لماذا تتفاوت تفاسیر القرآن
لماذا تتفاوت تفاسیر القرآن
إن تراث التفاسیر الذى خلفه السلف یختلف بعضه عن بعض فی اتجاهاتها ومشاربها إختلافا واضحا، ومنشأ ذلک هو إختلاف مصادر الثقافه التى تأثر بها أصحاب هذه التفاسیر، فمن غلبت علیه النزعه الدینیه توسع فی شرح العقیده وأرکان الاسلام، ومنهم من غلبت علیه الناحیه اللغویه من بلاغه وبیان فأولى هذه الابحاث اهتمامه فی تفسیره منهم من غلبت علیه النزعه الفقهیه التشریعیه فانصرف إلى استنباط الاحکام والقوانین الدینیه فی المعاملات والحقوق والواجبات ومنهم من تعلقت نفسه بالعباده والتصوف والنظر إلى الحیاه الدنیا یعین الزهد فیها والتأمل فی تقلباتها والاعتبار بصرفها فاجتهد فی تفسیر الآیات على منهج الوعظ والتذکیر بخشیه الله والعمل على مرضاته والاخلاص فی طاعته.
وبعض التفاسیر القدیمه ملیئه بالکثیر من الآراء التى لا تخلو من الخطأ والصواب والراجح منها والمرجوح والقوى والضعیف، کما أن بعض المفسرین قدیمهم حدیثهم لهم فی تفسیر الآیات آراء متعدده ومتشعبه، وقد تکون للآیه الواحده فی نظرهم عده وجوه مختلفه، وواجب المفسر فی العصر الحدیث أن یمحص ویقارن بین هذه الآراء ویکشف عن الآراء الضعیفه منها لیبین عوامل الضعف والخطأ فیها، وقد یقتضى الامر البحث عن رأى آخر أقرب للحق والصواب دون مجافاه أو معارضه لنصوص الدین ومنهجه ولا بأس من الاستعانه بکل ما هو صحیح تماما من القوانین العلمیه.
وبدهى أن القرآن لم ینزل لیکون کتاب طبیعه أو کیمیاء أو فلک أو طب أو تاریخ أو غیر ذلک من مختلف العلوم بل هو کتاب هدایه، لانه لو نزل مفصلا للنظریات العلمیه الحدیثه لما فهمه العرب الامیون وقتئذ، ولم یؤد القرآن رسالته التى نزل من أجلها وهى نزع الشرک والجهاله والضلال والشرور والمفاسد المتأصله فی النفوس، وقد کانت أکثر الآیات الملکیه التى نزلت خلال ثلاث عشره سنه تدعو بصفه عامه إلى التوحید ومحاربه الشرک بأسالیب الوعد والوعید والترغیب والترهیب والتفقه فی أصول الدین، ثم نزلت الآیات المدنیه بعد ذلک لکى تمکن الایمان فی القلوب وتدعو إلى أهداف أخرى تقوم على التشریع وتنظیم المجتمع وبث روح الاخوه والتعاون والحض على الجهاد فی سبیل الله وغیر ذلک من سیاسه الجماعات والدول الرشیده.
وکان النبى صلى الله علیه وسلم إذا وجه إلیه أحد سؤالا عن أمور کونیه أو مسائل طبیعیه أو غیر ذلک مما یستلزم الاجابه علیه الدخول فی تفاصیل علمیه فوق مستوى ثقافه عصره فإن الله سبحانه یوحى إلى رسوله بإجابات سدیده مبسطه تقبلها العقول قبولا حسنا، فمن ذلک مثلا قوله تعالى فی سوره البقره آیه ۱۸۹: یسألونک عن الاهله قل هى مواقیت للناس والحج) وهکذا یأتى الجواب سهل الفهم کافیا للاقناع بأن اختلاف أوجه القمر هى لحکمه معرفه الاوقات وبخاصه مواقیت الشهور ومواعید الحج التى تهم السائلین.
