تمیُّز حرکه سیِّد الشهداء
الجواب : فی الواقع، مواجهه إصلاح السُّلطه فی النظام الاجتماعی، لم یکن حاله استثنائیه عند الأئمَّه (علیهم السّلام)، ولا مِن قَبلهم عند جَدِّهم سیِّد الأنبیاء، بلْ هی حاله دیمومیه ؛ لأنَّ الدین هو الذی یأتی لإداره وتدبیر البشر فی ظِلِّ نظامهم الاجتماعی المعیشی ، وتلاؤمه مع مسیرهم فی العوالم الأُخرى ، فالإنسان ذو أبعاد مُختلفه ، والإنسان ذو طبقات مُختلفه ، فقیاده النظام الاجتماعی دنیاً وعوالم أُخرى ، بدناً وروحاً ، هو الهَمُّ والغَمُّ الذی حُمّل على عاتق النبیّ وأهل بیته (علیهم السّلام) ؛ وبالتالی فإنَّ مواجهه السُّلطه بأشکال وأسالیب مُختلفه ، وإصلاح سُلطه البشر ، هو هَمُّ الأنبیاء ، والمحور الأصلی فی مسیره النبی وأهل بیته (علیهم السّلام) .
نعم ، الأُسلوب الخاصُّ ، والشکل الخاصُّ الذی قام به سیِّد الشهداء هو بنحو مُتمیِّز ، عمَّا قام به بقیَّه الأئمَّه (علیهم السّلام) .
الخنوع أو المواجهه عند المدارس الإسلامیَّه الأُخرى :
السؤال : کیف یوازن بین المنهجین المطروحین عند أهل السُّنَّه ، بین الخنوع والذِّلِّ بین یدی السلطان ، والمواجهه المُسلحه ضِدَّ الحاکم ؟
الجواب :هذه الموازنه المُعقَّده هی التی قام أهل البیت (علیهم السّلام) وبالذات سیِّد الشهداء ، فی ظلِّ جدلیَّه تتجاذب مع المُجتمع والإنسان وعقله وفکره ، أنْ لا یُفرِّط فی المکاسب ، وأنْ لا یُهادن فی المَفاسد ، وکیف یُحافظ و یوازن بین دفع المفاسد والإبقاء والادِّخار للمکاسب ، هذا هو الأُسلوب المُتمیِّز لسیِّد الشهداء ، أنَّه حاول ألاَّ یقرَّ الفساد والخطأ والوضع العَفن ، فی حین لم یُفرِّط بالمُنجزات الصحیحه فی الواقع السائد ، فلا إفراط ولا تفریط .
یرى البعض ـ على ضوء ذلک ـ أنَّ سیِّد الشهداء تصرَّف بأُسلوب ساخن ، وأنَّ الإمام الحسن تصرَّف بأُسلوب بارد ، وفی الواقع ، إنَّ أسلوب سیِّد الشهداء وأُسلوب الإمام الحسن (علیهما السّلام) ، یجتمعان وأسلوب أبیهما سیِّد الأوصیاء وجَدِّهما سیِّد الأنبیاء .. کان أُسلوب النبی (صلَّى الله علیه وآله) فی مَکَّه لثلاث عشره سنه أُسلوب الهُدنه ، وکذلک فی المدینه ، فهناک فرق بین نهج النبی والوصی والسبطین وبین نهج الخلفاء فی الفتوحات ـ طبعاً هذا شیء مُختلف ـ أو نهج السُّلطه الأُمویَّه أو السلطه العباسیَّه .
