فی شروط البیع بالصیغه
إنّ المعاملات أُمور عرفیه ولیست توقیفیه حتّى یُتبع فیها نصُّ الشارع وإذنُه وترخیصُه، وإنّ دور الشارع فی غیر العبادات هو الإرشاد والتنبیه إلى ما یضرّ وما لا یصلح، کحرمه الربا، والبیع الغرری وما شابه ذلک من المحرمات و المکروهات. فیتبع فیما ورد فیه النهی تحریماً أو تنزیهاً.
وعلى ذلک فالأسباب الفعلیه والقولیه على وزان واحد فی إنشاء البیع وسائر العقود، بل قد عرفت أنّ السبب الفعلی هو الأصل والسبب القولی هو العارض، وعلى ذلک فالأصل فی المعاملات هو وجود السبب الإنشائی عند العرف من غیر فرق فی السبب بین اللفظ وبین الفعل والکتابه والإشاره إذا کانت صریحه أو ظاهره فی إنشاء البیع.
نعم ذهب غیر واحد من علمائنا إلى اعتبار اللفظ فی البیع، بل فی جمیع العقود وقد نقلوا علیه الإجماع وتحقّقت فیه الشهره العظیمه. وقد مرّت الروایات الّتی استدلّ بها على لزوم الصیغه فی البیع وغیره فی الفصل السابق، وعرفت عدم دلالتها على المقصود.
ولکن الإجماع غیر محقّق وعلى فرض تحقّقه فهو لیس کاشفاً عن نص وصل إلیهم ولم یصل إلینا.
ثمّ إنّ القائلین بلزوم العقد خصّوه بصوره القدره، وأمّا مع العجز عنه کالأخرس أو من عرض له العجز لأجل المرض ففیه کلام.
۱
حکم العاجز عن التکلّم
الظاهر من الروایات أنّ إشاره الأخرس فی الطلاق تقع مکان اللفظ. فإذا کانت الإشاره کافیه فی الطلاق ففی غیره بطریق أولى.
ویدلّ على ذلک روایات کثیره فی باب الطلاق منها:
۱٫ ما رواه أبان بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام)عن طلاق الأخرس؟ قال: «یلفّ قناعَها على رأسها ویجذبه».(479)
۲٫ روى السکونی، عن أبی عبدالله (علیه السلام)قال: طلاق الأخرس أن یأخذ مقنعتها، ویضعها على رأسها ویعتزلها.(۴۸۰)
۳٫ روى أبو بصیر، عن أبی عبد اللّه(علیه السلام)قال:«طلاق الأخرس أن یأخذ مقنعتها، ویضعها على رأسها ثم یعتزلها».(481)
والروایات صریحه فی جواز الطلاق بالإشاره لغیر المتمکّن.
فإن قلت: إنّ القدر المتیقّن من الروایات هو قیام الإشاره مکان الطلاق اللفظی إذا لم یتمکّن من التوکیل، وأمّا معه فلا.
قلت: حمل الروایات على صوره عدم إمکان التوکیل حمل لها على الفرد النادر، وهو کما ترى، فالظاهر کفایه الإشاره للعاجز مطلقاً، تمکّن من التوکیل أو لا.
ثمّ إنّ الظاهر کفایه الکتابه أیضاً للأخرس، إنّما الکلام فی تقدّم الإشاره علیها أو کونهما متساویین.
قال الشیخ: وأمّا مع القدره على الإشاره فقد رجّح بعض الإشاره، ولعلّه لأنّها أصرح فی الإنشاء من الکتابه.(۴۸۲)
إلاّ أنّ بعض الروایات ورد فیها الاکتفاء بالکتابه مع إمکان الإشاره، وأشار إلیها الشیخ أیضاً فی کلامه، وذلک:
۱٫ ما رواه الصدوق عن أبی نصر البزنطی أنّه سأل أبا الحسن الرضا(علیه السلام)عن الرجل تکون عنده المرأه، یصمت ولا یتکلّم، قال(علیه السلام): «أخرس هو؟» قلت: نعم، ویعلم منه بغض لامرأته وکراهه لها، أیجوز أن یطلّق عنه ولیّه؟ قال:«لا، ولکن یکتب ویشهد على ذلک»، قلت: أصلحک اللّه، فإنّه لا یکتب، ولا یسمع، کیف یطلّقها؟ قال: «بالذی یعـرف به مـن أفعاله مثل ما ذکرت من کراهته وبغضه لها».(483)
والروایه صحیحه ولیست بحسنه وإن وصفها بذلک المحقّق الخوئی، وقال: حسنه بإبراهیم بن هاشم (فی السند) وذلک لأنّ إبراهیم بن هاشم فوق الثقه، وإن لم ترد فی حقّه کلمه الثقه، ولکن وردت فیه کلمات تشیر إلى أنّه أحد الثقات العظام لا الثقه المطلقه. على أنّ إبراهیم بن هاشم وقع فی سند الکلینی لا فی سند الفقیه ولا فی سند الشیخ.(۴۸۴) وسند الفقیه أیضاً صحیح.
۲٫ ما رواه یونس فی رجل أخرس کتب فی الأرض بطلاق امرأته، قال (علیه السلام): «إذا فعل فی قبل الطهر بشهود، وفهم عنه کما یفهم عن مثله، ویرید الطلاق، جاز طلاقه على السنّه».(485)
وقد حکم السید الخوئی بضعف السند، لأنّ إسماعیل بن مرّار مجهول(۴۸۶) ، والأولى أن یقول: إنّه مهمل لا مجهول، فإنّ المجهول هو غیر المعروف وقد حکم بجهالته، وإسماعیل بن مرّار معروف روى عنه إبراهیم بن هاشم، وروى هو أکثر من مائتی روایه عن یونس، بل یمکن أن یحکم بوثاقته لأنّ ابن الولید لم یستثنه، قال ابن الولید: کتب یونس الّتی هی بالروایات کلّها صحیحه معتمد علیها إلاّ ما ینفرد به محمد بن عیسى بن عبید، وهذا (عدم استثنائه) یشهد على وثاقته.(۴۸۷)
هذا ومن المعروف فی هذه الأیّام هو وجود لغه خاصه للعاجزین عن النطق، وهی لغه الإشاره ولها مدارس وکتب، وبواسطتها یتعلّم هؤلاء مختلف الفنون ویعبرون عن حوائجهم بها، وهذا یدلّ على أنّ الإشاره تحتل مکاناً طبیعیاً فی إفهام العاجزین عن النطق.ولولا ما ورد من الروایه، لکان القول بتقدّم الإشاره على الکتابه وجه، لأنّها لسان طبیعی له فیکون متقدماً على غیره.
هذا کلّه فی العاجز عن النطق، وأمّا الکلام فی المتمکن منه، فقد عرفت قول المشهور وکلامنا حوله أیضاً، وانّ البیع بالصیغه هو أحد الأسباب لا السبب المنحصر، وعلى ذلک فالکلام فی العقد بالصیغه لیس لأجل شرطیه الصیغه، بل لأجل احتمال اعتبار الشارع فی خصوص صیغه البیع، شرائط للصحه أو اللزوم، والهدف، التعرف على هذه الشروط.
المحاور الثلاثه فی العقد بالصیغه
ویقع الکلام فی مقامات ثلاثه أشار إلیها الشیخ فی صدر کلامه:
۱٫ مواد الألفاظ من حیث إفاده المعنى بالصراحه والظهور والحقیقه والمجاز والکنایه.
۲٫ هیئه کلّ من الإیجاب والقبول من حیث کونه بالجمله الفعلیه وبصوره الفعل الماضی.
۳٫ هیئه ترکیب الإیجاب والقبول من حیث الترتیب والموالاه.
وسوف ندرس هذه المحاور الثلاثه مع فروعها فی هذا الفصل ضمن أُمور:
المحور الأوّل
وفیه مباحث
۲
فی مواد الألفاظ
لا شکّ فی صحه إنشاء البیع بلفظ موضوع لإنشائه کما فی قوله: بعت واشتریت، إنّما الکلام فی وقوعه بالمجاز والکنایه، فثمه أقوال وآراء:
۱٫ الاقتصار على الألفاظ الّتی وضعها الشارع لهذا العقد.
۲٫ الاقتصار على الألفاظ الّتی عبّر بها الشارع عن تلک المعامله کإنشاء البیع، والنکاح، والإجاره بصیغه: بعت، أنکحت، وآجرت.
۳٫ الاقتصار على اللفظ الموضوع لهذا العقد لغه، والّذی یکون استعماله فیه حقیقه، وعلى هذا لا یکفی المجاز قریبه وبعیده ولا الکنایه.
۴٫ کفایه المجاز فی إنشاء العقد إذا کان مقروناً بالقرائن اللفظیه دون ما یکون مقروناً بالقرائن الحالیه ودون الکنایه.(۴۸۸)
۵٫ الاکتفاء بکلّ لفظ یکون صریحاً أو ظاهراً فی إنشاء العقد، سواء
کان الاستعمال حقیقیاً أو مجازیاً أو کنائیاً.
والوجه الأخیر هو الأقوى کما سیتضح.