وقد جاءت فی بعض التفاسیر القدیمه آراء غیر صحیحه وتأویلات خاطئه لا تقبلها العقول السلیمه فکان لابد من معارضتها ودحضها بإعاده النظر فی تفسیرها على وجهها الصحیح لان السکوت على ذلک وترک القدیم على قدمه وخطأه هو نوع من الجمود والتخلف وحجر على العقول والقلوب المتفتحه لرؤیه حقائق القرآن بنور العلم والایمان.
الاعجاز العلمى فی آیات القرآن
یجب على المسلم ألا یختلط علیه الامر بین رسالتى الدین والعلم وألا ینظر إلیهما على أنهما أمران مختلفان تجب المقارنه والمفاضله بینهما بل هما فی حقیقه أمرهما رسالتان متکاملتان، وکلاهما یساعدان على تثبیت الایمان فی القلوب، لان العلم نور یهدى إلى الحق ما دام علما نافعا، والدین فی جوهره هدایه ربانیه للعقول والقلوب ونفحات سماویه للارواح والنفوس.
ویجب على المسلم ألا تخدعه مظاهر التقدم العلمى المادى الذى برع فیه أهل أوروبا وأمریکا وبخاصه فی علوم الذره والتکنولوجیه وغزو الفضاء فهذه کلها لیست کل شئ لاسعاد البشریه وشقاء عللها، وإنما العلوم الدینیه المستمده من القرآن والسنه وأنباع هدیها إلى جانب العلوم الدنیویه هى البلسم الواقى من العلل والشافى من أمراض النفوس.
والقرآن الکریم هو کلام الله سبحانه وتعالى، وکلامه جل جلاله صفه من صفاته التى تجلى بها على نبیه محمد صلى الله علیه وسلم فکانت تلک الآیات التى بهرت العقول بروعتها وأدخلت الایمان فی القلوب بقدسیتها وروحانیتها، وبصدق حقائقها المطلق الذى لا یأنیها الباطل من بین یدیها ولا من خلفها، وإن صدق الیقین الذى نزل به القرآن جعل لکلماته تأثیرا قویا لا تنال منه الایام، وبهذا یظل هدى القرآن على الدهر شبابا ناضرا دائما، وإعجازا متجددا لا ینقطع مدده وإلهامه للمؤمنین العاملین به.
ویکفى للدلاله على حیویه القرآن وقوه تأثیره أن من یسمعه بوعى أو یقرأه بتدبر لمبانیه ومعانیه أو یدرسه للوقوف على أسراره یؤمن إیمانا عمیقا أنه وحى السماء، ولیس من کلام بشر، فهاهو عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعد ما قرأ بعض آیات من القرآن فی بیت أخته التى ذهب للانتقام منها لاسلامها نراه یتحول من مشرک عنید وعدو لدود للاسلام والمسلمین یتحول إلى مؤمن قوى، ویسارع إلى مقابله النبى حیث کان مجتمعا مع أتباعه المسلمین یعلمهم ویزکیهم فی دار الارقم بن الارقم ویعلن له إسلامه وانضمامه إلى جماعه المسلمین بمکه، أسلم وهو یعلم ما سوف یلقاه من عشیرته وقومه من معارضه وإیذاء.
مفهوم العلم والعلماء قدیما وحدیثا: لقد صارت کلمه العلم مع تطور الزمن ذات مدلولین، فقدیما کان مدلولها العلم القائم على العلوم الدینیه وما یتفرع عنها من علوم التوحید وعلم الفقه وعلم التفسیر وعلم اللغه والبلاغه وعلم الحدیث إلى غیر ذلک من العلوم المتصله بالدعوه الاسلامیه وتاریخها وقرآنها وأحادیثها النبویه، وکان الدارسون لهذه العلوم هم العلماء والفقهاء وأهل العلم وقتئذ، وکانوا هم قاده الفکر والرأى والعلم قبل عصرنا هذا، ویقول الامام الغزالى فی هذا الموضوع: إن العلم المقصود هو العلم بالله وصفاته وملائکته ورسله وملکوت السماوات والارض وعجائب النفوس الانسانیه والحیوانیه من حیث أنها مرتبه بقدره الله لا من حیث ذواتها لان المقصود الاقصى هو العلم بالله، وأما العمل فمقصود به أساسا مجاهده الهوى حتى تزول الحوائل التى ربما أعاقت الانسان عن العلم بالله تعالى.
