها وتشکّکها بجیشها وقوّاتها المحارَبه ؛ ولذلک عکفَ علماء النفس على درس الإشاعات وعوامل انتشارها وما یحدث لها منذ أن تُطلق إلى أن تنتشر (۸) .
وقد أولت مدارس الدعایه السیاسیّه الإشاعه اهتمامها الکبیر ، وهذا غوبلز ـ مهندس الدعایه الهتلریّه ـ نموذج شاخص فی هذا الاتجاه ، إذ کان یجمع الشائعات المتجوّله بصوره منهجیّه ، وینظّم دعایه مضادّه لتحییدها ، سواء من خلال الاتصال الکلامی ، أم من خلال الصحافه المطبوعه والرادیو والسینما ، أو أنّه کان یلجأ إلى (شهود) أجانب ، وهم عموماً من المحرّرین المحابین .
وکما هو الأمر بالنسبه للنبوءات والتنبّؤات والتنجیم ، لم یکن غوبلز یتردّد فی إعطاء تلک الشعوذات تفسیراً رسمیّاً ملائماً لخطط التاریخ . هناک مثال متمیّز حول مهارته فی هذا المجال :
فی نهایه صیف ۱۹۴۳ انتشرت شائعه حول إعدام عدد من کبار شخصیّات النظام ، وعمدَ غوبلز إلى المزایده على هذه الشائعه ، فأعطى أمراً لقطّاعاته المتخصّصه بنشر شائعه مفادها : أنّ هیملر نفسه قد اعتُقل وأُعدم ، هذا ما أحدثَ انفعالاً کبیراً ، وفی اللحظه المناسبه ، عادَ هیملر إلى الظهور فی کلّ مکان ، ممّا أدّى ـ کضربه مقابله ـ إلى تدمیر مجمل الشائعات التی انتشرت حول هذا الموضوع ، کان الأمر یکمن فی تحطیم شائعه کاذبه من خلال شائعه أخرى تفوقها کذباً ، ولکن من الممکن إثبات أنّها عاریه عن الصحه (۹) .
قِبال ذلک : کانت أجهزه الحلفاء تقوم بدعایه سیاسیّه مضادّه ، ولجأت فی معرکتها ضدّ الخصم إلى أسلوب تحلیل الوسائل والخدع التی تلجأ إلیها الدعایه السیاسیّه المعادیه وفضحها أمام الجمهور ، وهذا ما سعى إلیه (معهد تحلیل الدعایه السیاسیّه) Instiute For Propaganda Analysis فی الولایات المتّحده الأمریکیّه خلال الفتره الممتدّه بین عام ۱۹۳۷ وعام ۱۹۳۹ .
وحاولَ هذا المعهد أن یُحصّن الجمهور ضدّ کلّ نوع من أنواع الدعایه السیاسیّه ، معلمّاً إیّاه کشف الخدع الرئیسیّه التی یلجأ إلیها الخصم .
کذلک أنشأ صَحفی أمریکی ، خلال الحرب العالمیّه الثانیه ، زاویه أطلقَ علیها اسم (عیاده الشائعه) حیث لم یکن یکتفی بتکذیب الأنباء المزیّفه التی تُسیء إلى معنویات السکّان ، بل کان یقوم أیضاً بتحلیل نفسی لهذه الشائعات بُغیه کشف العوامل التی ولّدتها وسهّلت تداولها (۱۰) .
ما هی الإشاعه؟
الإشاعه أو الشائعه معناهما واحد … فقد جاء فی المعجم الوسیط أنّ (الشائعه : الخبر ینتشر ولا تثبّت فیه) ، و(الإشاعه : الخبر ینتشر غیر متثبّت منه) (۱۱) .
یقول ابن منظور : (شاعَ الشیب : ظهرَ وتفرّق ، وشاعَ الخبر فی الناس شَیْعاً وشَیَعاناً …، فهو شائع : انتشرَ وافترق وذاع وظهر ، وأشاع ذِکرَ الشیء : أطارَه وأظهره ، وقولهم : هذا خبر شائع وقد شاعَ فی الناس ، معناه قد اتّصل بکل أحد فاستوى علم الناس به ولم یکن علمه عند بعضهم دون بعض ، والشاعه : الأخبار المنتشره ، وفی الحدیث : ( أیّما رجل أشاعَ على رجل عوْره لیشینه بها ) ، أی : أظهرَ علیه ما یعیبه .
وأشَعت السرّ وشِعْتَ به : إذا أذعتَ به … ورجل مِشْیاع أی : مذیاع لا یکتم سرّاً (۱۲) ، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الکریم فی قوله تعالى : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ) (۱۳) .
