المرأه المسلمه مع کنائنها وأصهارها

0

قال الله تعالى فی (سوره الفرقان الآیه ۵۴): (وَهُوَ الَّذِی خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَکَانَ رَبُّکَ قَدِیرًا)، فالزواج فی الإسلام تترتب علیه حقوق وواجبات ومسؤولیات کثیره، وهی لا تقتصر على الطرفین المنشئین لعلاقه الزواج، بل تمتد لتشمل أطرافاً أخرى کثیره من بینها أُمّهات الأزواج والزوجات. إذ یُطلب من الأُم فی هذه الحاله أمور کثیره منها أن تحسن معامله هذا الصهر وتلک الکنه، وأن تُنزلهما منها منزله الولد والبنت، وأن تتحلى فی تعاملها معها بالحکمه ورجاحه العقل إلى جانب الحنان والموده، فتتعالى على الترهات وسفائف الأمور، وتسعى إلى بث روح الحب والاستقرار والسعاده فی بیوت أبنائها وبناتها.

إن المرأه المسلمه الواعیه بهدى دینها المتحلیه بخلقه الرفیع، هی التی تنظر إلى کنتها نظرتها إلى بنت من بناتها، وکذلک تنظر إلى زوج ابنتها باعتباره ابناً من أبنائها، وأنهما وفدا إلى أسرتها وأصبحا جزءاً لا یتجزأ منها، وتعتمد هذا الأساس فی جمیع تعاملاتها معهما.

 – تحسن اختیار کنائنها:

من أجل حرص الأُم على بقاء امتداد أسرتها على نحو سلیم، فإنّها عندما تفکر فی تزویج أبنائها وبناتها إنما تبدأ ذلک بالاختیار الصحیح وتتحرى فیمن تُقبل على مصاهرتهم أو مصاهرتهنّ الدین والخلق والتربیه القویمه والسمعه الحسنه. فالمرأه المسلمه الحصیفه، إذ تخطب لابنها تضع فی حسابها دوماً أنها ستضم إلى أسرتها بنتاً جدیده إلى بناتها، لها ما لهنّ من إعتزاز وتقدیر وود، وعلیها ما علیهنّ من واجبات وحقوق ینهضن بها فی محیط الأسره. ولا تتمنى لکنتها المقبله فی حیاتها الزوجیه إلا النجاح والسعاده والاستقرار، ولذلک فهی لا تستهویها فی الفتیات المخطوبات المظاهر الخلابه فحسب، من جمال وخفه روح وجاذبیه، بل تتطلب إلى جانب ذلک وقبله الدین القویم والخلق الحسن والشخصیه المتزنه، مُستهدیه فی ذلک کله بهدى الرسول الکریم (ص)، إذ یقول: "تُنکح المرأه لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدینها، فاظفر بذات الدین تربت یداک" صحیح البخاری.

 – تقدیر واحترام:

من خلال النظره الراشده السدیده للکنه ومکانتها بین أفراد الأسره التی ستفد إلیها، تنبثق المعامله الحسنه من الحماه لکنتها، حیث یسود العدل ویغلب الإنصاف فی المواقف کلها. فلا یخطر على بال الحماه المسلمه التقیه المتشبعه بأدب الإسلام وقیمه أن کنتها خطفت منها ابنها الذی سهرت على تربیته سنین طویله، حتى إذا بلغ أشده واستوى رجلاً قادراً على العطاء البذل والتضحیه أخذت الزوجه بیده إلى عش الزوجیه، حیث ینسى فی أجوائه الحالمه أُمّه وما أنفقت وما قدمت فی تربیته وإعداده.

مثل هذا الخاطر لا ینبغی ولا یلیق أن یخطر للمرأه المسلمه الصالحه على بال، لأنها تدرک سنه الله تعالى فی هذه الحیاه، وتعلم أن ابنها الذی ربته على مبادئ الإسلام وأخلاقه منذ نعومه أظفاره لا یمکن أن تنسیه الزوجه أُمّه. کما لا یمکن لکنتها التی تخیرتها من بین الفتیات المؤمنات الطیبات أن ترضى لزوجها هذا النسیان الذی هو العقوق بعینه.