أما مدلول العلم حدیثا فإنه یختلف عن المعنى القدیم المشار إلیه سابقا، إذ ظهر من وقت قریب جماعه تقول عن عصرنا الحاضر إنه عصر العلم والعمل ویقصدون بذلک أن العلم بمفهوم عصرنا هو العلم الطبیعى القائم على دراسه ما فی الکون من مواد وعناصر وکائنات لها خصائصها الذاتیه ونوامیسها التى تحکمها من کیمیاء وطبیعیه ومیکانیکا وغیر ذلک من علوم الطب والریاضه والفلک وما یتضمنه ذلک من حقائق کونیه، وأن العمل فی إطار هذا المفهوم للعلم فهو تطبیق العلم عملیا بإستعمال الاجهزه والادوات والوسائل الاخرى الحدیثه من مختبرات ومراصد وتجارب واستنباطات منطقیه وغیر ذلک: وفى ضوء هذین المدلولین للعلم یرى المفسرون العصریون لآیات القرآن أنه من الضرروى أن یشتمل تفسیرهم الناحیتین الدینیه والعلمیه ودون الاکتفاء بناحیه واحده منهما.
تفسیر القرآن فی ضوء العلوم الحدیثه
إن هذا النوع من التفسیر لبعض الآیات الکونیه والطبیعیه وغیرها ذات الطابع العلمى منهج جدید ومحاوله موفقه إن شاء الله تعالى لاظهار ما فی القرآن من إعجاز علمى أو تشریعى لم یعرفه المفسرون القدامى المعرفه التامه، ولم یکن ذلک عن إغفال لشأنها وإنما کان ذلک منهم لانهم نظروا إلیها نظره تأمل وإجلال وتقدیس باعتبارها مظهر لقدره الله العظیمه فی خلق هذا الکون وروعه حکمته وتدابیره؟ لجمیع ما فیه من کائنات ومخلوقات، ولکن عندما تقدم العلم واتسعت آفاقه مع تطور المدنیه والحضاره أخذت أنظار العلماء تتجه إلى ما جاء به القرآن من حقائق علمیه سبقت نهضه الانسان العلمیه بعده قرون.
فمن المعلوم أن القرآن نزل على النبى صلى الله علیه وسلم خلال القرن السادس المیلادى أى قبل عصر نهضه أوروبا التى بدأت طلائعها فی القرن الرابع عشر المیلادى واستمرت فی نمو وإزدهار وحققت نتائج قیمه من الکشوف العلمیه فی مختلف العلوم والفنون والآداب التى حررت العقول من الجهل والخرافات التى کانت سائده ومسیطره فی العصور الوسطى ومما یذکره التاریخ من قضایا هذا العصر الوسیط أنه قامت بین رجال الدین
المسیحى وبین رجال العلم مخاصمات ومنازعات خطیره فی أمور علمیه اعتبرها رجال الدین خروجا على ما فی الکتب المقدسه من نصوص لم یفهموها وحرفوها وغیروا وبدلوا فیها تبعا لاهوائهم وتحقیقا لمصالحهم ومنافعهم الخاصه.
ومن أمثله هذه الخلافات ما قرره علماء الفلک بعد الدراسه والبحث الوثیق من أن الارض لیست مرکز الکون کما کان یعتقد رجال الدین الذین اعتبروا ذلک الرأى خروجا على حرمه الدین فکفروا کل من اعتقد ذلک الرأى واضطهدوهم بل أهدروا دماءهم.
