احتجاجات الإمام الصادق علیه السلام
فقال القوم لابن أبی العوجاء : هل لک فی تغلیط هذا الجالس ، وسؤاله عما یفضحه عند هؤلاء المحیطین به ، فقد ترى فتنه الناس به ، وهو علامه زمانه ؟ فقال لهم ابن أبی العوجاء : نعم ! ثم تقدم ففرق الناس فقال : یا أبا عبد الله ، إن المجالس أمانات ولا بد لکل من به سعال أن یسعل ، أفتأذن لی فی السؤال ؟ فقال له أبو عبد الله : سل إن شئت ! فقال له ابن أبی العوجاء : إلى کم تدوسون هذا البیدر ، وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البیت المرفوع بالطوب والمدر ، وتهرولون حوله هروله البعیر إذا نفر ؟ من فکر فی هذا وقدر ، علم أنه فعل غیر حکیم ولا ذی نظر ، فقل ، فإنک رأس هذا الأمر وسنامه ، وأبوک أسه ونظامه.
فقال له الصادق علیه السلام : إن من أضله الله وأعمى قلبه ، استوخم الحق فلم یستعذبه ، وصار الشیطان ولیه وربه ، یورده مناهل الهلکه ولا یصدره ، وهذا بیت استعبد الله به خلقه لیختبر طاعتهم فی إتیانه ، فحثهم على تعظیمه وزیارته وجعله قبله للمصلین له ، فهو شعبه من رضوانه وطریق یؤدی إلى غفرانه ، منصوب على استواء الکمال ومجمع العظمه والجلال ، خلقه الله قبل دحو الأرض بألفی عام ، فأحق من أطیع فیما أمر ، وانتهى عما زجر ، هو الله المنشئ للأرواح والصور .
فقال له ابن أبی العوجاء : ذکرت یا أبا عبد الله فأحلت على غائب ! فقال الصادق ، علیه السلام : کیف یکون ، یا ویلک ! غائبا ، من هو مع خلقه شاهد وإلیهم أقرب من حبل الورید ، یسمع کلامهم ویعلم أسرارهم لا یخلو منه مکان ولا یشغل به مکان ، ولا یکون إلى مکان أقرب من مکان ، تشهد له بذلک آثاره وتدل علیه أفعاله ، والذی بعثه بالآیات المحکمه والبراهین الواضحه ، محمد رسول الله ، (صلى الله علیه وآله وسلم) ، الذی جاءنا بهذه العباده ؟ فإن شککت فی شئ من أمره فاسأل عنه أوضحه لک .
فأبلس ابن أبی العوجاء ولم یدر ؟ ما یقول ، فانصرف من بین یدیه فقال لأصحابه ، سألتکم أن تلتمسوا لی خمره فألقیتمونی على جمره ! قالوا له : أسکت فوالله لقد فضحتنا بحیرتک وانقطاعک وما رأینا أحقر منک الیوم فی مجلسه ! فقال : إلی تقولون هذا ؟ إنه ابن من حلق رؤوس من ترون . وأومأ بیده إلى أهل الموسم .
احتجاجه على أبی شاکر الدیصانی
جاء فی الإرشاد : روی أن أبا بکر شاکر الدیصانی وقف ، ذات یوم ، فی مجلس أبی عبد الله ( علیه السلام) فقال له : إنک لأحد النجوم الزواهر ، وکان آباؤک بدوراً بواهر ، وأمهاتک عقیلات عباهر ، وعنصرک من أکرم العناصر ، وإذا ذکر العلماء فعلیک تثنى الخناصر ، خبرنا أیها البحر الزاخر ، ما الدلیل على حدوث العالم ؟.
فقال له أبو عبد الله ، ( علیه السلام) : من أقرب الدلیل على ذلک ما أظهره لک ، ثم دعا ببیضه فوضعها فی راحته وقال : هذا حصن ملموم داخله غرقئ رقیق ، یطیف به فیه کالفضه السائله والذهبه المائعه ، أتشک فی ذلک ؟ قال أبو شاکر : لا شک فیه .