دراسه الأقوال الخمسه
أمّا القول الأوّل: فقد نقله الشیخ الأنصاری عن فخر المحقّقین(فی الإیضاح) حیث قال: إنّ کلّ عقد لازم «وضع له الشارع صیغه مخصوصه» بالاستقراء فلابدّ من الاقتصار على المتیقّن.(۴۸۹)
ولما کان هذا القول غیر صحیح جدّاً وصفه الشیخ بقوله: وهو کلام لا محصل له عند من لاحظ فتاوى العلماء فضلاً عن الروایات المتکثره.
وجهه: أنّ العقود أُمور عرفیه عقلائیه وقد وضعوا لها ألفاظاً من
عند أنفسهم، والشارع استخدم نفس الألفاظ الّتی کان العقلاء یستعملونها
فی تلک المعانی، ولیس للشارع هناک دور فی وضع هذه الألفاظ حتّى یُتّبع وضعه.
أمّا القول الثانی ـ أعنی: الاقتصار على الألفاظ الّتی عبّر بها الشارع عن تلک المعامله ـ : فقد احتمل الشیخ أنّ هذا القول هو مراد فخر المحقّقین من کلامه السابق حیث قال: فلعل المراد من الخصوصیه المأخوذه فی الصیغه شرعاً هی اشتمالها على العنوان المعبّر عن تلک المعامله به فی کلام الشارع، فإذا کانت العلاقه الحادثه بین الرجل والمرأه معبّراً عنها فی کلام الشارع بالنکاح أو الزوجیه أو المتعه فلابدّ من اشتمال عقدها على هذه العباره، فلا یجوز بلفظ الهبه أو البیع أو الإجاره أو نحو ذلک، وهکذا الکلام فی العقود المنشئه للمقاصد الأُخرى کالبیع والإجاره ونحوهما لأنّها بهذه العنوانات موارد للأحکام الشرعیه الّتی لا تُحصى.(۴۹۰)
یلاحظ علیه: أنّ تعبیر الشارع عن هذه العقود بالألفاظ الدارجه لأجل أنّ العرف یستخدمها فی هذه العقود، فإذاً لا موضوعیه لاستخدام الشارع بعدما کان تابعاً لاستخدام العرف، فالمیزان کون اللفظ عند العرف قالباً لهذا المعنى ومنشئاً به.
أمّا القول الثالث ـ أعنی: الاقتصار على اللفظ الموضوع له لغه ـ : فهو بمعنى أن یکون استعمال اللفظ فی العقد المزبور استعمالاً حقیقیاً لا مجازیاً ولا کنائیاً، واحتمل الشیخ أنّ ذلک هو مراد العلاّمه فی «التذکره» حیث قال:الرابع من شروط الصیغه التصریح، فلا یقع بالکنایه بیع البته، مثل قوله: أدخلته فی ملکک، أو جعلته لک، أو خذه منی بکذا، أو سلطتک علیه بکذا، عملاً بأصاله بقاء الملک، ولأنّ المخاطب لا یدری بِمَ خوطب.
یلاحظ علیه ـ مضافاً إلى أنّ ظاهر العباره هو إخراج خصوص الکنایه دون المجاز ـ : أنّه کیف لا یجوز العقد بالألفاظ المجازیه مع أنّ ظاهر کلامهم فی غیر واحد من الموارد هو الاکتفاء بالألفاظ غیر الموضوعه لذلک العقد؟! مثلاً حُکی عن الأکثر تجویز البیع حالاً بلفظ «أسلمتُ»، إلى غیر ذلک من الأمثله الّتی نقلها الشیخ عن الأصحاب.
أضف إلى ذلک: أنّ المعاملات لیست من مقوله العبادات بل هی من مقوله الأُمور العقلائیه، والمطلوب عند العقلاء کون اللفظ صریحاً فی المعنى المقصود أو ظاهراً فیه، وعندئذ لا فرق بین المعنى الحقیقی والمعنى المجازی، ولهذا حمل المحقّق الثانی کلام هذا القائل على المجازات البعیده الّتی لا یکون اللفظ ظاهراً فی المعنى المقصود.
أمّا القول الرابع: وهو کفایه الإنشاء باللفظ، سواء کان الاستعمال حقیقیاً أو مجازیاً بشرط أن تکون القرینه الداله على المعنى المجازی لفظیه، وهذا هو الّذی اختاره الشیخ فقال بعد نقل کلام المحقّق الثانی: والأحسن منه أن یراد باعتبار الحقائق فی العقود، اعتبار الدلاله اللفظیه الوضعیه، سواء أکان اللفظ الدالّ على إنشاء العقد موضوعاً له بنفسه أو مستعملاً فیه مجازاً بقرینه لفظ موضوع آخر لترجع الإفاده بالآخره(۴۹۱) إلى اللفظ، إذ لا یعقل الفرق
فی الوضوح الّذی هو مناط الصراحه بین إفاده لفظ للمطلب بحکم الوضع
أو إفادته له بضمیمه لفظ آخر یدلّ بالوضع على إراده المطلب من ذلک
اللفظ.
وهذا بخلاف اللفظ الّذی تکون دلالته على المطلب لمقارنه حال
أو سبق مقال خارج عن العقد، فإنّ الاعتماد علیه فی متفاهم المتعاقدین
وإن کان من المجازات القریبه جدّاً، رجوع عمّا بنی علیه من عدم العبره
بغیر الأقوال فی إنشاء المقاصد، ولذا لم یجوزوا العقد بالمعاطاه ولو مع
سبق مقال أو اقتران حال تدلّ على إراده البیع جزماً.(۴۹۲)
فظاهر هذا القول عدم الاکتفاء بأمرین:
۱٫ إنشاء العقد بالاستعمال المجازی إذا کانت القرینه حالیه.
۲٫ إنشاء العقد بالاستعمال الکنائی.
أمّا الأوّل فقد ذکر الشیخ فی وجهه أنّ الاکتفاء بالقرائن الحالیه رجوع عمّا بُنی علیه من عدم العبره بغیر الأقوال فی إنشاء المقاصد.
یلاحظ علیه: أنّ إنشاء المقاصد فی مورد المجاز إنّما هو باللفظ لا بالقرائن الحالیه وإنّما القرینه لتفهیم المقصود، فإذا قال: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملک کریم، أو جاء حاتم عندما جاء الإنسان المعروف بالبخل، فقد أنشأ المدح الذم بنفس قوله: إن هذا إلاّ ملک کریم أو جاء حاتم. وإنّما القرینه لتفهیم المراد، وتطبیق العنوان على المصداق.
وأمّا الإنشاء بالکنایه فالظاهر جواز الإنشاء بها إذا کان اللفظ ظاهراً فی إفاده المطلوب ظهوراً عرفیاً، والتفریق بین الإنشاء بالمجاز والإنشاء بالکنایه غیر تام.
کلام المحقّق النائینی حول الإنشاء بالکنایه
ذهب المحقّق النائینی إلى التفریق بین المجاز والکنایه فقال بجواز الإنشاء بالأوّل دون الثانی. وحاصل کلامه:
إنّ المجاز استعمال اللفظ فی غیر الموضوع له، فإذا أطلق اللفظ وأُرید المعنى المجازی الّذی هو مفاد العقد فقد أنشأ وأوجد العنوان الاعتباری للعقد، وهذا بخلاف الکنایات فإنّها قسیم المجازات، فإنّ قوله: «طویل النجاد» استعمل فی نفس معناه الحقیقی، وأُلقی معنى اللفظ إلى المخاطب لینتقل إلى ملزومه وهو طول القامه، والانتقال إلیه من دواعی استعمال هذه الألفاظ فی معانیها، لا أنّها استعملت فی طول القامه، فالأقوى عدم صحّه إنشاء العنوان بها; فإنّ إنشاء اللازم وإیجاده فی الإنشاء القولی لیس إیجاداً للملزوم عرفاً. وکون الملزوم مقصوداً وداعیاً من إیجاد اللازم، لا أثر له، لما عرفت من أنّ الدواعی والأغراض لا أثر لها.(۴۹۳)
یلاحظ علیه: بأنّ التفکیک مبنی على أنّ المجاز استعمال اللفظ فی غیر الموضوع له ابتداءً، بخلاف الکنایه فإنّها عباره عن استعمال اللفظ فی المعنى الحقیقی (اللازم)(۴۹۴) لینتقل منه المخاطب إلى ملزومه، فقول القائل: «زید طویل النجاد» أُرید به المعنى اللغوی لکنه صار وسیله للانتقال إلى ملزومه وهو طول القامه، فلا یکون العقد منشئاً باللفظ وإنّما یکون تابعاً للمعنى المنشأ.