وإلیک نموذجا یوضح اختلاف التفاسیر قدیما وحدیثا وکیف أن إدراک المعانى للآیات یتفاوت من فهم إلى فهم ومن عصر إلى عصر کما فی الآیات الآتیه: قال الله تعالى فی سوره ص آیه – ۳۱، ۳۲: (ووهبنا لداود سلیمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض علیه بالعشى الصافنات الجیاد فقال إنى أحببت حب الخیر عن ذکر ربی حتى توارت بالحجاب ردوها على فطفق مسحا بالسوق والاعناق) فقد فسرت هذه الآیه الکریمه قدیما بأن سیدنا سلیمان علیه السلام لما عرضت علیه الخیل فی وقت صلاه العصر شغلته وألهته عن الصلاه فتملکه الغضب وأخذ یقطع سیقان هذه الخیول وأعناقها بالسیف.
وهذا التفسیر ینافى ما جاء فی الآیه من أن سلیمان علیه السلام کان نعم العبد الاواب فکیف یصدر عن نبى أثنى علیه القرآن هذا الثناء أن یکون قاسیا إلى حد قتل الخیول البریئه التى هى عده المؤمنین فی قتال أعداء الدین والزود عن حیاض الاوطان بغیر ذنب جنته.
وقد فسرت الآیات بعد ذلک تفسیرا معقولا أقرب إلى الواقع المفهوم وهو أن سلیمان علیه السلام عرضت علیه بعد الظهر الخیل الاصیله التى تسکن حین وقوفها وتسرع حین سیرها، فقال سلیمان إنى أشربت حب الخیل لانها عده الخیر وهو الجهاد فی سبیل الله وأن حبها نشأ عن ذکرى لربى، وما زال مشغولا بعرضها حتى غابت عن ناظریه، ثم إنه أمر بردها علیه لیتعرف أحوالها، فأخذ یمسح سوقها وأعناقها ترفقا بها وحبا لها واستئناسا لها.
وبعد أن تقدم العلم کثیرا نجد أن الانسان قد توصل فی مجال الطب البیطرى إلى أن ما فعله سیدنا سلیمان علیه السلام کان هو الاسلوب الامثل فی معامله الحیوانات واستئناسها بإدخال الطمأنینه والهدوء علیها بأن یربت على رؤوسها ورقابها وظهورها عندما یرید فحصها أو استخدامها، ومن ذلک یتضح ما بین التفسیرین من فرق شاسع.
القرآن یهدى القلوب التى تتدبره وتنیر العقول التى تتفهمه
لقد آمن بالاسلام وبالقرآن أفراد وجماعات کثیره من غیر المسلمین، وکان إسلامهم نتیجه تأثیر القرآن فی نفوسهم بطریق مباشر أو غیر مباشر، فأما عن تأثیره المباشر فقد اعترفت به أفراد من علماء أوروبا ذوى الالباب والفطر السلیمه ممن سمعوا القرآن أو قرأوه وفهموا بعض أسراره وإعجازه، ومن أمثله ذلک ما فهمه أحد الاطباء من قوله تعالى فی سوره النساء آیه – ۵۶: کلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غیرها لیذوقوا العذاب) فأدرک أن وراء هذه الآیه حقیقه علمیه ما کانت معلومه للناس وقت نزول القرآن، وأنه لابد أن یکون من کلام علیم خبیر بترکیب جسم الانسان، وبشبکه الاعصاب الدقیقه التى تنتشر أطرافها فی الطبقه الجلدیه وهى التى نستقبل الاحساس بالحراره والبروده والالم والراحه.