نهج الأربعه أصحاب الکساء نهج مُتمیِّز خاصٌّ ، فالنبی (صلَّى الله علیه وآله) کانت له دعوات للأُمم فی الدخول والانطواء تحت دین الله (عَزَّ وجَلَّ) ، فهم بطوعانیَّه انجذابهم إلى النموذج الإسلامی یدخلون ، أمَّا حرب مؤته أو غیرها ، فکلُّها حروب وقائیَّه ؛ لأنَّ المُشرکین أرادوا أنْ یباغتوا المسلمین والنبی (صلَّى الله علیه وآله) ومِن ثمَّ أعدَّ لهم الجیش فی تبوک أو فی مَکَّه أو غیرهم ، وکذلک انظر إلى الخلفیه التاریخیَّه لبدر وأُحد والأحزاب وحُنین .. وغیرها ، التی رُصدت فی حروب النبی (صلَّى الله علیه وآله) هو بمنطق العرف القانونی کحروب وقائیَّه ، وکذلک الحال فی سیِّد الشهداء ، فی حین تمیَّز منهجه بالدم ، وتمیَّز بالتضحیه ، مِن دون أنْ یُبادر بهدر دم الطرف الآخر ، وإنَّما یُضحِّی بدمه وکلِّ مُقدراته (علیه السّلام) ، فی مُقابل عدم الرضوخ للوضع الفاسد .
رایه ضلال :
السؤال : کیف نفهم هذه الروایه فهماً صحیحاً : (( کلُّ رایه تخرج قبل قیام الإمام المهدی (علیه السّلام) فهی رایه ضلال )) ؟ (۱) .
ـــــــــــ
(۱) الکافی ج ۸ ص ۲۹۵ ، الوسائل ج ۱۵ ص ۵۲، غیبه النعمانی ص ۱۱۱، البحار ج۵۲ ص۱۴۲٫
الجواب : هذه الروایه هی ضمن مجموعه روایات عدیده ، ومفادها فی قراءتی الخاصَّه ، لا یعنی الدعوه إلى الخمول والجمود ، أو عدم مُحاوله تغییر المُنکر الاجتماعی أو السیاسی .. وغیره ، إنَّما مصبُّ هذه الروایه ومثیلها مِن الروایات ، أمران :
الأمر الأوَّل : أیُّ قیاده فی الطائفه الشیعیَّه ، تُرید أنْ تقوم بهیکل سیاسیٍّ أو شرعیٍّ ، لا یُمکن أنْ تتسنَّم کلَّ صلاحیَّات الإمام المعصوم ، نعم تقوم بإقامه الحکومه ، کما ذکر ذلک الفُقهاء الأقدمون ، وإداره المُجتمع الشیعی والطائفه والدوله الشیعیَّه ، أو الدوله الإسلامیَّه ، لکنَّ صلاحیَّتها فی الدوله لیست کصلاحیَّات الإمام المعصوم ، فی التشریع وفی التنفیذ وفی القضاء .. وبعباره أُخرى کالصلاحیَّات المفتوحه للمعصوم . المعصوم هو مصدر الشرعیَّه ، ولیس ذلک للفُقهاء، إنَّما هم حُفَّاظ على ما هو فوقهم مِن تراث أهل البیت ، هذا أمرٌ تُرید أنْ تُثیره الروایات ؛ کی لا یُختطَّ فی الحرکات التغییریَّه الشیعیَّه أنْ تخرج عن نهج الأئمَّه الاثنی عشر ، فتُصبح زیدیَّه أو تُصبح إسماعیلیَّه أو ما شابه ذلک ، هذا مطمح ترومه وتُشیر إلیه الروایات .
لذلک یفهمنا أبناء المذاهب الإسلامیَّه الأُخرى بشکل خاطئ ، فیظنُّون أنَّ الفُقهاء عندما شیَّدوا نظام الجمهوریَّه الإسلامیَّه ، قد تخلُّوا عن شرطیَّه العصمه ، هذا خطأ فی قراءه مسار الشیعه ، فالإمامه والعصمه لا یُمکن رفع الید عنها ، نعم نقول : إنَّ النظام البشری لا یُمکن أنْ یقوده إلاَّ معصوم ، فالذی یُدیر البشریَّه بشکل خفیٍّ الآن هو المهدی (علیه السّلام) مع شبکته الخفیَّه ، لا مع مجموعات الدجل والاحتیال ، التی تدَّعی السفاره ، مهزله استعماریَّه إنکلیزیَّه معروفه ، کلامنا فی ما هو واقع الأبدال والأوتاد والنُّقباء وعِبْرهم هو (علیه السّلام) یُدیر البشریَّه والنظام البشری .