ولکن هذا التفریق غیر صحیح فإنّ المجاز والکنایه من باب واحد فاللفظ فی کلّ منهما مستعمل فی المعنى الحقیقی، غایه الأمر أنّ المتکلّم یدّعی ـ فی المجاز الاستعاری ـ مصداقیه المورد للمعنى الحقیقی، فقوله سبحانه وتعالى حاکیاً عن النسوه اللواتی رأین یوسف: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذا إِلاَّ مَلَکٌ کَرِیمٌ)(۴۹۵) فلفظه «مَلک» مستعمله فی الموجود النورانی لا فی الفرد
الحاضر فی المجلس، ولکن ادّعی أنّ المورد من مصادیقه، وقد أوضحنا
ذلک فی دروسنا فی علم الأُصول وقلنا: لولا هذا لما صحّ التعجب فی قول الشاعر:
قامتْ تُظلّلنی ومـن عجـب *** شمسٌ تُظلِّلنی عن الشمس
وأمّا الکنایه فقد استعمل فی اللازم بالإراده الاستعمالیه لینتقل المخاطب عنه إلى الملزوم المراد بالإراده الجدّیه، فإذا کان المجاز والکنایه من باب واحد وانّ اللفظین استعملا فی المعنى الحقیقی، ولکن الإراده الجدّیه تعلّقت بمصداقیه المعنى المجازی، أو تعلّقت بالمعنى الملزوم فی قوله: «زید طویل النجاد»، فلا یصح ما ذکره(قدس سره)من «التفریق بین المجاز فیصح به الإنشاء دون الکنایه فلا یصحّ، لأنّ الملزوم لم ینشأ أصاله بل تبعاً»، لأنّ المنشأ أصاله واستقلالاً فی الکنایه هو المعنى الثانی أی الملزوم ، وإلاّ لأصبحت الکنایه أحد أنواع الکذب کما فی قوله: زید کثیر الرماد، إذ ربما لا یکون فی بیته رماد.
القول الخامس: هو الاکتفاء بکلّ لفظ صریح أو ظاهر فی إنشاء العقد، وذلک لأنّ المعاملات أُمور عرفیه ولیست توقیفیه، والإنشاء باللفظ سبب إلى تحقّق المعامله، هذا من جانب ومن جانب آخر یجب أن یکون السبب صریحاً أو ظاهراً فی المقصود، لکی یسدّ باب النزاع فی المستقبل فی وجه المتعاملین، فالجمع بین الأمرین هو کفایه القول الصریح أو الظاهر فی المقصود. وعلى ذلک فلا فرق بین کون اللفظ مستعملاً فی المقصود على وجه الحقیقه أو على وجه المجاز أو على وجه الکنایه الّتی ربّما تکون أبلغ فی أداء المقصود، فلا فرق فی المجاز بین کون القرائن لفظیه أو حالیه، نعم تظهر الثمره بینهما فی مقام الخصومه حیث إنّ القرائن اللفظیه تسد باب النزاع بخلاف القرائن الحالیه فإنّها تزول بافتراق المتبایعین ومرور الزمان علیها، فلا تنفع فی ذلک.
ثمّ إنّ للسید الطباطبائی الیزدی کلاماً فی جواز الإنشاء بالکنایه، قال: التحقیق أنّه یجوز إنشاؤه بإنشاء اللازم. وبعباره أُخرى: یجوز إیقاع المعامله بالکنایه بمعنى ذکر اللازم وإراده الملزوم بأن یستعمل اللفظ الدالّ على اللازم فینتقل منه الذهن إلى الملزوم، کما فی زید طویل النجاد حیث إنّه استعمل وأُرید منه طول النجاد لینتقل إلى طول القامه، ففی المقام أیضاً یذکر لفظ النقل ویراد به معناه لینتقل إلى معنى البیع الّذی هو الملزوم.
فإن قلت: کیف یجوز ذلک واللازم إنشاء البیع والمفروض أنّه أنشأ لازمه لا نفسه؟
قلت: نعم ولکن البیع أیضاً منشأ، غایته أنّه منشأ ثانوی، ألا ترى أنّه لو مدح زیداً بطول النجاد مع قصد الانتقال إلى طول القامه یصدق أنّه مدحه بطول القامه، وهکذا فی جمیع موارد الکنایات من الأخباریات والإنشائیات، ولا دلیل على وجوب کون حقیقه المعامله مدلولاً أوّلیاً للصیغه.(۴۹۶)
ثمّ إنّ سیدنا الحجّه(قدس سره)أورد علیه فی درسه الشریف ما هذا حاصله:
إنّه خلط بین الإیجاد والانتقال فلو کان البیع من الأُمور الإنشائیه فلا یقع البیع بالکنایه، لأنّها مستعمله فی الملزوم وهو لیس مفاد العقد، وأمّا اللازم الّذی هو مفاد العقد فلم یستعمل فیه اللفظ حتّى یتحقّق باللفظ، فقول القائل: «خذ هذا» مریداً به التملیک، فاللفظ مستعمل فی معناه اللغوی وهو البعث إلى الشیء، ولکنّه جعل طریقاً إلى إراده اللازم وهو التملیک، فلا یتحقّق به التملیک الّذی هو معنى إیجادی.
نعم لو قلنا بأنّ البیع من المفاهیم الّتی یکفی فی تحقّقها الانتقال إلیها من إراده معنى لکان للقول بانعقاده بالکنایه مجال.
وبعباره أُخرى: فرق بین العقود الإذنیه کالعاریه والإباحه الّتی یکفی فیها وجود الکاشف عن إراده المتکلم، وبین العقود اللازمه کالبیع والإجاره الّتی هی من الأُمور الإیجادیه الّتی لا تتحقّق إلاّ باستعمال اللفظ فیها ابتداءً لا بالواسطه.
ثمّ إنّه(قدس سره)کان یفرّق ـ کالمحقّق النائینی ـ بین المجاز والکنایه قائلاً بأنّ اللفظ المجازی استعمل فی غیر ما وضع له ابتداءً الّذی هو مفاد العقد فیکون منشأ باللفظ، بخلاف الکنایه فإنّ المعنى الإیجادی لم یستعمل فیه اللفظ وإنّما انتقل إلیه المخاطب.
یلاحظ على ما ذکره(قدس سره)بما أوضحنا من عدم الفرق بین المجاز والکنایه والجمیع من باب واحد، فلو لم یجز الإنشاء بالکنایه لا یجوز بالمجاز أیضاً، فإنّ المعنى المجازی یقع فی طول المعنى الحقیقی عند الاستعمال. حسب ما حقّقناه واللفظ استعمل فی المعنى الحقیقی لینتقل إلى المصداق الادّعائی.
والحلّ أنّ الإراده الاستعمالیه فیهما وإن تعلّقت بالمعنى الحقیقی فی المجاز والملزوم فی الکنایه، لکن الإراده الجدّیه تعلقت بالمعنى المجازی أو اللازم اللّذین هما مفاد العقد ،فاللفظ فی نظر العرف صدر لإنشاء المعنى الثانوی لا المعنى الأوّلی.ولیس الحدیث، حدیث الانتقال بل حدیث الإنشاء وأنّ المتکلّم أنشأ المعنى الثانی بالطریق الأبلغ، ولذلک لا یقال: إنّه أخبر عن کثره الرماد، بل أنشأ مدحه بالسخاء.
۳
الألفاظ الّتی تصلح للإیجاب والقبول
البحث عن الألفاظ الصالحه للإیجاب والقبول بحث لغوی أو عرفی لا صله له بالفقه، فإنّ وظیفه الفقیه بیان الأحکام لا الموضوعات، ولذلک لا ترى أثراً من هذا البحث فی کتب القدماء، حتّى أنّ المحقّق اکتفى بقوله: ولا ینعقد إلاّ بلفظ الماضی فی الإیجاب والقبول.(۴۹۷)
ویؤید ذلک ما قلناه من أنّ المعاملات أُمور عرفیه، والعقلاء هم الذین اخترعوها ووضعوا لها أسماء وعیّنوا لها أسباباً فهم أعرف بالأسباب من غیرهم، فلو ورد الفقیه هذا البحث فإنّما یرید بیان ما هـو السبب عند العقلاء، فاللازم إیکال البحث إلیهم فما رأوه سبباً فهو السبب وإلاّ فلا.
والّذی یمکن أن یقال: إنّ العرف والعقلاء ربما یتردّدون فی کون لفظ سبباً أو لا، وهذا هو الّذی دفع الفقهاء المتأخّرین إلى فتح هذا الباب. والعجب أنّهم خصّصوا البحث بالصالح للإیجاب أو القبول فی اللغه العربیه مع أنّ نطاق البحث أعم، فهو یعم کلّ المسلمین من ذوی اللغات المختلفه، فلکل لغته ولفظه، وهذا ما یدلّ على أنّ الخوض فی هذا البحث بلا موجب.
وعلى کلّ تقدیر فنحن نقتفی أثرهم على وجه الإیجاز، فالألفاظ الصالحه للإیجاب أو ما یمکن أن یکون صالحاً عباره عن الألفاظ التالیه:
۱٫ بعت. ۲٫ شریت. ۳٫ اشتریت. ۴٫ ملّکت.
أمّا الأوّل ـ أی الإیجاب بلفظه «بعت» ـ فقد اتفقت کلمتهم على صلاحیته للإیجاب وقد شاع استعماله فی الإیجاب.
قال سبحانه: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَیْعِکُمُ الَّذِی بَایَعْتُمْ بِهِ).(۴۹۸)
وقد اشتهر أنّ البیع من الأضداد، أی أنّه یستعمل فی الشراء أیضاً.