فهم ذلک الطبیب من الآیه أن تجدد الالم الذى انقطع بحرق الجلد لا یکون إلا بإعاده الجلد حیا کما کان لکى یتجدد ألمه مرارا وتکرارا کلما تبدل الجلد فی کل مره بعد حرقه، وتأکد الطبیب بأن هذا الکلام لا یصدر إلا من عالم خبیر بترکیب الجسم البشرى ووظیفه الاعصاب المنتشره فی کیانه، وأن هذا الکلام نزل منذ قرون بعیده على لسان نبى أمى لم یدرس علم الطب ولا التشریح فأیقن أن هذا کلام من أرسل محمدا رسولا فآمن به وأسلم.
ومثل آخر لربان بحرى کان یجول البحار ویشاهد أحوالها ومظاهرها لیلا ونهارا وما تتعرض له عن عواصف وسحب وأمواج متلاطمه وریاح عاتیه وظلمات وغیر ذلک مما کابده خلال سنین عمله فی البحار والمحیطات، فإنه لما قرأ فی سوره النور آیه – ۴۰ قوله تعالى:(أو کظلمات فی بحر لجى یغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج یده لم یکد یراها) قال فی نفسه إن أحدا لا یستطیع أن یصف هذا الوصف الدقیق لاحوال البحار وظواهرها الجویه إلا من کان بحارا شق عباب الماء وعاین تقلبات الاحوال فیه، وأن محمدا الذى نزل علیه هذا الکلام لم یکن فی یوم من أیامه بحارا کما أنه لم یرکب البحر فی حیاته وعاش فی وسط الصحراء البعیده کل البعد عن عالم البحار فمن أین له هذه المعلومات الدقیقه التى لا یعرفها سوى الملاحون؟ إنه ولا شک کلام علیم خبیر وهو الله سبحانه فآمن وأسلم بأن محمدا رسول الله حقا وصدقا.
وهناک شعوب أسلمت وآمنت بالقرآن بطریق غیر مباشر ومن أمثله هؤلاء سکان إندونیسیا وما حولها وسکان شرق قاره أفریقیه ووسطها حیث نزل بساحتهم التجار العرب المسلمون الذین ذهبوا إلى هذه الجهات النائیه للاتجار وتعاملوا مع أهلها معامله کلها الصدق والامانه والوفاء ومکارم الاخلاق فراعتهم هذه الاخلاق السامیه والمبادئ العالیه التى کانوا علیها وعلموا أن مزایاهم الجمیله هذه هى من أثر القرآن وتعالیم الاسلام التى أکسبتهم هذه الفضائل والمکارم وصاغتهم هذه الصیاغه الکریمه التى لا مئیل لها فیمن عرفوا من الناس فآمنوا بالاسلام دینا وبالقرآن معجزه لرسوله الکریم صلوات الله وسلامه علیه.
بمثل هذه الآیات السالفه الذکر وآثارها فی العقول والنفوس کان إیمان کثیر من المسیحیین وغیرهم من الملل الاخرى من ذوى الالباب والفطن الذین ما کانوا یعرفون معنى الاعجاز البیانى أو البلاغى فی لغه القرآن وإنما عرفوا منه الاعجاز العلمى الذى وجدوه فی کثیر من الآیات العلمیه مثل قوله تعالى:(خلق الانسان من علق)(یخرج المیت من الحى ویخرج الحى من المیت)(وجعلنا الریاح لواقح)(یکور اللیل على النهار ویکور النهار على اللیل) (وإن من شئ إلا یسبح بحمده)(والسماء ذات الحبک)(لا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظیم) وفى هذا ما یؤکد أن الکون هو کتاب الله الصامت، وآن القرآن هو کتاب الله الناطق بما یدل على علم الله بأسراره).