والشائعه أیضاً هی : (معلومه لا یتحقّق من صحتها ، ولا من مصدرها ، تنتشر عن طریق النقل الشفوی) کما وردَ فی قاموس موریس .
ویعرِّفها الدکتور مختار حمزه بقوله : ( الإشاعات : هی الأحادیث والأقوال والأخبار والروایات التی یتناقلها الناس دون تأکّد من صحّتها ، ودون التحقّق من صدقها ، ویمیل کثیر من الناس إلى تصدیق کلّ ما یسمعونه دون محاوله للتأکّد من صحّته ، ثُمّ یأخذون یروون بدورهم إلى الغیر ، وقد یضیفون إلیه بعض التفصیلات الجدیده ، وقد یتحمّسون لِمَا یرونه ویدافعون عنه ، بحیث لا یدعونَ السامع یتشکّک فی صِدق ما یقولون .
والشائعه ـ کما یقول الدکتور إبراهیم إمام ـ : تقوم على أساس انتزاع بعض الأخبار أو المعلومات ومعالجتها بالمبالغه ، والتأکید أحیاناً ، وبالحذف والتهوین أحیاناً أخرى ، ثُمّ إلقاء ضوء باهر على معالم محدّده ، تُجسّم بطریقه انفعالیّه وتُصاغ صیاغه معیّنه ، بحیث یتیسّر للجماهیر فهمها ، ویسهل سریانها ، واستساغتها ، واستیعابها على أساس اتّصالها بالأحداث الجاریه وتمشّیها مع العرف والتقالید والقیَم السائده ) (۱۴) .
الأهمیّه والغموض :
والإشاعات التی تُروّج بین الناس قد تکون عن قصد ، أو عن غیر قصد … وتلعب الإشاعات المقصوده المغرضه دوراً رئیسیّاً فی أوقات الحروب والأزَمات ؛ لأنّها تُثیر العواطف ، وتترک آثاراً عمیقه فی النفوس … أمّا الإشاعات غیر المقصوده ، فتسمّى ثَرثره أو دردشه … ویجد کلّ من ناقلها ومستمعها لذّه ومتعه فی روایتها ، دون أن یعلموا أنّهم یساعدون على نشر الإشاعات الکاذبه والروایات المختلفه (۱۵) .
ولیست کلّ الإشاعات بالضروره مختلقه من أساسها ، فهناک إشاعات تستند إلى حدث حقیقی یتمّ تشویهه عند إطلاق الإشاعه ، ویعتمد انتشار الإشاعه المختلقه أو المستنده إلى حدث ، على أهمیّه موضوعها ، وتوافر عنصرَی الإثاره والغموض فیها (۱۶) … والقانون الأساسی للإشاعه عباره عن حاصل ضرب الأهمیّه فی الغموض ، ولیس حاصل جمعهما . فإذا کانت الأهمیّه کبیره والغموض صفراً ، فلن تکون هناک إشاعه ، کذلک إذا کان الغموض شدیداً فی موقف لا یهمّنا ، فلن تکون هناک إشاعه … وبتعبیرٍ آخر : إذا لم یکن للموضوع أهمیّه ؛ فإنّ غموضه لا یکفی وحده لاختلاق إشاعه ، کذلک فإنّ الإشاعه لن تقوم لها قائمه إذا کانت الأمور واضحه لا غموضَ فیها (۱۷) .
ویلاحظ أنّ الغموض قد ینتج عن انعدام وسائل الاتصال والإعلام ، أو فقدان الأخبار الموثوقه ، أو أمثال ذلک من الأسباب التی تکثر أثناء الحروب ، أو فی البلاد التی مزّقتها الحروب ، أو فیما بین الجماعات المعزوله کبعض الفِرَق الحربیّه أو بعض الجماعات النائیه .
کما قد ینشأ الغموض عن انتشار الأخبار المتضاربه وانعدام الثقه بالسلطات الحاکمه ، أو وجود رقابه على الأخبار وسواها (۱۸) أو نقص المعلومات الرسمیّه وتضاربها ، وسوء الاتصالات والاستعداد النفسی لتقبّل الإشاعه ، وهذا ما یفسّر انتشارها بسرعه إبان الحروف والاضطرابات ، وفی المجتمعات المحرومه من الاستقرار الداخلی … بسبب تناقضاتها الحادّه ، سواء کانت هذه التناقضات اجتماعیّه أم دینیّه أم عَرقیّه (۱۹) .