لکن السید الطباطبائی قال : یمکن أن یقال إنّه مشترک معنوی بین البیع والشراء، نظیر ما یُحکى عن القاموس فی لفظ الاشتراء من قوله: کلّ من ترک شیئاً وتمسّک بغیره فقد اشتراه، فیکون بمعنى التملیک بالعوض، أعمّ من الصریح کما فی البیع أو الضمنی کما فی الشراء.(۴۹۹)
ویؤید ما ذکر من أنّه موضوع للجامع أنّه سبحانه یقول:(مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَ یَومٌ لاَ بَیْعٌ فِیهِ وَلا خُلَّهٌ وَلاَ شَفَاعَهٌ).(۵۰۰)
وقال سبحانه:(رِجَالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجَارَهٌ وَلاَ بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللّهِ)(۵۰۱)، فالمراد هو نفی المعامله على وجه الإطلاق، أعنی: البیع والشراء لا خصوص البیع، وإن شئت قلت: نفی الجامع.
وأمّا الثانی ـ أی الإیجاب بلفظ «شریت» ـ فلا ریب فی جواز الإنشاء به. قال فی القاموس: شراه ویشریه: ملکه بالبیع وباعه، کاشتراه وهما ضدّان. وکل من ترک شیئاً وتمسک بغیره فقد اشتراه، وفی القرآن الکریم: (وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَراهِمَ مَعْدُودَه).(۵۰۲)
وقال سبحانه:(فَلْیُقَاتِلْ فِی سَبِیلِ اللّهِ الَّذِینَ یَشْرُونَ الْحَیَاهَ الدُّنْیَا بِالآخِرَهِ).(۵۰۳)
وقال سبحانه: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ یَشْرِی نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ).(۵۰۴)
وربما یستشکل فیه بقله استعماله عرفاً فی البیع وکونه محتاجاً إلى القرینه المعیّنه وعدم نقل الإیجاب به فی الأخبار وکلام القدماء.
وقال الشیخ بعد ـ نقل هذه الکلمه ـ ولا یخلو عن وجه.
واعترض علیه السید الخوئی(رحمه الله)بأمرین:
۱٫ لا نسلم وقوع الاستعمالات العرفیه على خلاف الاستعمالات القرآنیه.
۲٫ لو سلمنا ذلک ولکن لا نسلم تقدیم الاستعمالات العرفیه على الاستعمالات القرآنیه.(۵۰۵)
والظاهر عدم تمامیه الوجهین:
أمّا الأوّل: فمن رجع إلى الاستعمالات الرائجه یقف على أنّ ماده «شرى» تستعمل فی جانب القبول ومنه أخذ لفظ «اشتریت» و «المشتری».
وأمّا الثانی: فالمتبع هو الاستعمالات الرائجه لا القرآنیه، ولیس هذا قدحاً فی القرآن، لأنّ الناس یتکلّمون بلسانهم لا بلسان القرآن، فلفظ الدابه فی القرآن بمعنى کلّ ما یدب فی الأرض وفی العرف هو الفرس، فلو قال: بعت دابهً، فالمراد هو الفرس لا مطلق ما یدب على الأرض.
وأمّا الثالث: «وهو الإیجاب بلفظ اشتریت» فقد نقل صاحب مفتاح الکرامه أنّه قد یقال: یصح الإیجاب باشتریت کما هو موجود فی بعض نسخ
التذکره.(۵۰۶) ویدل على ذلک قوله سبحانه:(وَلَمَّا جَاءَهُمْ کِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَکَانُوا مِنْ قَبْلُ یَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِینَ کَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا کَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَهُ اللّهِ عَلَى الْکَافِرینَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ یَکْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ بَغْیاً أَنْ یُنَزِّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب وَلِلْکافِرینَ عَذابٌ مُهِینٌ).(۵۰۷)
ومعنى الآیه أنّ الیهود کانوا قبل البعثه یستنصرون وینذرون الأوس والخزرج بمحمد(صلى الله علیه وآله وسلم)فلمّا جاء انقلب الیهود على أعقابهم وتراجعوا عمّا کانوا یروّجون له، وذلک لأنّهم لمّا رأوه عربیاً من نسل إسماعیل أنکروه حسداً وتعصّباً للعنصریه الیهودیه، وکانوا یعتقدون بأنّه یأتی إسرائیلیاً من نسل إسحاق، فباعوا أنفسهم للشیطان ولا ثمن لنفوسهم إلاّ الحسد والتعصّب للجنسیه الیهودیه.
ومع ذلک کلّه فالمیزان هو العرف العام للمتبایعین، والظاهر أنّ العرف لا یساعده إلاّ بالقرینه، ویؤید ذلک أنّ اللفظه من باب الافتعال وهو یدلّ على القبول والمتابعه فهو بهذا المفهوم أصلح أن یکون قبولاً لا إیجاباً.
نعم یجوز الإنشاء به مع القرینه کجعله إیجاباً مقدّماً على القبول ونحو ذلک، غیرأنّ الشیخ لم یرض به قائلاً: بأنّ الاعتماد على القرینه غیر اللفظیه فی تعیین المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فیه.(۵۰۸)
وأشار بقوله: «قد عرفت ما فیه» إلى اتّفاق العلماء على لزوم اللفظ فی الإیجادیات والأُمور الإنشائیه، فالاعتماد على القرینه غیر اللفظیه لا یتناسب مع هذا الاتفاق.
وقد عرفت الإشکال فیه وهو أنّ الإیجاد والإنشاء إنّما هو باللفظ والقرینه لتفهیم المخاطب، لا للإیجاد والإنشاء.
وأمّا الرابع: ـ أعنی: «ملّکت هذا بهذا» ـ قال الشیخ: والأکثر على وقوع البیع به بل ظاهر «نکت الإرشاد» الاتّفاق حیث قال: إنّه لا یقع البیع بغیر اللفظ المتّفق علیه کبعت وملّکت.
ثمّ إنّه أشکل علیه بالنقض بالهبه المعوّضه فإنّ التملیک یستعمل فی الهبه بحیث لا یتبادر عند الإطلاق غیرها.
أقول: الظاهر صحّه الإیجاب به لکونه مرادفاً لمضمون «بعت هذا بهذا» فإنّ لقول القائل: «بعت هذا بهذا» معنیین; مطابقی وهو المبادله بین المالین، والتزامی وهو تملیک هذا بهذا. فقوله: «ملکت» تصریح بالمعنى الالتزامی للفظ «بعت».
وأمّا النقض بالهبه فقد ذکرنا غیر مرّه أنّ الهبه تتضمن معنى العطیه والمجانیه ،غایه الأمر بشرط شیء والشرط فی الدرجه الثانیه، وهذا بخلاف البیع فهو مبنی على المعاوضه والمبادله لا العطیه والمجانیه.
الألفاظ الصالحه للقبول
الأصل فیه الصراحه والظهور العرفی، قال صاحب«الجواهر»: یجری فی ألفاظ القبول ما سمعته فی ألفاظ الإیجاب، ضروره عدم الفرق بین ألفاظه وألفاظ الإیجاب فی اعتبار الصراحه.(۵۰۹)
ثمّ إنّ الشیخ نفى الإشکال فی وقوع القبول بالألفاظ التالیه: قبلت، رضیت، اشتریت، شریت، ابتعت، تملّکت، ملکت (مخففاً) واستشکل فی انعقاد القبول بلفظ: أمضیت، أجزت، أنفذت وشبهها، وقال: فیها وجهان.
والظاهر عدم الإشکال فی الجمیع إذا کان اللفظ صدر بنیه الإنشاء وکان ظاهراً فی القبول.
نعم استشکل المحقّق الإصفهانی فی القسم الثانی بقوله: إنّ عنوان الإمضاء والإجازه والإنفاذ لا یتعلق إلاّ بما له مضی وجواز ونفوذ، وما یترقب منه ذلک هو السبب التام وهو العقد لتقوّم السبب المترقّب منه التأثیر فی الملکیه بالإیجاب والقبول معاً، فلا معنى للتسبّب فی قوله: أمضیت وأجزت وأنفذت إلاّ فی مثل العقد الفضولی لا بالإضافه إلى الإیجاب فقط.(۵۱۰)
حاصل کلامه: أنّ هذه الألفاظ یشار بها إلى ما تمتّ فیه سببیه الشیء، وهو یناسب تنفیذ الفضولی الّذی تمّ فیه السببیه بالإیجاب والقبول، ولا یناسب المقام الّذی تفرد بالإیجاب فقط فلیس هو سبباً تاماً حتّى ینفذ وإنّما السببیه التامه بالقبول.
یلاحظ علیه: أنّ العقد الفضولی والإیجاب المتفرد قبل القبول من وزان واحد فلیس للعقد الفضولی أی اعتبار وقیمه ما لم یلحق به الإذن فسببیته أیضاً ناقصه تکتمل بالإجازه والإنفاذ، نظیر المقام على أنّه لا دلیل على أنّ هذه الألفاظ وضعت لتنفیذ السبب التام إلاّ إذا أُرید السببیه التامه من جانب البائع لا مطلقاً.