وهذه الآیات وأمثالها لم یفهمها السلف الصالح على وجهها العلمى وإنما رأوا فیها أنها دلائل على قدره الله تعالى وعظمته، وأنها شاهده على أنه سبحانه بدیع السماوات والارض، ولا شک أن النبى صلى الله علیه وسلم لم یتعرض فی تفسیره لمثل هذه الآیات من الناحیه العلمیه التفصیلیه التى هى فوق مستوى عقولهم فقد أمر الله نبیه أن یخاطب الناس على قدر عقولهم.
وقبل الکلام عن الاعجاز العلمى للقرآن یجب أن نعرف أن المعجزه هى أمر خارق للعاده یظهره الله على ید النبى تأییدا لنبوته، ومعجزات القرآن کثیره ومتنوعه کان أبرزها عند نزولها الاعجاز البیانى الذى تحدى به العرب أهل الفصاحه والبلاغه أن یأتوا بشئ من مثله فعجزوا، وللقرآن إعجازات أخرى منها الاعجاز العلمى والاعجاز التشریعى والسیاسى والحربى والنفسى وکلها شاهده على روعه القرآن وعظمته وقدسیته وأنه کلام الله الحق.
وقد أجمع العلماء على أنه لا یجوز مطلقا أن نخضع القرآن للتفسیر العلمى لان من نظریات العلم ما یتغیر ویتطور ولا یثبت على حال، وإذا اختلفت النظره العلمیه فی وقت من الاوقات مع الآیه القرآنیه فیرجع ذلک إلى أن العلم الذى یتطور من وقت لآخر لم یصل بعد إلى مستوى مفهوم الآیه، والله سبحانه وتعالى یقول فی کتابه العزیز:(سنریهم آیاتنا فی الآفاق وفی أنفسهم) أى أن ما لم یتفق مع الآیه القرآنیه من النظریات العلمیه فإنه سوف یظهر مستقبلا بعد طول الدرس وللبحث والتنقیب لان کلام الله لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه، ثم أنه سبحانه یقول عن القرآن:(ثم إن علینا بیانه) أى أنه سوف یشرحه ویبین أسراره فی مستقبل الاعصر والدهور.
مقارنه بین بعض ما جاء به القرآن وبین ما فی الکتب السماویه الاخرى: إن القرآن الکریم فیه من العلوم والمعارف والمبادئ والآداب أضعاف أضعاف ما جاء فی الکتب المقدسه السابقه، فالعهد القدیم مثلا کان أکثر الکتب السماویه تناولا للناحیه العلمیه قبل القرآن، ونجده لم یتعرض إلا لثلاثه موضوعات فقط بإیجاز وهى: خلق الارض وخلق ما علیها من کائنات وبعض سیر الانبیاء من لدن آدم علیه السلام إلى أنبیاء بنى إسرائیل فقط، وکان تناوله لهذه الموضوعات محدودا، أما القرآن فقد تناول الحقائق الکونیه وما یدور حولها من مظاهر ثم ما یتعلق بقصص الانبیاء بصوره أصح وأدق بکثیر عما جاء فی الکتب السماویه الاخرى، کما أنه رسم الطریق الصحیح للبحث العلمى عن طریق النظر والتدبر والتأمل واستعمال الفکر القویم فی فهم القرآن.
وعلى سبیل المثال ما ورد فی التوراه عن نبى الله سلیمان علیه السلام کان شیئا یحط من قدره ویصفه بأنه حاد عن طریق الایمان باستخدام الجن، واعتبرت خوارق المعجزات التى ظهرت على یدیه من قبیل السحر، ولکن القرآن الکریم نفى عنه هذه التهم الباطله نفیا باتا بقوله تعالى فی سوره البقره آیه – ۱۰۲:(وما کفر سلیمان، ولکن الشیاطین کفروا، یعلمون الناس السحر وما أنزل على الملکین ببابل هاروت وماروت وما یعلمان من أحد حتى یقولا إنما نحن فتنه؟ فلا تکفر) وشتان بین ما جاء به القرآن عن نبى معصوم وبین ما جاء فی التوراه کتاب العهد القدیم من قدح وذم فی نبى کریم.