وإذا ساور الحماه شعور بالغیره من کنتها فی لحظه من لحظات الضعف البشری لاذت بدینها وتقواها وورعها، فانخلعت من هذا الشعور البغیض وارتدت إلى صحوه إیمانها وتقاها وإلى نظرتها السدیده الراشده لکنتها، وهذا شأن الأتقیاء من المؤمنین والمؤمنات، إذا مسهم طائف من الشیطان تذکروا فإذا هم مبصرون الحقیقه الناصعه الراشده، لقوله تعالى فی (سوره الأعراف الآیه ۲۰۱): (إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّیْطَانِ تَذَکَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ). ومن هنا یقوم التوازن فی حیاه الأسره بین الکنه والحماه والزوج، وتسیر الأمور فی مجراها الطبیعی الهادئ الذی لا تتحکم فیه الأهواء والعواطف والشهوات والضلالات، بل یتحکم فیه الدین والعقل والحکمه والرشاد.

 – لا تتدخل فی الخصوصیات:

إنّ المرأه المسلمه التقیه الحصیفه لَتضع فی حسابها منذ اللحظه الأولى التی تزف فیها کنتها إلى ابنها، أن لکنتها الحق فی أن تعیش حیاتها الزوجیه بکل أبعادها ومعانیها مادامت فی نطاق الحلال وفی الحدود المشروعه المباحه، ولیس لأحد أن یتدخل فی الخصوصیات بین الزوجین إلا ما دعت إلیه الحاجه والضروره على سبیل النصیحه المطلوبه من کل مسلم عملاً بقول الرسول (ص): "الدین النصیحه". وضابط هذا السلوک الحکیم عند الحماه المسلمه التقیه صنیعها مع ابنتها، فکما أنّها ترید لابنتها أن تعیش حیاتها الزوجیه بکل جوانبها هانئه سعیده مستقله راضیه لا ینغص عیشها تدخل مزعج فی خصوصیاتها، کذلک ترید لکنتها ما ترید لابنتها من غیر استثناء.

 – معامله طیبه وموعظه حسنه:

والحماه المسلمه تَبَر کنتها وتُکرمها وتُحسن معاملتها وتشعرها بحبها وتقدیرها وتستمع إلى ما تبدی من آراء، فتقر الصائب منها وتشید به وتشجع علیه وتتلطف فی رد الخاطئ وتصحیحه، ورائدها فی ذلک کله الإنصاف والعدل والإحسان والحکم بما تحکم به على ابنتها لو کانت فی مکان کنتها. ولا یفوتها أن تعبر بین الحین والآخر عن السعاده التی تغمر نفسها، إذ ترى ابنها سعیداً مع زوجته مُضفیه بذلک على نفس ابنها وکنتها أجمل المشاعر وأنبل الأحاسیس. کما لا یفوتها أن تحسب حساب کنتها فی المناسبات کما تفعل مع بناتها، فتصحبها معهنّ وتشعرها بأنّها واحده منهنّ، بل هی فرد حبیب من أفراد الأسره منذ دخلت عش الزوجیه واقترنت بابنها الحبیب.

 – صبر وحکمه وعدل:

قد تبتلى الحماه بکنه على غیر خلق حسن، بل قد تکون متصفه بشیء من الفظاظه وسوء المعامله، وهنا تظهر الحاجه إلى حکمه الحماه وحنکتها بالدفع بالتی هی أحسن، عملاً بقوله تعالى فی (سوره فصلت الآیه ۳۴): (وَلا تَسْتَوِی الْحَسَنَهُ وَلا السَّیِّئَهُ ادْفَعْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِی بَیْنَکَ وَبَیْنَهُ عَدَاوَهٌ کَأَنَّهُ وَلِیٌّ حَمِیمٌ)، ومن الدفع بالتی هی أحسن أن تزوی الحماه عن ابنها سلبیات کنتها وأخطائها ما استطاعت إلى ذلک سبیلاً، وتنصحها على انفراد مبینه لها حرصها على بقاء بیتها معموراً بالخیر والود والعمل الصالح.

