الصبر والعقیده الإسلامیه
أولا: أصول الدین :
الایمان باللّه :
ان مکانه الصبر ثانویه فى اهمیتها بالنسبه للایمان باللّه سبحانه وتعالى. قال اللّه فى محکم کتابه العزیز: (ولربک فاصبر)«المدثر/۷» .
نرى فى هذه الایه ان ممارسه الصبر ترضى اللّه، وتجدر الاشاره الى ان کلمه (الصبور) المشتقه من فعل (صبر) هى من صفات اللّه الحسنى واسمائه، ویختلف صبر اللّه عن صبر البشر، فعندما نتکلم عن صبر اللّه فاننا نعنى بذلک ان اللّه صبور بدلیل ان رحمته تشمل التائبین والمستغفرین، ویامر اللّه نبیه محمدا(ص) بان یبلغ اعلى درجات الصبر والخلق والفضیله ویتذکر ما لقیه الانبیاء من قبله فى صعوبات وآلام فى طریق تبلیغهم رسالات ربهم، ویتاسى بصبرهم على المکاره: (اصبر على ما یقولون واذکر عبدنا داود ذا الاید انه اواب)«ص/۱۷» .
وقد اظهر نبینا محمد(ص) هو والمجاهدون من صحابته اعلى درجات التحمل والاستعداد للتضحیه فى سبیل اللّه: (ولنبلونکم حتى نعلم المجاهدین منکم والصابرین ونبلوا اخبارکم)«محمد/۳۱» .
وللّه سبحانه وتعالى مطلع على المومنین الذى یصبرون فى وجه المصاعب ولا یابهون لکلام السوء الصادر من الاخرین، لانهم على یقین بان اللّه یحمیهم منه، ولا یخفى علیه الحزن والاسى الذى یتجرعونه فى تلک المواقف .
اللّه هوالصبور فى خلقه السماوات والارض فى سبعه ایام او مراحل، وکان بمقدوره ان یخلقها فى یوم واحد، او دقیقه واحده او حتى فى ثانیه واحده او اقل من ذلک، ولکنه ضرب لنا مثلا على الصبر فى خلقه الکون فى تلک الاونه المحدده .
اسماء اللّه الحسنى
یبین القرآن الکریم تسعا وتسعین اسما للخالق : (قل ادعوا اللّه او ادعوا الرحمن ایا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى)«الاسراء/۱۱۰» .
ومن المعروف ان الصبور هو احد هذه الاسماء، ولو اضفنا (اللّه) الى هذه القائمه لاصبح العدد مائه، ویزید بعض العلماء الیها اسم (الرب)، وتجدر الاشاره الى ان بعض علماء الدین فى الادیان السماویه الاخرى یدعون بان للّه ثلاثه آلاف اسما .
ویذکرنا اللّه بالصبر فى مواضع عدیده فى القرآن الکریم: (ولقد ارسلنا موسى بایاتنا ان اخرج قومک من الظلمات الى النور وذکرهم بایام اللّه ان فى ذلک لایات لکل صبار شکور)«ابراهیم/۵» .
(ولمن صبر وغفر ان ذلک لمن عزم الامور)«الشورى/۴۳» .
ان من الصعب جدا ان نصبر ونصفح بدلا من معاقبه المذنب، ولا شک فى ان هذا النوع من الصبر والصفح یدل على اعلى درجات الشجاعه والتصمیم. ان اظهار مثل هذا الصبر والمغفره قد یکون الدواء الشافى واللازم لاعاده المذنب الى الطریق القویم، او على الاقل الى الوضع السلیم والمقبول فى مجتمعه .
ان اللّه سبحانه وتعالى هو القوى والعارف والصمد، وکل ما لدیه دائم: (ما عندکم ینفد وما عند اللّه باق ولنجزین الذین صبروا اجرهم باحسن ما کانوا یعملون)«النحل/۹۶» .