وفیما یلى طائفه من الآیات القرآنیه ذات المدلولات العلمیه التى لا شک مطلقا فی توافق العلم معها توافقا تاما لا تناقض فیه لاثبات الاعجاز العلمى فی آیات القرآن، وقد أتبعت فی عرض هذه الآیات الخطوات الآتیه:
أولا: ذکر الآیه ومکانها من القرآن الکریم.
ثانیا: التفسیر الدینى الوارد فی کثیر من التفاسیر المعتبره لرجال الدین.
ثالثا: التفسیر بالرأى العلمى المطابق لاحدث ما وصل إلیه العلماء من نظریات صحیحه متفقه مع القرآن.
رابعا: عرض مبسط لبعض مبادئ العلوم المتصله بالآیات بأسهل أسلوب یفهمه القارئ العادى إذا لزم الامر ذلک لزیاده التأکید بین صله العلم بالقرآن.
ویجب ألا یغیب عن البال مطلقا أن الله سبحانه وهو خالق السماوات والارض وما فیهن هو الذى أنزل القرآن مبینا فیه علمه القدیم بکل حقائقه وأسراره وأحکامه وظواهره وخوافیه، ویکفى للدلاله على ذلک قوله تعالى فی سوره الحج آیه – ۷:(ألم تعلم أن الله یعلم ما فی السماوات والارض إن ذلک فی کتاب إن ذلک على الله یسیر).
وقد قلت فی کتابى:(مع الله) فی باب(کلام الله) بأسلوب الشعر المنثور ما یأتى: کلما سمعنا کلام الله یتلى حق تلاوته اهتزت منا النفوس تأثرا بروح معانیه وسمت بنا الروح تعرج إلى ملکوت الله متطلعه إلى الملا الاعلى ومغانیه.
وکأننا کلما سمعناه یتلى بخشوع نسمع جدیدا من الوحى یسمو ویعلو فی مرامیه وکأن هذا الجدید منطلق لا یقف عند حد فی قلوب السامعین المستغرقین فیه وهذا لون من الاعجاز لا تجده فی غیره أبدا لانه لا شئ من القول یدانیه فأى کلام هذا الذى کلما تلوناه ووعیناه وجدناه أعمق وأوسع من مبانیه أنه کلام الله الحق، وکفاه شرفا أنه تنزیل من رب العالمین ولا ریب فیه.
والقرآن کلام الله القدسى والکتاب العلوى الذى أودعه الله أخبار الغابرین وجعل فی قصصه مواعظ حسنه ودروسا قیمه وکلها ذکرى للذاکرین
وما فرط الله فی القرآن من شئ یصلح شأن العباد فی دنیاهم والدین وقد دامت آیاته الباهره تتلى وهى تتألق بأنوارها فی قلوب المؤمنین وقد سبقت علومه مستحدثات العلم والعلماء ولم یکونوا لها سابقین لان القرآن أتى بکلیات العلوم دون تفصیل لها لانه کتاب شرع ودین لقد ظن البعض أن معجزه القرآن فی بلاغته وفاتهم أنه کنز من العلم ثمین.
وقد أنزل الله فی القرآن کل ما تحتاج إلیه البشریه من دستور عالمى رشید ووضح فیه بأسلوب عذب ما یسعد وما یشقى وما یضر الناس وما یفید وحذر العباد من فتنه الدنیا وزینتها، وخوفهم من هول یوم القیامه الشدید وبین لهم فیه طرق الهدى بیانا یقبله العقل ولا حاجه بعده إلى مزید فهو کتاب الله الذى یتمشى مع الفطره السلیمه وأنه عنها لا یحید وهو بهذه الحقیقه یغزو القلوب التى آمنت به طوعا بغیر ترهیب أو تهدید لانه کلام مشرق بنور الحق لا غموض فیه أبدا وفیه إقناع ومنطق سدید.