وتلتزم الحماه المسلمه التقیه الحکیمه العدل فی حکمها بین کنتها وابنها إذا رأت تجنیاً من ابنها على کنتها، ذلک أن لها من تقواها وورعها ما یعصمها من الوقوف إلى جانب ابنها والتحیز له على حساب الحق، فلا تحابیه على ظلم ولا تمالئه على باطل. والمرأه المسلمه الواعیه الراشده لا تقع فی إثم الجور ولا ترضى فی حکمها إلا بالعدل ولو کان الحکم لکنتها على ابنها.

 – مع أصهارها:

لا تختلف نظره الأُم إلى أصهارها، أی أزواج بناتها، عن نظرتها إلى کنائنها، فکما تنظر إلى کنتها نظرتها إلى ابنتها، تنظر إلى صهرها نظرتها إلى ابنها، وکما أنها ترید لابنها أن یکون من أحسن الناس ترید أن یکون صهرها من أحسن الناس أیضاً. ولذلک، فهی منذ البدایه تُحسن اختیاره لابنتها، فلا ترضاه إلا من أصحاب الدین والخلق والسمعه والعطره کما حض على ذلک رسول الله (ص)، لقوله: "إذا أتاکم من ترضون خلقه ودینه فزوجوه، إن لا تفعلوا تکن فتنه فی الأرض وفساد عریض" حدیث صحیح. ولا یستهویها فی خطیب ابنتها المظهر الأنیق أو المرکز الرفیع أو المال، لأنّها تدرک أنها ستضم بتزویجه ابنتها ولداً إلى أولادها تستأمنه على عرض ابنتها وحیاتها وسعادتها. لذلک لابدّ أن تجعل صهرها موضع إکرامها وبرها وتقدیرها، وأن تشعره فی کل مناسبه بأنّه أصبح فرداً من أفراد الأسره منذاقترانه بابنتها وأنّها تود له ولابنتها السعاده والتوفیق فی دربهما الطویل.

 – تنصح وترشد:

لا تکف المرأه المسلمه الحصیفه الواعیه عن نصح ابنتها وتزویدها بکل نافع لها فی شؤون بیتها وزوجها وتربیه أولادها، فهی تفتح عینی ابنتها دوماً على ما یرضی زوجها ویسعده، وتشجعها على القیام بواجباتها الزوجیه والأسریه على أحسن صوره.

کما تلتزم الحماه المسلمه العادله فی مواقفها وأحکامها إن نشب خلاف بین ابنتها وزوجها، أو رأت من ابنتها تقصیراً مخلاً فی حسن تبعلها زوجها، أو فی قیامها بواجباتها المنزلیه، أو فی مراعاه رغبات الزوج المشروعه. فلا تتحیز لابنتها بل تنطق بکلمه الحق والعدل عملاً بقوله تعالى فی (الآیه ۱۵۲ من سوره الأنعام): (.. وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ کَانَ ذَا قُرْبَى…). والحماه المسلمه الذکیه اللبقه المستهدیه بهدى دینها لا تفرق فی موقفها الحکیم العادل هذا بین ابنها وصهرها.

 – تتأنى ولا تیأس:

وقد یکون الصهر ذا عقلیه خاصه لا ترتاح لها الزوجه ولا الحماه، وذا مزاج خاص لا یلائم مزاجهما، ومن هنا یحصل التنافر والخلاف والشقاق. وواجب الحماه المسلمه المتزوده بهدى دینها فی مثل هذه الحاله أن تُحسن التأنی فی مخاطبه صهرها وتستخدم الحکمه فی معاملته وتکون لبقه حصیفه فی الوصول إلى نفسه وعقلیته، ولا تیأس من بلوغ هدفها بشیء من الصبر والمثابره وحسن التصرف. وینبغی لها أن تحذر کل الحذر من تضخیم سلبیات صهرها لابنتها، بل تحاول أن تهون من شأن تلک السلبیات ما استطاعت إلى ذلک سبیلاً، وأن تسعى جاهده فی معالجه تلک السلبیات بالوسائل المشروعه والأسالیب الحکیمه مادامت تلک السلبیات لا تجرح شخصیه الزوج فی خلق ولا دین ولا تستحق أن تکون سبباً فی هدم صرح الحیاه الزوجیه، أنّها بحکمتها وتقواها وعدلها ولباقتها تصنع المستحیل من أجل سعاده ابنتها وصهرها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.