وإن شئت قلت: یکفی وجود المقتضی فی التنفیذ والإمضاء وهو الإیجاب.
ولو أوقع العقد بالألفاظ المشترکه بین الإیجاب والقبول ثم اختلفا فی تعیین الموجب والقابل إمّا بناءً على جواز تقدیم القبول أو من جهه اختلافهما فی المتقدّم والمتأخّر، قال الشیخ: فلا یبعد الحکم بالتحالف ثم عدم ترتب الآثار المختصه لکلّ من البیع والاشتراء على واحد منهما.(۵۱۱)
أقول: إن کان مصب الدعوى، هو ما ذکره الشیخ من الاختلاف فی عنوانی البائع والمشتری فالحق ما ذکره الشیخ من التحالف، لأنّ کلاً منهما یدّعی، ما یدّعیه الآخر، وبعباره أُخرى: کلّ مدّع من جهه ومنکر من جهه أُخرى، ولکن الفرض بعید، إذ لا أثر شرعی یترتّب على عنوانی البایع والمشتری حتّى یتنازعا فیهما، ولابدّ أن یکون النزاع لغایه أمر آخر نشیر إلیه تالیاً.
وأمّا إن کان النزاع فیهما، لغایه أمر آخر وهو الخیار الشرعی الّذی یترتّب على عنوان المشتری، کخیار الحیوان مثلاً لو حصلت المبادله بین الحنطه، والفرس بالألفاظ المشترکه بین الإیجاب والقبول، فلو کانت الحنطه مبیعاً والفرس ثمناً، فلا یکون لمن تملّک الفرس خیار ثلاثه أیّام ،لأنّه فی هذه الصوره بائع ولیس بمشتر; ولو انعکس الأمر وکان الفرس مبیعاً والحنطه ثمناً، یکون لمن تملّکه خیار ثلاثه أیّام. فیصحّ ما ذکره الشیخ من التحالف وعدم ترتب الآثار المختصه لکلّ من البیع والاشتراء على واحد منهما.
وبما ذکرنا یظهر الحال إذا کانت المبادله على وجه المعاطاه.
۴
اشتراط العربیه فی البیع بالصیغه
هل تشترط العربیه فی انعقاد البیع؟ کما نقل عن الفاضل المقداد فی التنقیح،(۵۱۲) والمحقّق الثانی فی جامع المقاصد(۵۱۳)، والشهید الثانی فی الروضه البهیه(۵۱۴)، ولعلّ دلیلهم هو لزوم التأسّی بالنبی(صلى الله علیه وآله وسلم)والأئمه من أهل بیته(علیهم السلام).
یلاحظ علیه: أنّ مورد التأسّی هو الأحکام الشرعیه لا الأُمور العرفیه. والنبی وإن کان یبیع ویشتری باللفظ العربی لکنّه لا یصدر إلاّ عن مقتضى المرتکز فی فطرته وما تتطلبه بیئته، لأنّه عاش بین العرب الذین یسیّرون أُمورهم باللغه العربیه، وأصدق شاهد على عدم اعتبارها أنّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم)کان یبعث جماعه لتعلیم القرآن والأحکام، ولم ینقل أهل السیر أنّه أرسل رسولاً لتعلیم العقود، وما ذلک إلاّ لأنّ کلّ أُمّه تُسیّر أُمور حیاتها بلغتها، بلا خصوصیه للفظ دون لفظ.
۵
حکم الصیغه الملحونه
هل ینفذ البیع بالصیغه الملحونه أو لا؟ فیه خلاف.
قال الشیخ: وهل یعتبر عدم اللحن من حیث الماده والهیئه بناءً على اشتراط (اللفظ) العربی؟ الأقوى ذلک، بناء على أنّ دلیل اعتبار العربیه هو لزوم الاقتصار على المتیقن من أسباب النقل، وکذا اللحن فی الإعراب.(۵۱۵)
ولکن الأقوى هو الصحه ما لم یتغیر المعنى على وجه یخرجه عن حقیقته لجریان السیره على التلفّظ باللغات المحرّفه فی کلّ شعوب العالم.
وبعباره أُخرى: إذا کانت الجمله المحرفه عند العرف قالباً لإیجاد العقد بحیث یفهم منها المعنى المقصود، فالظاهر الاکتفاء بها.
ثمّ إنّ الشیخ رتّب لزوم الاقتصار على العربی الصحیح، على اعتبار العربیه وعدم کفایه غیرها، مع أنّ الاقتصار یترتّب على القول بعدم اعتبار العربیه أیضاً، وأنّها کسائر الأسباب، فالمتیقّن ـ أیضاً ـ عند القائل بعدم اعتبارها هو الاقتصار على العربیه الصحیحه.
۶
علم المتکلم بمفاد الصیغه وعدمها
هل یشترط فی صحه العقد علم المتکلم بمفاد الصیغه أو لا؟
الظاهر التفصیل بین العلم الإجمالی بمفاد مجموع الصیغه والعلم التفصیلی بمفرداتها وخصوصیاتها، فیکفی الأوّل ولا یعتبر الثانی، لأنّ العلم بخصوصیات الصیغه وحروفها وأسمائها وأفعالها أمر مشکل على أهل اللغه فکیف لغیرهم، فإذاً لا مناص من القول الأوّل. فإذا قُصد المعنى من الجمله، یتحقّق الإنشاء ویحصل العقد.
إلى هنا تم الکلام فی المحور الأوّل الذی یرجع إلى البحث عن مواد الألفاظ من حیث إفاده صراحتها وظهورها فی المعنى المقصود.
المحور الثانی:
۷
فی هیئه کلّ من الإیجاب والقبول
یقع الإیجاب تاره بلفظ الماضی کقولک: «بعت»، وأُخرى بصیغه الأمر کقوله: «بعنی»، وثالثه: بصیغه المستقبل کقولک: «أبیعک»، فهل یقع الإیجاب بالجمیع أو یختص بالماضی؟ حکی عن غیر واحد اشتراط الماضویه.
قال العلامه فی ضمن الشروط: الثانی: الإتیان بهما بلفظ الماضی، فلو قال أبیعک أو قال: اشتری، لم یقع إجماعاً لانصرافه إلى الوعد.(۵۱۶)
وقال فی «المختلف» بعد العباره المذکوره: ولو أتى بلفظ الأمر أو الاستفهام لم یقع، اختاره الشیخ وابن حمزه.
وقال ابن البراج فی «الکامل»: لو قال المشتری: «بعنی هذا» فقال البائع:«بعتک» انعقد. وقال فی «المهذب»: لو قال المشتری: «بعنی هذا» فیقول البائع: «بعتک» صحّ.(۵۱۷)
ولعل الاقتصار بالماضی لصراحته فی الإنشاء، إذ المستقبل أشبه بالوعد والأمر استدعاء لا إیجاب مع أنّ قصد الإنشاء بلفظ الاستقبال خلاف المتعارف.
أقول: المعیار فی الصحه وعدمها سیره العقلاء، فإن کان النقل عندهم منحصراً بالماضی فتحمل العمومات علیه، وإن کان الرائج هو الأعم فالأدله تعم الکل. والظاهر وقوعه بالکل لوجهین:
الأوّل: أنّ المعاملات أُمور عرفیه ولیست أُموراً عبادیه حتّى تتحدّد فی إطار خاص، والألفاظ وسیله للتملیک والتملّک، فلو کان الجمیع ظاهراً فی هذا المقصود ینعقد.
الثانی: الروایات الوارده فی بیع العبد الآبق واللبن فی الضرع من الإیجاب بلفظ المضارع، وفحوى ما دلّ علیه فی النکاح، ولذلک قال الشیخ ـ بعد الإشاره إلى هذه الروایات ـ : ولا یخلو من وجه. ولنذکر بعض ما ورد من الروایات:
۱٫ روى سماعه قال: سألته عن اللبن یُشترى وهو فی الضرع؟ قال:«لا إلاّ أن یهرق لک سکرجهً فتقول: اشتری منک هذا اللبن الّذی فی السکرجه، وما بقی فی ضروعها بثمن مسمّى، فإن لم یکن فی الضرع شیء کان ما فی السکرجه(۵۱۸)».(519)
۲٫ ما رواه رفاعه النخاس قال: سألت أبا الحسن ـ یعنی موسى بن جعفر (علیهما السلام)ـ : یصلح لی أن أشتری من القوم، الجاریه الآبقه، وأعطیهم الثمن، وأطلبها أنا؟ قال: «لا یصلح شراؤها إلاّ أن تشتری معها منهم شیئاً ثوباً أو متاعاً فتقول لهم: اشتری منکم جاریتکم فلانه وهذا المتاع بکذا وکذا درهماً، فإنّ ذلک جائز».(520)
۳٫ روى أبان بن تغلب قال: قلت لأبی عبد اللّه(علیه السلام): کیف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: «تقول: أتزوجک متعه على کتاب اللّه وسنه نبیه(صلى الله علیه وآله وسلم)لا وارثه، ولا موروثه کذا وکذا یوماً. فإذا قالت: نعم، فقد رضیت، فهی امرأتک وأنت أولى الناس بها».(521)
فعلیه فإنّ هذه الجمل الوارده إیجاب وما یأتی بعدها قبول. بناء على أنّ الإیجاب لیس من خصائص صاحب المتاع، بل یعمّ غیره أیضاً إذا تقدّم فی الإنشاء، أو أنّها قبول مقدّم بصیغه المضارع، وظاهر عباره العلاّمه شرطیه الإتیان بالقبول أیضاً بلفظ الماضی فتکون الروایات دلیلاً على خلافه مطلقاً.