یحیط اللّه بجمیع الاعمال الصالحه للفرد، وسیثیب کل واحد منا حسب اعماله ولیس حسب قدراته او جدارته، فاذا کان الفرد قادرا على عمل افضل یکون الثواب على قدر العمل، ولیس على اساس الاستطاعه .
الاخلاص للّه
نتوصل، من خلال اخلاصنا للّه المفضى الى تزکیه انفسنا، الى تقویه ایماننا، وان توکلنا على اللّه یقودنا الى الصراط القویم، ویظهر ذلک فى سعینا من اجل اکتساب فضائل القناعه والشکر والاحسان والصبر وممارستها. ونتوصل الى هذا التوکل من خلال الطاعه التامه، ولا بد من ان تتخذ هذه الطاعه شکل التقوى ومحبه اللّه والولاء له .
یبدا الصبر، بالنسبه لنا، فى ثباتنا على الایمان ومقاومه الاغراءات والرغبات الدنیئه والصمود فى اوقات الصعوبات والمشاکل. ویمتحن اللّه ایماننا ومدى نجاحنا فى هذه الاختبارات ومدى اخلاصنا له، ویتم الحصول على افضل النتائج من هذه الاختبارات من خلال ایماننا، واعمالنا الفاضله، والصدق، والصبر.
وعندما یظهر الانسان روحه وقلبه وعقله یکافئه اللّه فى الحیاه الاخره: (وجزاهم بما صبروا جنه وحریرا)«الدهر/۱۲» .
ان علینا ان نسعى الى بلوغ رضا اللّه وکرمه ورحمته وصبره من خلال ثباتنا على الایمان: (فاصبر لحکم ربک ولا تطع منهم آثما او کفورا)«الدهر/۲۴» .
المطلوب هو طاعه اللّه، اما بلوغ هذه الدرجه من الطاعه فیتم من خلال التزامنا والتصاقنا بالاسلام وتطبیقنا لتعلیماته، کما وضح لنا ذلک الرسول الکریم من خلال حیاته وسیرته: (واطیعوا اللّه ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ریحکم واصبروا ان اللّه مع الصابرین)«الانفال/۴۶» .
الصبر والایمان :
(ذلک الکتاب لا ریب فیه هدى للمتقین × الذین یومنون بالغیب ویقیمون الصلاه ومما رزقناهم ینفقون × والذین یومنون بما انزل الیک وما انزل من قبلک وبالاخره هم یوقنون× اولئک على هدى من ربهم واولئک هم المفلحون)«البقره/۱-۵» .
ترابط الایمان والصبر
یوصینا الامام على(ع) بالصبر لانه بالنسبه للایمان بمثابه الراس من الجسد، وکما ان لا حیاه فى جسم من دون راس فانه لا خیر فى ایمان بلا صبر .
من البدیهى انه لا فائده فى جسد من دون راس، لان العقل هو الالیه الاساسیه لبقاء الحیاه، وکذلک فان الایمان لا یکتمل من دون صبر، لانه من الضرورى ان یبقى الایمان ویستمر طوال حیاه الفرد، فالایمان مثالى ولکنه بوجود الصبر یصبح واقعیا وقابلا للتطبیق والممارسه، فمثلا الصبر على الصلاه یقود المسلم المومن الى الطریق القویم .
وسواء اکانت الاوقات عصیبه ام مواتیه فان المطلوب منا ان نسعى الى بلوغ کمال النفوس من خلال الصبر. وبینما نعتبر الثروه والغنى نعمه کبیره فانها فى الوقت نفسه اختبار لایماننا: (ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته لیقولن ذهب السیئات عنى انه لفرح فخور × الا الذین صبروا وعملوا الصالحات اولئک لهم مغفره واجر کبیر)«هود/۱۰-۱۱» .
یهدینا اللّه الى الطریق القویم ویصفح عن هفواتنا، وعندما نتوجه الى البارى عز وجل لیهدینا فاننا نتحصن من اولئک المخدوعین بالمنافع المادیه فى هذه الدنیا. ان جذور الصبر کامنه فى الایمان العمیق، وذلک یودى بنا الى افضل الاتجاهات والتصرفات، اما جوده ادائنا فتتحدد بالاختبارات الالهیه .