ففی مثل هذه الأجواء تنتشر الإشاعات الهدّامه التی تتعلّق بحیاه الإنسان ومصالحه ؛ لإثاره الخوف والرعب والفرقه والخلاف والضعف ، فتثیر الإشاعات المخوّفه من الغلاء وندره السِلَع ، أو قوّه العدو العسکریّه وتفوّقه ، أو ضعف قوّه الجبهه الداخلیّه ، أو الفُرْقه الطائفیّه والعنصریّه والمذهبیّه والإقلیمیّه ، أو التشکیک بالشخصیّات والقیادات والکیانات … والإیحاء للآخرین بالشُبهات والتُهم وضُعف الصف … وتخلخل تماسکه (۲۰) .
أشکالها ، سایکولوجیتها :
تُقسّم الشائعه إلى أشکال متعدّده ، فهناک الشائعه التی تنتقل ببطء من شخصٍ إلى آخر ، والشائعه التی تنطلق بضجّه فتصل إلى أسماع عدد کبیر من الناس خلال فتره زمنیّه قصیره ، وتکثر فی الکوارث وعند الانتصارات أو الهزائم الساحقه ، والشائعه التی یُطلق علیها تسمیه الشائعه الغائصه ، أی أنّها تروّج فی البدایه ثُمّ تختفی لتظهر ثانیه ، عندما تُتاح لها فرصه للظهور .
ویمکن التمییز بین الشائعه التی یطلقها العدو أو عملاؤه ، والشائعه التی تنطلق ذاتیاً للتنفیس عن کبتٍ شدید ، أو للتظاهر بسعه الاطلاع والمعرفه ، أو تفسیر الأحداث بشکلٍ خیالی یبرِّر التطوّرات والأحاسیس العنفیّه .
وتتعرّض الشائعه إلى تحریف ناقلیها فیُسقطون بعض تفصیلاتها ویرکّزون على البعض الآخر ، ویعطونها طابعاً مشوّقاً یزید من خطورتها وقدرتها على الإقناع (۲۱) .
وتوجد علاقه طردیّه بین شدّه الإشاعه ودرجه الصداقه وعلاقات الألفه والمحبّه التی تقوم بین الأفراد ، حیث یسهل سریان الإشاعه عبر العلاقات والتفاعلات التی تقوم بین الأصدقاء والأقارب ، ومع أنّ الإشاعه تنتقل فی المجتمع ککل ، إلاّ أنّها تبدأ فی إطار هذه العلاقات حیث یکون التفاعل على أشدّه (۲۲) .
ویمکن تقسیم الإشاعات على أساس دلالتها ودوافعها إلى ثلاثه أنواع رئیسیّه ، هی : إشاعات الأحلام والأمانی … وإشاعات الکراهیّه والعداء … وإشاعات الخوف … (۲۳) .
ویلاحَظ أنّ الإشاعات قد تنتج عن الخوف ، خوف المواطنین ، فهم یفتحون آذانهم لالتقاط الإشاعات التی قد یطلقها أُناس أبریاء أو جماعه من العملاء والمخرّبین والخَونه . وهنا نلاحظ علاقه الإشاعه وانتشارها بوجود الأقلیّات العرقیّه أو الدینیّه أو القومیّه أو سواها ، وکیف تدور هذه الإشاعات حول هذه الأقلیّات وتتناولها وتهاجمها …
ولقد أُجریَ إحصاء فی أمریکا عام ۱۹۴۲ حیث دُرست ألف إشاعه ، فوجِدَ أنّها تتوزّع کالتالی :
ـ ۶۶٪ کانت إشاعات عداء .
ـ ۲۵٪ کانت إشاعات خوف .
ـ ۲٪ کانت إشاعات تمنِّی .
ـ ۷٪ کانت إشاعات من أنواع مختلفه .
ولقد لوحِظ أنّ إشاعات الخوف والتمنّی ما لبثت أن تغیّرت طبیعتها باقتراب النصر ، على أنّ الملحوظ أنّ غالبیّه الإشاعات کانت من طبیعه افترائیّه شرّیره ، وتعبّر عن عداء ضدّ هذه الجماعه أو تلک (۲۴) .
وقد توقّف علماء النفس أمام (سیکولوجیّه الإشاعه) ، وأوعزوا الأسباب الرئیسیّه لانتشارها إلى أنّها تقوم بوظیفه مزدوجه ؛ فهی تفسّر التوترات الانفعالیّه التی یستشعرها الأفراد وتُنفّس عنها … ومعلوم أنّ التنفیس المادی والمعنوی یسبِّب تراخی التوتر ، ویقود إلى الشعور بالراحه (۲۵) .