قال أبو عبد الله ( علیه السلام) : ثم إنه ینفلق عن صوره کالطاووس ، أدخله شئ غیر ما عرفت ؟ قال : لا
قال ( علیه السلام): هذا الدلیل على حدوث العالم . فقال أبو شاکر : دللت یا أبا عبد الله فأوضحت ، وقلت فأحسنت ، وذکرت فأوجزت ، وقد علمت إنا لا نقبل إلا ما أدرکناه بأبصارنا ، أو سمعناه بآذاننا ، أو ذقناه بأفواهنا ، أو شممناه بآنافنا ، أو لمسناه ببشرتنا .
فقال أبو عبد الله ( علیه السلام ): ذکرت الحواس الخمس وهی لا تنفع فی الاستنباط إلا بدلیل کما لا تقطع الظلمه بغیر مصباح )
قال المفید : یرید به ، علیه السلام ، أن الحواس بغیر عقل لا توصل إلى معرفه الغائبات ، وأن الذی أراه من حدوث الصوره معقول ، بنی العلم به على محسوس ا ه .
احتجاجه على الجعد بن درهم
فی أمالی المرتضى ، قیل : إن الجعد بن درهم جعل فی قاروره ، ماء وترابا ، فاستحال دودا وهواما ، فقال لأصحابه : أنا خلقت ذلک لأنی کنت سبب کونه ، فبلغ ذلک جعفر بن محمد ، (علیهما السلام) .
فقال : لیقل کم هی ؟ وکم الذکران منه والإناث إن کان خلقه ؟ وکم وزن کل واحده منهن ؟ ولیأمر الذی سعى إلى هذا الوجه أن یرجع إلى غیره ، فانقطع وهرب .
احتجاجه على الصوفیه:
روى الحسن بن علی بن شعبه الحلبی فی تحف العقول خبر دخول سفیان الثوری على الصادق ( علیه السلام ) ، وقال : ثم أتاه قوم ممن یظهرون التزهد ، ویدعون الناس أن یکونوا معهم على مثل الذی هم علیه من التقشف ، فقالوا : إن صاحبنا حصر عن کلامک ولم تحضره حجه .
فقال لهم : هاتوا حججکم فقالوا : إن حجتنا من کتاب الله قال لهم : فأدلوا بها فإنها أحق ما اتبع وعمل به قالوا : یقول الله تبارک وتعالى یخبر عن قوم من أصحاب النبی ( صلى الله علیه وآله ) : " ویؤثرون على أنفسهم ولو کان بهم خصاصه ومن یوق شح نفسه فأولئک هم المفلحون " فمدح فعلهم وقال فی موضع آخر : " ویطعمون الطعام على حبه مسکینا ویتیما وأسیرا " فنحن نکتفی بهذا .
فقال أبو عبد الله ، علیه السلام : أخبرونی أیها النفر ، ألکم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحکمه من متشابهه الذی فی مثله ضل من ضل ، وهلک من هلک من هذه الأمه ؟ فقالوا : نعلم بعضه ، فأما کله فلا .