هذا کلّه فی المضارع وأمّا الأمر، فقد روى الأحول قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام): أدنى ما یتزوج به الرجل المتعه؟ قال: «کف من بُر، یقول لها: زوجینی نفسک متعه على کتاب اللّه وسنه نبیه نکاحاً غیر سفاح».(522)
بناءً على أنّ قوله: «زوجینی نفسک متعه» إیجاب.
هذا وقد وردت روایات فی باب بیع المصاحف.(۵۲۳)
والمجموع من حیث المجموع کاف فی إثبات المطلوب، ولیس
هناک إجماع کاشف عن وجود النص الواصل إلیهم دوننا، وأمّا القول بأنّ
صیغه المستقبل أشبه بالوعد، والأمر استدعاء لا إیجاب، فالکل مرفوع بأنّ القرائن الحاضره السائده على مجلس البیع تدفع ذلک. تمّ الکلام فی المحور الثانی.
المحور الثالث
فی هیئه ترکیب الإیجاب والقبول
یقع الکلام فی هذا المحور فی موردین:
۱٫ تقدّم الإیجاب على القبول.
۲٫ الموالاه بینهما.
۸
فی تقدم الإیجاب على القبول
هل یشترط تقدّم الإیجاب على القبول؟ فیه خلاف.
ذکر المحقّق: هل یشترط تقدیم الإیجاب على القبول؟ فیه تردد، والأشبه عدم الاشتراط.(۵۲۴) وقد استدلّ على الاشتراط بالأُمور التالیه:
۱٫ التقدیم هو المتعارف، وآیه لزوم الوفاء بالعقود محموله على المتعارف.
۲٫ القبول فرع الإیجاب.
۳٫ ادّعاء الإجماع على التقدیم عن «الخلاف» فی باب البیع والنکاح.
أمّا الأخیر فقد راجعنا الخلاف فی کلا الموضعین ولم نجد ما یدلّ علیه، ثم وقفت بعد ذلک على کلام صاحب «مفتاح الکرامه» حیث قال: وقد نسب فی «غایه المراد» و «المسالک» إلى«الخلاف» دعوى الإجماع، وهو وهم قطعاً، لأنّی تتبعت کتاب البیع فیه مسأله مسأله، وغیره حتّى النکاح فلم أجده.(۵۲۵)
أمّا العلاّمه فقد اضطرب کلامه فقال فی «التذکره» فی ضمن شروط العقد: الأوّل: تقدیم الإیجاب على الأقوى، خلافاً للشافعی وأحمد.(۵۲۶)
وقال فی «القواعد»: وفی اشتراط تقدیم الإیجاب نظر.(۵۲۷)
وبهذا ظهر عدم الإجماع فی المسأله.
أمّا الدلیل الأوّل وهو أنّ المتعارف تقدّم الإیجاب على القبول فإنّما یتم إذا لم یکن هناک تعارف على العکس أیضاً.
وأمّا الدلیل الثانی من أنّ القبول فرع الإیجاب فإنّما یتم فیما إذا کان بصدد قبول ما أوجبه المالک، وأمّا إذا کان قبولاً لما یوجبه بعد ثوان فلا یتم الاستدلال. فظهر ممّا ذکر جواز تقدیم القبول على الإیجاب مطلقاً، خلافاً للشیخ الأنصاری حیث قال بالتفصیل الآتی:
التقسیم الثلاثی لألفاظ القبول
ثمّ إنّ الشیخ قسّم ألفاظ القبول إلى أقسام ثلاثه:
۱٫ أن یکون بلفظ: قبلت ورضیت.
۲٫ أن یکون بطریق الأمر والاستیجاب.
۳٫ أن یکون بلفظ: اشتریت وملکتُ(بالتخفیف) وابتعت.
ثمّ إنّه(قدس سره)منع تقدّم القبول على الإیجاب بالصوره الأُولى، واستدلّ علیه بکلام مفصّل یرجع لبُّه إلى أمرین، وربّما یخفى على المبتدئ. وإلیک توضیحهما:
الأوّل: أنّ القبول لیس مجرد الرضا بالإیجاب کی یصحّ إمکان تعلّقه بالأمر المتأخّر، بل القبول عباره عن الرضا بالإیجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلیاً، ومن الواضح أنّ هذا المعنى لا یتحقّق إلاّ بتأخّر الرضا عن الإیجاب، وهذا ما أشار إلیه بقوله: لیس المراد من هذا القبول… إلى قوله: على وجه العوضیه.
الثانی: ما أشار إلیه بقوله: لأنّ المشتری ناقل کالبائع، وهذا لا یتحقّق إلاّ مع تأخّر الرضا عن الإیجاب، إذ مع تقدّمه لا یتحقّق النقل فی الحال، فإنّ من رضی بمعاوضه یُنشؤها الموجب فی المستقبل لم ینقل فی الحال ماله إلى الموجب، بخلاف من رضی بالمعاوضه الّتی أنشأها الموجب سابقاً، فإنّه یرفع بهذا الرضا یده من ماله وینقله إلى غیره على وجه العوضیه.(۵۲۸)
یلاحظ على الوجه الأوّل: بمنع «کون القبول هو الرضا بالإیجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلیاً» بل معناه الرضا بالإیجاب، فإن کان الإیجاب متقدّماً فلازمه حصول النقل حینه، نظیر إجازه الفضولی، وإن کان الإیجاب متأخّراً فلازمه النقل حین تحقّقه.
فإن قلت: إنّ اللفظین یتضمّنان معنى المطاوعه أی مطاوعه الإیجاب، ولا یعقل تقدّمه علیه کتقدّم الانکسار على الکسر.
قلت: ما ذکرته یرجع إلى المطاوعه التکوینیه کالانکسار بالنسبه إلى الکسر لا المطاوعه الإنشائیه فهو یُنشئ معنى المطاوعه، ولیس هناک مطاوعه حقیقیه حتّى یستلزم تقدّم شیء یطیعه.
وقد أجاب عنه سیدنا الأُستاذ(قدس سره)بوجهین فقال: إنّ القبول وإن کان مطاوعه وتنفیذاً لما أوقعه البائع لکن یمکن إنشاؤه مقدّماً على نحوین:
أحدهما بنحو الاشتراط: بأن یقول: «إن ملّکتنی هذا بهذا قبلت» نظیر الواجب المشروط، فیتحقّق القبول والمنشأ بعد الإیجاب ویکون مطاوعه له حقیقه، وتحصل الملکیه بعد القبول الحقیقی بلا فصل لو فرض فی الحال اشتراط حصولها بعده. وهو صحیح على القواعد إلاّ أن یثبت الإجماع على بطلانه.
وثانیهما بنحو الواجب التعلیقی: فکما یمکن الأمر بأمر متأخّر من غیر اشتراط یمکن إیقاع الإیجاب أو القبول، کذلک فللقابل أن یقبل الإیجاب فی موضع تحقّقه(۵۲۹)، فإنشاؤه حالیّ والمنشأ استقبالی.(۵۳۰)
ویلاحظ على الوجه الثانی: بما ذکرنا سابقاً من أنّ حقیقه البیع قائمه بالبائع فهو الّذی ربط بین المالین وأوجد المبادله بینهما، غایه الأمر أنّ عمله هذا لا یؤثر إلاّ بإمضاء المشتری فلیس للمشتری إلاّ تنفیذه بإنشاء الرضا والقبول، ولیس فیه إلاّ التملّک لا التملیک ولا النقل.
وبما ذکرنا یظهر ما فی کلام المحقّق النائینی، فی غیر هذا المقام حیث قال:
إنّ کلاًّ من الموجب والقابل فی عقود المعاوضه ینشئ أمرین: أحدهما بالمطابقه، وثانیهما بالالتزام. فالموجب ینقل ماله إلى ملک المشتری مطابقه ویتملّک مال المشتری عوضاً عن ماله التزاماً، والقابل بعکس ذاک. وعلى هذا فلو لم یکن هناک لفظ یدلّ على نحو القصد کما إذا أنشأ کلّ منهما بلفظ «شریت» فنقول المقدّم هو الموجب والمتأخّر هو المشتری، ولو اشتبه أو تقارن وقلنا بصحّته فلا یترتّب الأثر الخاص على کلّ منهما کما أوضحناه فی المعاطاه.(۵۳۱)
یلاحظ علیه: بأنّ ما ذکره مخالف للوجدان، إذ معنى ذلک أنّ هناک تملیکین وتملّکین، بل لیس هناک إلاّ تملیک بعوض من جانب الموجب وقبول من جانب القابل. نعم عند التحلیل یکون لکلّ، تملیک وتملّک، لکنّه تحلیل عقلی ولیس مدلولاً مطابقیاً.