وهناک مِن الآیات القرآنیَّه الصریحه فی ذلک ، أنَّ وظیفه المعصوم ، کعلی بن أبی طالب ، والذی یُقال : بقعوده خمساً وعشرین سنه فی البیت ، هی مقوله خاطئه ! بلْ هو یُدیر البشریَّه . إبراهیم لم یتسلَّم فی العلن سلطه رسمیَّه ، لکنَّه فی الخفاء ، بیده أزمَّه إداره أنظمه البشریَّه ـ بشکل سریٍّ ـ ، کما هو موجود الآن ، کما أنَّ القوى التی تُدیر البشریَّه حالیاً قوى خفیَّه أکثر مِن کونها قوى علنیَّه رسمیَّه .
المقصود : إنَّنا فی رؤیتنا الشیعیَّه لا نتخلَّى ـ أبداً ـ عن المعصوم الذی تُحفَظ به البشریَّه ، و ما الفُقهاء إلاَّ وکلاء ونوَّاب ورؤساء مُحافظات له ، والمحور الأصلی هو المعصوم . فقراءه المذاهب الإسلامیَّه الأُخرى لمسار الشیعه ، مثلاً تجربه إیران کجمهوریَّه إسلامیَّه ، قراءتهم لها خاطئه ، فلا یعنی تشیید النظام الإسلامی أنَّنا تخلَّینا عن العصمه ، بلْ على العکس ، إنَّا نحن فی ظِلِّ العصمه . هذه نکته مُهمَّه ؛ ولذلک ـ ولله الحمد ـ شیعه إیران تحت ظِلِّ الفقهاء ، لم یُصبحوا فرقه شیعیَّه جدیده ، مثل الزیدیَّه أو الوافقه وغیرهم ؛ لأنَّهم یلتفتون إلى معنى قیاده الفقهاء تحت ظلِّ العصمه ، ومِن ثمَّ یستمرُّون على النهج الاثنی عشری .
الأمر الثانی : نُکته أُخرى إعجازیَّه ، تُشیر لها هذه الروایات ـ وتختلف قراءتی لهذه الروایات عن قراءه جماعات عدیده مِن الفقهاء ـ ، قراءه أُخرى ألمسها فی هذه الروایات تُرید أنْ تُشید بنُکته مُعیَّنه وهو ضمان التسدید والنجاح فی الأُسلوب التوعوی و الإرشادی التثقیفی العملی والتربوی الإصلاحی ، وأنَّکم فی التأثیر على المَدِّ الاجتماعی والتغییر الاجتماعی ، لیس مِن الضروری أنْ تکشفوا أوراقکم على العَلن . فمِن باب المثال ـ الذی یضرب مِن جِهه ولا یُقاس به مِن کلِّ جِهه ـ الصهیونیَّه هدَّ الله أرکانها لیست قوَّتها على البشریَّه الآن فی إسرائیل ، مع أنَّ صندوق النقد الدولی بیدها ، والمصرف الدولی بیدها ، والشرکات النفطیَّه العملاقه بیدها ، وشرکات الأسلحه بیدها ، وشرکات وکالات الإعلام الضخمه التی تُهیمن على کلِّ الفضائیَّات بیدها ، فأیُّ قطَّاع عامٍّ بشریٍّ رأسمالیٍّ مُسیطر هو بیدها ، وهم لم یصلوا إلیها أبداً عِبر دوله رسمیَّه ، إنَّما عِبر العمل تحت السطح .
هذه الروایات تُرید أنْ تُشیر إلى هذا المطلب : أنَّ العمل ـ ولیس الجمود و الخمول ـ إنَّما العمل تحت السطح یضمن الأمان فی نجاح العمل ، نعم قد تأتی ظروف استثنائیَّه شبیهه بنهج الحسین (علیه السّلام) ، ولابُدَّ حینها أنْ یکون العمل فوق السطح ، مِثل انتصار الثوره الإسلامیَّه فی إیران ، لکنْ کبرنامج عامٍّ ، العمل تحت السطح مضمون السلامه ومضمون النجاح ؛ لأنَّ الخفاء یفقد العدو الاستهداف أو العلم بالخفایا والنوایا وأهداف البرامج . وهذه قراءه أُخرى أیضاً لهذه الروایات .