فقال لهم : من ها هنا أتیتم . وکذلک أحادیث رسول الله ( صلى الله علیه وآله )، أما ما ذکرتم من أخبار الله إیانا فی کتابه عن القوم الذی أخبر عنهم بحسن فعالهم ، فقد کان مباحا جائزا ولم یکونوا نهوا عنه وثوابهم منه على الله ، وذلک أن الله جل وتقدس أمر بخلاف ما عملوا به ، فصار أمره ناسخا لفعلهم ، وکان نهیه تبارک وتعالى رحمه للمؤمنین ونظرا لکی لا یضروا بأنفسهم ، وعیالهم منهم الضعفه الصغار والولدان والشیخ الفانی والعجوز الکبیره الذین لا یصبرون على الجوع ، فإن تصدقت برغیفی ولا رغیف لی غیره ضاعوا وهلکوا جوعا ، ومن ثم قال رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) : خمس تمرات أو خمس أقراص أو دنانیر أو دراهم یملکها الإنسان ، وهو یرید أن یمضیها ، فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والدیه ، ثم الثانیه على نفسه وعیاله ، ثم الثالثه على القرابه وإخوانه المؤمنین ، ثم الرابعه على جیرانه الفقراء ، ثم الخامسه فی سبیل الله ، وهو أخسها أجرا . وقال النبی ، ( صلى الله علیه وآله )، للأنصاری حیث أعتق عند موته خمسه أو سته من الرقیق ، ولم یکن یملک غیرهم وله أولاد صغار : (لو أعلمتمونی أمره ما ترکتکم تدفنونه مع المسلمین ، ترک صبیه صغارا یتکففون الناس) .
ثم قال ( علیه السلام) : حدثنی أبی أن النبی قال : ( إبدأ بمن تعول ، الأدنى فالأدنى ) . ثم هذا ما نطق به الکتاب ردا لقولکم ونهیا عنه ، مفروضا من الله العزیز الحکیم قال : " الذین إذا أنفقوا لم یسرفوا ولم یقتروا وکان بین ذلک قواما " أفلا ترون أن الله تبارک وتعالى أراد غیر ما أراکم تدعون إلیه ؟ والمسرفون مذکورون فی غیر آیه من کتاب الله ، یقول : " إنه لا یحب المسرفین " فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتیر ، لکن أمر بین أمرین ، لا یعطی جمیع ما عنده ثم یدعو الله أن یرزقه فلا یستجیب له ، للحدیث الذی جاء عن النبی ، ( ص ) : (أن أصنافا من أمتی لا یستجاب لهم دعاؤهم : رجل یدعو على والدیه ، ورجل یدعو على غریم ذهب له بمال ولم یشهد علیه ، ورجل یدعو على امرأته وقد جعل الله تخلیه سبیلها بیده ، ورجع یقعد فی البیت ویقول یا رب ارزقنی ولا یخرج فی طلب الرزق ، فیقول الله جل وعز : عبدی أو لم أجعل لک السبیل إلى الطلب والضرب فی الأرض بجوارح صحیحه ، فتکون قد أعذرت فیما بینی وبینک فی الطلب لاتباع أمری ، ولکیلا تکون کَلا على أهلک ، فإن شئت رزقتک ، وإن شئت قترت علیک ، وأنت معذور عندی ؟ ورجل رزقه الله مالا کثیرا فأنفقه ثم أقبل یدعو : یا رب أرزقنی ! فیقول الله : ألم أرزقک رزقا واسعا أفلا اقتصدت فیه کما أمرتک ولم تسرف وقد نهیتک ؟ ورجل یدعو فی قطیعه رحم ). ثم علّم الله نبیه کیف ینفق ، وذلک أنه کان عنده أوقیه من ذهب ، فکره أن تبیت عنده فتصدق بها وأصبح لیس عنده شئ ، وجاءه من یسأله فلم یکن عنده ما یعطیه ، فلامه السائل واغتم هو حیث لم یکن عنده ما یعطیه ، وکان رحیما رقیقا فأدب له نبیه بأمره إیاه فقال : " ولا تجعل یدک مغلوله إلى عنقک ولا تبسطها کل البسط فتقعد ملوما محسورا " یقول : إن الناس قد یسألونک ولا یعذرونک ، فإذا أعطیت جمیع ما عندک کنت قد خسرت من المال . فهذه أحادیث رسول الله ( صلى الله علیه وآله )، یصدقها الکتاب ، والکتاب یصدقه أهله من المؤمنین ثم من قد علمتم فی فضله وزهده سلمان وأبوذر ، فأما سلمان فکان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسننه حتى یحضره عطاؤه من قابل ، فقیل له : یا أبا عبد الله أنت فی زهدک تصنع هذا ، وأنک لا تدری لعلک تموت الیوم أو غدا فکان جوابه أن قال : ما لکم لا ترجون لی البقاء کما خفتم علی الفناء ؟ أو ما علمتم یا جهله أن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم یکن لها من العیش ما تعتمد علیه ، فإذا هی أحرزت معیشتها اطمأنت وأما أبو ذر فکانت له نویقات وشویهات یحلبها ویذبح منها ، إذا اشتهى أهله اللحم ، أو نزل به ضیف ، أو رأى بأهل الماء الذین هم معه خصاصه ، نحر لهم الجزور أو من الشاء ، على قدر ما یذهب عنهم قرم اللحم ، فیقسمه بینهم ویأخذ کنصیب أحدهم لا یفضل علیهم ، ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فیهم رسول الله ( صلى الله علیه وآله )، ما قال . ولم یبلغ من أمرهما أن صارا لا یملکان شیئا البته کما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وأشیائهم ، وتؤثرون به غیرهم على أنفسهم وعیالاتهم.