هذا کلّه حول اللفظین «قبلت»، و «رضیت».
وأمّا القسم الثانی ـ أعنی القبول بالأمر ـ : فقد ذکر الشیخ الأعظم فی وجه المنع ما هذا لفظه: أنّ غایه الأمر فی قوله: «بعنی هذا بدرهم» دلاله طلب المعاوضه على الرضا بها، لکن لم یتحقّق بمجرد الرضا بالمعاوضه المستقبله، نقل فی الحال للدرهم إلى البائع.(۵۳۲)
فقد اعتمد فی منعه على الوجه الثانی المذکور فی تقدّم لفظیّ:«قبلت» و «رضیت» وهو أنّ المشتری ناقل کالبائع، ولیس فی الأمر دلاله على النقل فی الحال للدرهم إلى البائع. وإنّما یدلّ على طلب المعاوضه.
یلاحظ علیه: بما ذکرنا من أنّه لا یشترط فی القبول نقل الثمن إلى البائع فعلاً، بل یکفی فیه إنشاء الرضا والقبول لما ینشؤه الموجب فی المستقبل.
فقد ظهر ممّا ذکرنا أنّ الوجهین اللّذین اعتمد علیهما الشیخ فی منع تقدّم القبول على الإیجاب فی هذین القسمین غیر تامّین.
ثمّ إنّه قد ورد تقدّم القبول بصوره الأمر على الإیجاب فی الروایات:
۱٫ ما رواه العلاء بن رزین، عن محمد بن مسلم، عن أبی جعفر(علیه السلام)قال:جاءت امرأه إلى النبی(صلى الله علیه وآله وسلم)فقالت: زوّجنی، فقال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم)مَن لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا یا رسول اللّه، زوجنیها، فقال:ما تعطیها؟ فقال: ما لی شیء، قال: لا. فأعادت فأعاد رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم)الکلام، فلم یقم أحد غیر الرجل. ثم أعادت فقال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم)فی المرّه الثالثه: أتُحسِنُ من القرآن شیئاً؟ قال: نعم، قال: قد زوّجتکها على ما تُحسِنُ من القرآن فعلّمها إیّاه».(533)
۲٫ ولعل هذه الروایه هی نفس ما رواه أهل السنّه عن سهل بن سعد الساعدی حیث قال: إنّی لفی القوم عند رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم)، إذ قامت امرأه فقالت: یا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لک، فر(۵۳۴) فیها رأیک، فلم یجبها شیئاً. ثم قامت فقالت: یا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لک فر فیها رأیک، فلم یجبها شیئاً. ثم قامت ثالثه فقالت: إنّها قد وهبت نفسها لک، فر فیها رأیک. فقام رجل فقال: یا رسول اللّه أنکحنیها.
قال: هل عندک من شیء؟ قال: لا. قال: فاذهب فاطلب ولو خاتماً من حدید، فذهب فطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شیئاً ولا خاتماً من حدید. فقال: هل معک من القرآن شیء؟ قال: معی سوره کذا، وسوره کذا.
قال: اذهب فقد أنکحتکها بما معک من القرآن.(۵۳۵)
نعم یحتمل أن یکون الطلب الصادر من الرجل کونه إیجاباً لا قبولاً، ولا دلیل على اختصاص الإیجاب بالمرأه. وعلى کلّ تقدیر یدلّ على جواز إنشاء القبول أو الإیجاب بالأمر.
القسم الثالث: تقدیم القبول بلفظ: «اشتریت» و «ابتعت» و «تملّکت» أو «ملکت» ـ هذا بکذا ـ فذهب الشیخ إلى جوازه.
ووجهه: أنّه لیس فی حقیقه الاشتراء من حیث هو، معنى القبول، لکنّه لمّا کان الغالبُ وقوعَه عقیب الإیجاب. وإنشاء انتقال مال البائع إلى نفسه إذا وقع عقیب نقله إلیه، یوجب تحقّق المطاوعه ومفهوم القبول، وهذا المعنى مفقود فی الإیجاب المتأخّر، لأنّ المشتری إنّما ینقل ماله إلى البائع بالالتزام الحاصل من جعل ماله عوضاً والبائع إنّما یُنشئ انتقال الثمن إلیه کذلک لا بمدلول الصیغه.(۵۳۶)
وهاهنا احتمال آخر وهو أن تکون کلّ هذه الأمثله من قبیل الإیجاب لا القبول المتقدّم، وهذا ما احتمله سیدنا الأُستاذ فقال: إنّ مثل اشتریت لیس من قبیل القبول بل هو إیجاب من قبل المشتری، فإنّ ماهیه البیع الّتی لیست إلاّ مبادله مال بمال کما یمکن إیقاعها بالإیجاب من طرف البائع یمکن إیقاعها بإیجاب المشتری، فإذا قال المشتری:«اشتریت هذا بهذا» أو «تملّکت هذا بهذا» لم یبق محل لإیجاب البائع بل لابدّ له من قبول هذا الإیقاع وبقوله یتم موضوع اعتبار العقلاء.(۵۳۷)
وبهذا ظهر أنّ کون البائع هو الموجب والمشتری هو القابل لیس على إطلاقه، بل یمکن أن یکون المشتری موجباً والبائع قابلاً کما فی هذه الصوره.
على ما ذکره(قدس سره)یمکن أن یقال:کلّما ورد القبول بصوره الأمر أو المضارع فهو إیجاب من جانب المشتری، وما یأتی بعده من البائع هو القبول.
بقی هنا أمران:
الأوّل: کلّ ما ذکرناه صحیح على ضوء القواعد ولکن المهم موافقه العرف معها، فلو کان تقدیم القبول موافقاً للقواعد ولکن مخالفاً للعرف لم یتحقّق به العقد، لأنّ الممضى هو العقود العرفیه.
الثانی: أنّ الشیخ(قدس سره)ذکر فی آخر کلامه أنّ العقود على قسمین وقسّم کل قسم إلى قسمین آخرین، وقال: إنّ تقدیم القبول على الإیجاب لا یکون إلاّ فی القسم الثانی من کلّ من القسمین.
حاصل کلامه: إنّ القبول فی العقود إمّا أن یکون فیه التزام بشیء من القابل کنقل مال عنه أو زوجیه.
وإمّا أن لا یکون فیه سوى الرضا بالإیجاب.
أمّا الأوّل فهو على قسمین:
۱٫ أن یکون الالتزام الحاصل من القابل نظیر الالتزام الحاصل من الموجب کالمصالحه.
۲٫ أو یکون الالتزام الحاصل من القابل متغایراً کالاشتراء.
وأمّا الثانی فهو أیضاً على قسمین:
۳٫ إمّا أن یعتبر فیه عنوان المطاوعه کالارتهان والاتهاب والاقتراض.
۴٫ وإمّا أن لا یثبت فیه اعتبار أزید من الرضا بالإیجاب کالوکاله والعاریه وشبهها.
فتقدیم القبول على الإیجاب لا یتصور إلاّ فی القسم الثانی من کلّ من القسمین. وذلک لأنّ القسم الأوّل بما أنّ الالتزامین متماثلان کما فی الصلح فکلّ مَن تکلّم بالصلح قبل الآخر فهو الموجب والآخر هو القابل، ولا یتصور فیه تقدیم القبول على الإیجاب، لأنّ الإیجاب متمایز بذاته عن القبول بالتقدّم.
أمّا الثانی ـ أعنی إذا کان الالتزامان متغایرین، کالبیع من جانب البائع والاشتراء من جانب المشتری ـ : فهنا یتصور تقدیم القبول على الإیجاب.
وأمّا الثالث ـ أعنی إذا کان فی القبول عنوان المطاوعه ـ : لا یجوز فیه تقدّم القبول على الإیجاب، کما إذا قال: رهنتک وقال الآخر: ارتهنت . لأنّ قبول الارتهان فرع صدور الرهن من الراهن.
وأمّا الرابع ـ أعنی ما لا یعتبر فیه سوى الرضا بالإیجاب کالوکاله والعاریه ـ : فیتصور فیه تقدم القبول على الإیجاب. لأنّ الإیجاب متمایز عن القبول بالذات.
وحصیله الکلام: أنّ البحث فی جواز تقدیم القبول على الإیجاب وعدمه مرکّز على هذین القسمین لا القسم الأوّل، لعدم التمایز; ولا القسم الثالث، لامتناع قبول الرهن قبل صدوره من الراهن.
۹
الموالاه بین الإیجاب والقبول
من شروط صحّه العقد; الموالاه بین الإیجاب والقبول، وقد ذکرها غیر واحد من الفقهاء.