وتأسیساً على ذلک ، اعتبر علماء الحرب النفسیّه الإشاعهَ من أهمّ الأسلحه التی یلجأون إلیها فی الحرب ، داخلیّاً وخارجیّاً ، وتقوم الکیانات السیاسیّه باستخدام الإشاعه کسلاح یغتالون به سمعه أعدائهم خُلقیّاً ومسلکیّاً ووظیفه ونزاهه ، ولکنّ الإعلام الإسلامی والرأی العام الإسلامی یرفض اللجوء إلى هذا النوع من الإشاعات ، سواء أکانت فردیّه أم جماعیّه ، وطلبُ من المسلم أن یرقى بنفسه عن هذا الدرک السیئ من اللجوء إلى الإشاعه الکاذبه لتحطیم وتفسیخ المجتمع (۲۶) ، وقد عالجَ القرآن الکریم هذا الموضوع الخطیر فی غیر موضع ، وتناوله على أکثر من صعید .
الإشاعه فی القرآن :
لم یأتِ فی القرآن الکریم ذکر صریح للإشاعه أو مشتقاتها ، إلاّ مرّه واحده وردت فی سوره النور ، وهو قوله تعالى : ( إِنّ الّذِینَ یُحِبّونَ أَن تَشِیعَ الْفَاحِشَهُ فِی الّذِینَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ ) (۲۷) بَیْدَ أنّها وردت فی مفهومها الشامل وتطبیقاتها ومدالیلها العدیده فی الکثیر من المواطن والمواقف المشهوده .
وککل حرکات التغییر الکبرى التی ترکت بصماتها على مسیره التاریخ ، لم تمر الدعوه الإسلامیه بسلام ، ومن دون ردود فعل مضادّه وعنیفه وشرسه ، فمنذُ أن جهرَ رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) بالدعوه إلى الله ، وعالنَ قومه بضلال ورثوه عن آبائهم ، قرّر المشرکون ألاّ یألوا جهداً فی محاربه الإسلام وإیذاء الداخلین فیه ، وانفجرت مکّه بمشاعر الغضب ، وظلّت عشره أعوام تعدّ المسلمین عصاه ثائرین ، فَزلزَلت الأرض من تحت أقدامهم ، واستباحت دماءهم وأموالهم وأعراضهم ، وصاحب کلّ ذلک حرب عاتیه من الشائعات المغرضه ، والسخریه والتحقیر ؛ لتخذیل المسلمین ، وتوهین قواهم المعنویّه ، وتحطیم نفسیَّاتهم … فرُمیَ النبی (صلّى الله علیه وآله وسلّم) وصحابته بتُهم هازله وشتائم سفیهه ، وأُشیعت حولهم الافتراءات والأباطیل للحط من مکانتهم لدى الجماهیر …
وفی المدینه حیث کثر عدد المسلمین ، فقد اتخذت العداوه للإسلام طریق الدس والنفاق والمخاتله وترویج الشائعات ، فأسلم فریق من المشرکین والیهود ظاهراً ، وقلوبهم تغلی حقداً وکفراً ، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أُبی بن سلول العوفی (۲۸) .
وفی غمره المواجهه الضاریه … حرصَ القرآن الکریم على توعیه المسلمین ، وتکوین الحسّ السیاسی والإعلامی لدیهم ، لصیانه الرأی العام الإسلامی ، وتحصینه من التأثّر بالإشاعات والأکاذیب والأراجیف التی یبثّها المندّسون والمنافقون والخصوم ؛ لیکوّن المناعه الفکریّه والنفسیّه ، ویُفوّت الفُرص على أولئک المخرّبین ، فثبّت الأُسس والموازین اللازمه للإنسان المسلم ، لیتمکّن من فحص وتمییز الإشاعه والدعایه الکاذبه وفرزها ، والوقوف بوجهها (۲۹) .
وحینما نستقرى آیات القرآن التی تحدّثت عن الإشاعات التی روّجها أعداء الإسلام ، وأسلوب التعامل معها … نجد نماذج عدیده لها مبثوثه فی کتاب الله ، وتکاد تغطّی کلّ مساحات المواجهه خلال مرحله النبّوه ، وفیما یلی بعض المحطّات الهامّه (۳۰) .