(ام حسبتم ان تدخلوا الجنه ولما یاتکم مثل الذین خلوا من قبلکم مستهم الباساء والضراء وزلزلوا حتى یقول الرسول والذین آمنوا معه متى نصر اللّه الا ان نصر اللّه قریب)«البقره/۲۱۴» .
خطر التحریف ان تحریف مبادى الاسلام امر یحدث فى اماکن عدیده، فالعدید من الناس یدخلون البدع على دین الاسلام، وهذه البدع هى فى الواقع مستمده من التراث الاجتماعى لهولاء الناس الذین یدعون بانها اسلامیه، وتحدث هذه الظاهره فى کافه المجتمعات الاسلامیه. لیس من الجائز تغییر مبادى الاسلام وشرعه لان الاسلام طریقه وعقیده متکامله وهو بالتحدید البرنامج الالهى للبشریه جمعاء، وبوصفنا مسلمین علینا ان نبدا بجعل الاسلام نبراسا الهیا یحدد موقفنا من تراثنا الاجتماعى، ولا شک فى ان الاسلام المحرف لیس اسلاما حقیقیا بل هو ایدیولوجیه من صنع الانسان، وعندما یکون الاسلام نبراسا ونموذجا لنا نستطیع ان نحکم على کل سلوک وتطبیق من حیث کونه مناسبا ام لا، ونتصرف فى ضوء ذلک، وهذا سیودى الى توحید الناس اینما کانوا تحت شعار الاسلام .
ولو قام المسلمون بتحریف مبادئهم وقیمهم الاسلامیه فانهم سینحدرون الى الدرک الاسفل، لانهم بذلک یکونون قد استبدلوا الاسلام بالعرف الاجتماعى: (یخادعون اللّه والذین آمنوا وما یخدعون الا انفسهم)«البقره/۹» .
ومن الموکد ان عزیمه المومن تتعرض للامتحان، وحالما یسیطر المومن على ذاته: الخارجیه والداخلیه، ویصبح الصبر النور الهادى لایمانه، یغد مهیا لمواجهه کل الاختبارات والتجارب بعقل مفتوح وقلب متفتح وثقه عالیه. ان هدف اولئک الذین یسمونک باللاملتزم هو دفعک الى الانحراف عن الاسلام: (ولا یزالون یقاتلونکم حتى یردوکم عن دینکم ان استطاعوا)«البقره/۲۱۷» .
فاجعل – یا اخى المومن – الصبر طریق خلاصک، ولا تخدع بالحیل والنفاق والکفر المحیط بک .
(ولئن صبرتم لهو خیر للصابرین × واصبر وما صبرک الا باللّه ولا تحزن علیهم ولا تک فى ضیق مما یمکرون)«النحل/۱۲۶-۱۲۷» .
واسع الى توثیق صلتک ورابطتک بدینک الاسلام وعمق ایمانک من خلال الصبر والتصمیم .
(فاصبر ان وعد اللّه حق ولا یستخفنک الذین لا یومنون)«الروم/۶۰» .
التکامل بین الایمان والعمل الصالح:
یثبت المرء ایمانه بممارسه الاعمال الصالحه، وکما قال الامام على(ع) فان الایمان یقود الى الاعمال الصالحه، کما ان الاعمال الصالحه تقود الى الایمان .
ان الایمان والعمل الصالح متکاملان، فکل منهما یدعم الاخر ویرفع الصبر الى اعلى الدرجات، واحذر ان تخسر صالح اعمالک بسبب تفاخرک بذلک، ولکن بوجود الصبر فانک تودى العمل الصالح وترضى بالمکافاه على ذلک فى کونک قد قمت به: (هل جزاء الاحسان الا الاحسان)«الرحمن/۶۰» .
ولا شىء یبرز الخیر او الاحسان مثل الاحسان، لذا فان الفرد یکافا على اعماله الصالحه بالشعور الحسن الذى یحصل علیه نتیجه ذلک .
