العلوم الکونیه فی القرآن
قال تعالى: قل انظروا ماذا فی السماوات والارض [ سوره یونس آیه – ۱۰۱]
عرض القرآن الکریم الکثیر من الحقائق الکونیه ولکنه عندما یعرض أى قضیه من قضایا الکون العلمیه لا یعرضها بأسالیب البشر باستعمال المقدمات والدلائل والمعادلات واستنباط النتائج وإنما یقدمها بالاشاره أو الرمز أو المجاز أو الاستعاره أو بالعبارات التى تومض فی العقل بنور روحى باهر، إنه سبحانه ینزل آیات قد لا یدرک معناها أو یفهم حقائقها وأسرارها فی وقتها کل المعاصرین لنزولها لان العلم بقوانین الکون کان محدود الآفاق وقتئذ، ولکنه سبحانه یعلم أن المستقبل سوف یأتى بشرح لهذه الآیات فی ضوء علوم عصورها، ومصداق ذلک قوله تعالى:(سنریهم آیاتنا فی الآفاق وفى أنفسهم حتى یتبین لهم أنه الحق).
وتدل الدلائل على أن العلماء الذین درسوا الآیات الکونیه فی القرن فیما بعد وطبقوها على ما وصل إلیه العلم فی زمانهم فی الفلک أو الطب أو الطبیعه أو الکیمیاء أو الاحیاء وغیرها من العلوم وجدوا تطابقا وتوافقا علمیا رائعا أکد لهم أن القرآن کتاب الله الحق الذى لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه.
لذلک کان علماء الفلک وعلماء الطب أکثر الناس إیمانا بعظمه الخالق المبدع وأسبقهم إقرارا بألوهیته لما رأوه رأى العین من أن القرآن الکریم الذى نزل على نبینا محمد صلوات الله وسلامه علیه منذ أربعه عشر قرنا من الزمان کان هو نهایه العلم الذى یصلون إلیه کلما جد جدید فی بحثهم، وهذا هو العلم الذی جاء به النبى الامى محمد الذى لم یکن هو ولا قومه ولا عصره یعرف شیئا من فلک أو جیولوجیا أو کیمیاء أو طب أو غیر ذلک.
وقد أدرک الناس مکانه العلم فی القرآن الذى هو دستور الاسلام، من أن أول ما نزل من وحى السماء على النبى صلى الله علیه وسلم هو قوله تعالى:(اقرأ باسم ربک الذى خلق) ثم إنه سبحانه أقسم بأداه العلم وهى القلم فی قوله تعالى:(ن والقلم وما یسطرون) فدین الاسلام وکتابه هو کنز العلوم التى حثنا القرآن فی آیاته مرارا على النظر إلى صنع الله فی مخلوقاته والتأمل فیها والتفکیر فی خواصها وأسرارها والعلم بها.
وإنه من الخطأ أن یتوهم الواهمون بأن العلم هو ما أتى به أهل الغرب، أو أنه علم العصور الذى یتطور من حین إلى حین، إذ الحقیقه أن علوم الدین الاسلامى هى نهایه العلم، وقد ثبت أن مبادئه وشرائعه منذ نزلت وإلى أن یرث الله الارض ومن علیها هى خیر المبادئ والشرائع لکل زمان ومکان.
وأن الاسلام دین واحد لا یتعدد فی نظمه ولا یتطور فی أصوله، ولیس هناک إسلام قدیم یناسب عصره وإسلام جدید یتفق مع أهواء البشر وتقلباتهم.
ویجب أن یؤمن کل مسلم بأن ما یجد فی عصرنا من إدراک علمى لآیات القرآن لیس معناه أن حقائق القرآن تغیرت أو تطورت فی ذاتها، وإنما الذى یتغیر ویتطور هو عقل الانسان الذى یتسع إذا استنار وفکره إذا استقام مع کثره البحث والدرس والتجریب فیبدو له القرآن على حقیقته الاصلیه الخالده.
لمحه فی کوکبنا الارضى
جاءت فی القرآن الکریم آیات کثیره تتحدث عن السماء والارض والنجوم والشمس والقمر، وعن ظاهرات اختلاف اللیل والنهار وجریان الشمس وتکون السحب ونزول الامطار وکذلک ذکرت ما یوجد على الارض من جبال وأنهار ونبات وأشجار وحیوان وحشرات، کما وردت آیات تبین خلق الانسان وسلالاته وما یتعلق بحیاته وجهاده وسعادته أو شقائه وذکرت غیر ذلک کثیرا من شتى المخلوقات التى أوجدها لله فی ملکه وحثنا على مشاهدتها والتدبر فی روائعها.
وقد اهتدى الانسان بما وهبه الله من ملکات واستعدادات عقلیه أن یعرف الکثیر عن عالمنا الذى نعیش فیه واستطاع أن یکشف لنا عن أن الکره الارضیه لبثت زهاء عشرین ملیونا من القرون بلا حیاه ولا أحیاء تدب علیها، وذلک خلال الازمنه والحقب الجیولوجیه وقبل ظهور الحیاه علیها.