أخبرونی عن القضاه ، أجور منهم حیث یفرضون على الرجل منکم نفقه امرأته إذا قال : أنا زاهد وأنه لا شئ لی ؟ فإن قلتم جور ظلمتم أهل الإسلام ، وإن قلتم بل عدل خصمتم أنفسکم . أخبرونی لو کان أخبرونی لو کان الناس کلهم کما تریدون زهادا لا حاجه لهم فی متاع غیرهم ، فعلى من کان یتصدق بکفارات الأیمان والنذور والصدقات من فرض الزکاه ؟ إذا کان الأمر على ما تقولون لا ینبغی لأحد أن یحبس شیئا من عرض الدنیا إلا قدمه وإن کان به خصاصه .
فبئس ما ذهبتم إلیه ، وحملتم الناس علیه من الجهل بکتاب الله وسنه نبیه وأحادیثه التی یصدقها الکتاب المنزل ! أو ردکم إیاها بجهالتکم وترککم النظر فی غرائب القرآن من التفسیر بالناسخ من المنسوخ ، والمحکم والمتشابه ، والأمر والنهی .
وأخبرونی ، أنتم أعلم أم سلیمان بن داود ، علیهما السلام حیث سأل الله ملکا لا ینبغی لأحد من بعده : فأعطاه الله ذلک ، وکان یقول الحق ویعمل به ثم لم نجد الله عاب ذلک علیه ولا أحدا من المؤمنین ، وداود قبله فی ملکه وشده سلطانه . ثم یوسف النبی حیث قال لملک مصر : اجعلنی على خزائن الأرض إنی حفیظ علیم ! فکان من أمره الذی کان واختار مملکه الملک وما حولها إلى الیمن ، فکانوا یمتارون الطعام من عنده لمجاعه أصابتهم ، وکان یقول الحق ویعمل به ، ثم لم نجد أحدا عاب ذلک علیه ، ثم ذو القرنین ، عبدا أحب الله فأحبه ، طوى له الأسباب وملکه مشارق الأرض ومغاربها ، وکان یقول بالحق ویعمل به ثم لم نجد أحدا عاب ذلک علیه ، فتأدبوا أیها النفر بآداب الله للمؤمنین ، واقتصروا على أمر الله ونهیه ، ودعوا عنکم ما اشتبه علیکم مما لا علم لکم به ، وردوا العلم إلى أهله تؤجروا وتعذروا عند الله ، وکونوا فی طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخه ومحکمه من متشابهه ، وما أحل الله فیه مما حرم ، فإنه أقرب لکم من الجهل . ودعوا الجهاله لأهلها فإن أهل الجهل کثیر وأهل العلم قلیل . وقد قال الله عز وجل : " وفوق کل ذی علم علیم . "