وعندما تسلم امرک لاراده اللّه کن واثقا من ایمانک، اثبت على اعتقادک بوحدانیه اللّه، واقبل التحدى الذى ینطوى علیه جهادک لتحسین نفسک فى سبیل اللّه، والتزم دائما باوامر اللّه ونواهیه، وکن صامدا وقویا فى تمسکک بالاسلام وترجم ذلک الى تطبیق وعمل، ولتکن مواقفک وافکارک صحیحه حتى یدوم ایمانک، ولتکن انت وسلوکک قدوه یتبعها الغیر، وقبل کل هذا وذاک کن صبورا .
(واتبع ما یوحى الیک واصبر حتى یحکم اللّه وهو خیر الحاکمین)«یونس/۱۰۹» .
وماذا غیر نور الصبر یمکن ان یبلغ الوحى على نحو افضل؟ فالصبر هو الفضیله العظمى للمومنین، وعلى هذا الاساس ننطق بالشهادتین على ایماننا بان (لا اله الا اللّه وان محمدا رسول اللّه) .
واعلان الشهادتین هو اول واجبات المسلم، وهما تشتملان على امرین هما: الاعتراف بالوحدانیه المطلقه للّه سبحانه وتعالى، ونبوه محمد(ص). ان الخضوع لاى شىء او احد غیر اللّه هو مخالف للعقیده، کما ان رفض نبوه محمد(ص) هو نقض للایمان، فعندما ننطق بالشهادتین فاننا نعلن للملا باننا مسلمون، ومن واجباتنا، بوصفنا مسلمین، ان نقرا القرآن، ونتبع سیره الرسول محمد(ص) .
الصبر والکتب السماویه :
ینص کتاب اللّه العزیز على وجود الکتب السماویه الاخرى: (الذین آتیناهم الکتاب یتلونه حق تلاوته اولئک یومنون به ومن یکفر به فاولئک هم الخاسرون)«البقره/۱۲۱» .
القرآن الکریم :
انزل القرآن الکریم على النبى محمدن بوساطه الملک جبرائیل لتاکید نعمه اللّه ورحمته، وتصحیح ما حاق بالکتب السماویه السابقه من تحریف وسوء فهم: (وما انزلنا علیک الکتاب الا لتبین لهم الذى اختلفوا فیه وهدى ورحمه لقوم یومنون)«النحل/۶۴» .
ولقد انزلت الکتب السماویه لبلوغ هدف صریح الا وهو توحید الفرق والجماعات المختلفه، وتعلیمها السلوک الصحیح وهدایتها الى الخلاص، لان هذه الفرق قد حلت بها الفرقه والتشتت وسارت على طریق وعر. ولقد انزلت الکتب السماویه الاخرى، اى التوراه والزبور والانجیل فى حقب مختلفه .
(نزل علیک الکتاب بالحق مصدقا لما بین یدیه وانزل التوراه والانجیل × من قبل هدى للناس وانزل الفرقان.)«آل عمران/۳-۴» .
الصبر فى القرآن الکریم :
یرد ذکر الصبر ومشتقاته ۱۰۳ مرات فى القرآن الکریم (انظر الملحق)، ان من اراده اللّه ان یذکر الصبر فى القرآن الکریم لهدایه القارى المومن، ونجد ذکرا للصبر فى ۴۵ سوره تمثل بمجموعها ۴۰ بالمئه من مجموع سور القرآن الکریم البالغ عددها ۱۱۴ سوره، اما السور التى یتکرر فیها ذکر کلمه الصبر عده مرات فهى: البقره (۹ مرات)، آل عمران (۸ مرات)، الکهف (۸ مرات)، النحل (۷ مرات)، وتشکل هذه بمجموعها ثلث المرات التى یرد فیها ذکر الصبر، وتحتوى ۹۳ آیه على کلمه الصبر، وعشر من هذه الایات یرد فیها ذکر الصبر مرتین کما ترد کلمه (اصبر) ۱۹ مره و(اصبروا) خمسه عشر مره، و(الصابرین) بعدد المرات نفسها .