ولم یکن هناک على سطح الکره الارضیه وقتئذ سوى الصخور والمیاه ولا شئ غیر ذلک وفی تلک الازمنه السحیقه أخذت العوامل الجویه ولحرکات والاضطرابات الباطنیه تفتت الصخور ویترسب فتاتها على هیئه طبقات رسوبیه یستقر بعضها فوق بعض على قیعان البحار والمحیطات کما تنتظم الصحف فی الکتب ورقه فوق أخرى.
وبعد هذا النوم العمیق فی حیاه الکره الارضیه بدأت معالم الحیاه ومواکبها تظهر فی صور بدائیه من عوالم الحشرات والنباتات والاشجار والغابات، وتغیر وجه الارض مرارا وصار عالیها سافلها تحت تأثیر العوامل الجویه والحرکات الباطنیه فکانت الکائنات الحیه من نبات وحیوان تنطمر فی باطن الارض، وتترک آثارها فیه کما کانت علیه من حجم وهیئه وکیان فی حیاتها، وهذه هى الحفربات التى یعثر علیها علماء الجیولوجیا فی بحثهم ودراستهم لطبقات الارض، وهم یشبهون الصخور الرسوبیه وما فیها من حفریات بأنها السطور التى کتبتها الارض فی سجل تاریخها الطویل الحافل بتطوراتها وتقلباتها، وهذا هو سفر التاریخ الاعظم الذى ما یزال علم الجیولوجیا یستمد منه الحقائق تلو الحقائق مع کل حفر وتعمق فی البحث لاظهار معالم الحیاه والاحیاء فی عهودها القدیمه جدا، وهى عهود لها أزمان تقدر بالآف الملایین من السنین ولا یعرف مددها إلا الله الازلى الذى لا أول له ولا آخر.
الکون کتاب مفتوح لکل قارئ له ومتدبر فیه
إن الارض التى یعیش علیها الانسان وغیره من المخلوقات هى جزء ضئیل جدا فی ملکوت الله، بل هى ذره أول أو أقل فی عالم الاکوان الذى هو مجموعات هائله من مجرات هائله ونجوم لا حصر لعددها ولا نهایه لامتدادها خلقها الله سبحانه بقدرته وإرادته، وأوجد فیها أنواعا شتى من مخلوقاته، ودبر أمورها تدبیرا محکما قائما على العدل والرحمه والاحسان والاتقان لانه جل جلاله لم یخلقها عبثا بل أوجدها لحکمه علیا أرادها هى معرفه عباده له وواجب عبادته وحده.
وقد شاءت إراده الله أن یجعل هذا الکون العجیب کتابا مفتوحا یقرأه کل من یتأمله ویتدبره بعین العقل والفکر والوجدان لیتضح أماما بصیرته ما فیه من روعه وجمال وبهاء وما أودعه الله فی نظامه الدقیق من قوانین ونوامیس تحکمه وتنظمه، وقد اجتهد فی قراءه صحف هذا الکتاب الکونى علماء مفکرون وباحثون ملهمون وخبراء متخصصون استطاعوا مع طول الدرس والبحث أن یکشفوا فی عصورنا الحدیثه عن کثیر من أسرار الکون فی ضوء العلوم التى وضعوا قواعدها فی الطب والفلک والریاضیات والکیمیاء والجیولوجیا والهندسه والتکنولوجیا وعلوم الانسان والحیوان والنبات والحشرات وغیر ذلک من مختلف العلوم التى هدى الله بها الانسان أن یتعلم ما لم یعلم من علم الله الواسع فی ملکوت السماوات والارض.
وقد نزل فی کثیر من آیات القرآن إشارات إلى العلوم الکونیه وغیرها مما تمکن الانسان بواسطتها أن یصل إلى معرفه قوانینها وقواعدها ونظریاتها بعد نزول القرآن بعده قرون، وکان من فضل الله على الناس أنه وجه أنظارهم إلى الکون لیدرسوه ویتعرفوا على ما جاء فی الآیات القرآنیه عن حقائق عنه، وقد استطاع أولو الالباب من العلماء أن یلمسوا الصله الوثیقه بین ما أوحى به القرآن من قبل وما کشف عنه العلم من بعد وما تأکد من سبق القرآن بأکثر من أربعه عشر قرنا بهذه المعلومات عن الکون وما فیه وأنها فی جوهرها تتفق مع العلم الحدیث الصحیح فی معظم نظریاته التى انتهى من إقرارها بعد ثبوتها.
وفیما یلى عرض لمختلف الآیات الکونیه وغیرها، وکل آیه منها مفسره أولا تفسیرا یتفق مع وجهه نظر علماء الدین، وثانیا مفسره تفسیرا عصریا یتمشى مع الآراء العلمیه التى ثبتت صحتها، وزیاده فی توثیق الصله بین النص القرآنى والعلوم الحدیثه وتوافقهما أضفت فقرات موجزه لبعض النظریات العلمیه المؤیده للقرآن مع شرح مبسط لها.