ـــــــــــــــ
* اقتباس وإعداد شبکه الإمامین الحسنین (علیهما السلام ) من : مجلَّه " رساله القرآن " ( نشره فصلیه تُعنى بالشؤون القرآنیه ) ، دار القرآن ـ قم ، العدد ۱۱ ( رجب ـ شعبان ـ رمضان ) ، ۱۴۱۳ هـ ، ص ۷۷ ـ ۱۰۲ .
ــــــــــــ
۱ ـ مؤسّسه البلاغ : (مرتکزات أساسیّه فی الإعلام القرآنی) ، طهران ، ۱۴۱۲هـ ـ ۱۹۹۲ م ، ص : ۲۵٫
۲ ـ د. محمد فرید محمود عزّت : (بحوث فی الإعلام الإسلامی) ، جدّه ، ۱۴۰۳ هـ ـ ۱۹۸۳م ، ص : ۱۳٫
۳ ـ د. عبد الوهاب الکیالی وآخرون : (موسوعه السیاسه) ۳: ۴۲۳ ، بیروت ، ۱۹۸۳٫
۴ ـ مرتکزات أساسیّه فی الإعلام القرآنی : المرجع السابق.
۵ ـ موسوعه السیاسه : المرجع السابق.
۶ ـ د. أحمد بدر : (الرأی العام : طبیعته وتکوینه وقیاسه ودوره فی السیاسه العامّه) ، القاهره ، ۱۹۷۷ ، ص : ۱۳۴٫
۷ ـ موسوعه السیاسه : المرجع السابق.
۸ ـ د. فاخر عاقل : (سیکولوجیّه الإشاعه)، مجلّه العربی ، العدد (۹۴) . سبتمبر ۱۹۶۶ ، ص : ۶۷٫
۹ ـ د. فریال مهنا : (تقنیات الإقناع فی الإعلام الجماهیری)، دمشق ۱۹۸۹ ، ص : ۸۲٫
۱۰ ـ غی دورندان : الدعایه السیاسیّه . ترجمه د. رالف رزق الله ، بیروت ، ۱۴۰۳هـ ـ ۱۹۸۳م ، ص : ۶۷٫
۱۱ ـ المعجم الوسیط : الجزء الأول ، ط (۲) ، القاهره ، ۱۹۷۳ ، ص: ۵۰۳٫
۱۲ ـ ابن منظور : لسان العرب ۷: ۲۶۰٫
۱۳ ـ النساء : ۸۳٫
۱۴ ـ اعتمدنا فی هذه الاستشهادات على کتاب (بحوث فی الإعلام الإسلامی) للدکتور محمد فرید محمود عزت ص: ۱۴ ـ ۱۵٫
۱۵ ـ م. س.
۱۶ ـ موسوعه السیاسه : المرجع السابق : ۴۲۴٫
۱۷ ـ بحوث فی الإعلام الإسلامی ، م. س : ۱۶٫
۱۸ ـ سیکولوجیه الإشاعه : م. س.
۱۹ ـ موسوعه السیاسه : م. س.
۲۰ ـ بشیء من التصرف من کرّاس : (مرتکزات أساسیّه فی الإعلام القرآنی): ۴۲٫
۲۱ ـ موسوعه السیاسه ، م. س : ۴۲۳٫
۲۲ ـ بحوث فی الإعلام الإسلامی : م. س.
۲۳ ـ للمزید من الاطلاع على أنماط هذه الإشاعات یراجع المرجع السابق : ۱۷ ـ ۱۸٫
۲۴ ـ سیکولوجیّه الإشاعه : م. س.
۲۵ ـ م. س.
۲۶ ـ موسى زید الکیلانی : الإعلام السیاسی والإسلام ، بیروت ۱۴۰۵هـ ـ ۱۹۸۵م ، ص : ۵۳٫
۲۷ ـ النور : ۱۹٫
۲۸ ـ محمد الغزالی : فقه السیره ، ط (۷) ، القاهره ، ۱۹۷۶ ، ص: ۱۰۶ ، ۲۵۶ (نقلاً عن کتاب بحوث فی الإعلام الإسلامی) ص: ۲۵ ـ ۲۶٫
۲۹ ـ مرتکزات أساسیّه فی الإعلام القرآنی ، المرجع السابق : ۲۶٫
۳۰ ـ نقول (بعض) المحطات الهامّه لأنّنا أغفَلنا نماذج الإشاعه التی لم یرد ذکرها فی القرآن ، کالذی حصلَ بین مهاجری الحبشه ، وفی عمره القضاء . وکذلک لم نقف إزاء کلّ الآیات التی عالجت موضوع الإشاعه واکتفینا ببعضها ، على أمل أن نواصل الحدیث لاحقاً إن شاء الله تعالى.