قال الشهید فی «القواعد»: الموالاه المعتبره فی العقد ونحوه وهی مأخوذه من اعتبار الاتصال بین المستثنى والمستثنى منه.(۵۳۸)
وقد ذکروا فی اعتبارها وجوهاً:
الأوّل: ما ذکره الشهید فی «القواعد» ولخّصه الشیخ الأنصاری قال: حاصله: أنّ الأمر المتدرج شیئاً فشیئاً إذا کان له صوره اتصالیه فی العرف، فلابدّ فی ترتّب الحکم المعلّق علیه فی الشرع من اعتبار صورته الاتصالیه، فالعقد المرکب بین الإیجاب والقبول القائم بنفس المتعاقدین بمنزله کلام واحد مرتبط بعضه ببعض، فیقدح تخلّل الفصل المخلّ بهیئته الاتصالیه، ولذا لا یصدق التعاقد إذا کان الفصل مفرطاً فی الطول کسنه أو أزید، وانضباط ذلک إنّما یکون بالعرف فهو فی کلّ أمر بحسبه فیجوز الفصل بین کلّ من الإیجاب والقبول بما لا یجوز بین کلمات کلّ واحد منهما، ویجوز بین الکلمات بما لا یجوز بین الحروف کما فی الأذان والإقامه (القراءه).(۵۳۹)
ثمّ إنّ الشیخ فرّق بین العقد والبیع والتجاره عن تراض، لکنّه لیس بتام، لأنّ ما ذکره الشهید یجری فی العقد والبیع على السواء، والمناط فی لزوم الموالاه هو کون الإیجاب والقبول بمنزله کلام واحد، لابدّ فی حفظ الوحده، اعتبار الاتصال والتوالی بینهما. وهو مشترک بین الجمیع.
الثانی: ما ذکره المحقّق الاصفهانی: انّ الإیجاب والقبول حیث إنّهما قائمان بأثر فلهما بنظر العرف جهه وحده، فکأنّ الواحد قائم بأثر واحد، فلابدّ من کونهما على نحو من الاتصال العرفی فکأنّه کلام واحد بوحده اتصالیه یقوم بأثر واحد. وعلیه فلا فرق بین دلیل الوفاء بالعقد ودلیل الحلیه فإنّ المدار لیس على ما یقتضیه عنوان العقد، بل ما یقتضیه قیام ما هو کالواحد بأثر واحد.(۵۴۰)
أقول: إنّ ما ذکره(قدس سره)قریب ممّا ذکره الشیخ، غیر أنّ الثانی رکّز على وحده الکلام ولزوم الصوره الاتصالیه فی حفظ الوحده ولکن المحقّق الإصفهانی رکّز على اشتراک الإیجاب والقبول فی إیجاد أثر واحد، فالأثر الواحد یقوم بموضوع واحد. والفصل القلیل بین الإیجاب والقبول لا یضر بوحده الموضوع.
الثالث: ما استدلّ به المحقّق النائینی بعد أن قسّم العقود إلى ما تعتبر فیه الموالاه قطعاً، ومنها ما لا تعتبر فیه قطعاً، ومنها ما هو محل إشکال.
أمّا القسم الأوّل فکالعقود العهدیه المعاوضیه کالبیع وما یلحق بها، کالنکاح ونحوه، ووجه اعتبارها فیها أمران:
الأوّل: أنّه لمّا کان فیها خلع ولُبس أو إیجاد عُلقه فلابدّ أن یکون مقارناً للخلع، لبس، وهکذا مقارناً لإیجاد العلقه قبول. وإلاّ تقع الإضافه أو العلقه بلا محلّ ومضاف إلیه.
الثانی: اعتبار کونها عقداً یقتضی أن یرتبط إنشاء أحدهما بإنشاء الآخر، بأن یصیر بمنزله کلام واحد… إلى آخر ما ذکره الشیخ.(۵۴۱)
یلاحظ على الأمر الأوّل: بأنّه لا شکّ أنّ الخلع فعل الموجب حیث یخلع ملکیه المبیع عن نفسه، وأمّا اللُّبس ـ أی جعل الثمن ملکاً للبایع ـ فإن کان فعل الموجب أیضاً فکلاهما یتحقّقان فی زمن واحد، حیث إنّ البائع بإیجابه إنّما یخلع ملکیه المثمن عن نفسه، ویجعل الثمن لنفسه بإزاء ذلک الخلع.
وأمّا لو کان اللُّبس فعل المشتری فلو تمّ فرضه لصح الدلیل، إلاّ أنّ الکلام فی کون اللبس فعلاً للمشتری، لأنّ الخلع واللبس الإیقاعیین حصلا بالإیجاب، لأنّه تمام ماهیه المعامله فالموجب بإیجابه یملک المشتری ویتملّک الثمن إیقاعاً وإنشاءً ولیس للقبول شأن إلاّ تنفیذ فعل الموجب. فلا یوجب الفصلُ بین الإیجاب والقبول الفصل بین الخلع واللبس.
وأمّا ما أفاده فی ذیل کلامه من لزومه مقارنه القبول لإیجاد العلقه وإلاّ تقع الإضافه أو العلقه بلا محل، فمنظور فیه إذ لو تمّ لزم بطلان کافه العقود، لأنّه یفصل بین الإیجاب والقبول شیء من الزمان، وامتناع العلقه بلا محل أمر عقلی لا تأثیر لطول الزمان وقصره علیه.
وبذلک یظهر أنّ الوجه الثالث أشبه بدلیل فلسفی على أمر اعتباری بخلاف الوجهین الأوّلین فإنّ لهما عرفیه واضحه خصوصاً الوجه الأوّل.
الرابع: ما ذکره المحقّق الإیروانی بقوله: إنّ الإیجاب یفید النقل من حینه، فإذا تأخّر القبول عنه، فإمّا أن یکون قبولاً لتمام مضمون الإیجاب، فعلى فرض الصحّه لزم حصول النقل قبل تمام العقد; أو بعض مضمونه، أعنی: النقل من حین تحقّق القبول، فیلزم عدم المطابقه بین الإیجاب والقبول، وهو معفوّ فی الفصل القلیل دون الکثیر.(۵۴۲)
یلاحظ علیه بوجهین:
۱٫ أنّ ما ذکره مبنی على أنّ للقبول دوراً فی النقل وعندئذ یتجه ما ذکره. وأمّا إذا قلنا بأنّه لیس له دور سوى تنفیذ ما نقله البائع، فالقابل ینفّذ ما نقله البائع بعد تمام الإیجاب ویکون دور القبول أشبه بدور الإجازه فی الفضولی.
۲٫ انّ ما ذکره مبنی على أخذ الزمان قیداً للإیجاب مع أنّه ظرف لا قید فمضمونه لیس سوى النقل فقط لا النقل من حین الإیجاب. نعم وقع النقل فی حین الإیجاب لکنّه لیس قیداً لمضمون الإیجاب، بل هو مجرّد عن أیّ زمان، فإذا انضم إلیه القبول یکون مطابقاً لمضمون الإیجاب.
أدله القائل بعدم اعتبار الموالاه
ذهب المحقّق الخوئی إلى عدم اعتبار الموالاه بین الإیجاب والقبول قائلاً: بأنّ العقد لیس اسماً للّفظ المرکب من الإیجاب والقبول، بل هو عباره عن العهد المطلق أو العهد المشدّد، وهذا المعنى أمر نفسانی قائم باعتبار الموجب والقابل، ومن الواضح أنّه لا ینفصم بتخلّل الفصل بین الإیجاب والقبول اللفظیین.
نعم لابدّ بعد ذلک أن یکون هناک مُظهِر فی نظر أهل العرف لذلک الاعتبار النفسانی، فإذن لا یکون الوجه المزبور دلیلاً على اعتبار الموالاه بین الإیجاب والقبول مادام الاعتبار قائماً بنفس الموجب.(۵۴۳)
وحاصله: أنّ العقد قائم بالاعتبار النفسانی إذا انضم إلیه المبرز، فمادام الأمر النفسانی موجوداً یؤثر، وإذا ما انضم إلیه القبول یتحقّق العقد. ولا یشترط بقاء المبرز.
والظاهر أنّ السید المحقّق الخوئی تأثّر بما ذکره السید الطباطبائی فی تعلیقته حیث قال: إنّه لا دلیل على اعتبار الموالاه بالمعنى المذکور لعدم الإجماع ـ وإن قیل:إنّ ظاهرهم الاتفاق علیه فی العقود اللازمه ـ وعدم منافاته لصدق العقد إلاّ إذا کان بحیث لا یبقى معنى المعاهده فی نفس الموجب، وإلاّ فمع کونه باقیاً علیه وبانیاً على العمل بمقتضاه فنمنع عدم الصدق، ولذا لا یعتبر ذلک فی العقود الجائزه بالاتفاق.(۵۴۴)
ولعلّ الشهیدی(قدس سره)تبعه فی تعلیقته حیث قال: إنّ المدار فی صدقه على بقاء الموجب على عهده إلى زمان مجیء القبول لا على الموالاه.(۵۴۵)
یلاحظ علیه بوجهین:
الأوّل: عدم تسلیم المبنى، فإنّ البیع وأمثاله من الأُمور الاعتباریه الإیجادیه على نسق الأُمور التکوینیه الموجوده بالتکوین، فالبیع عباره عن إنشاء المبادله بین المالین لا إبراز الإراده النفسانیه بتعلّقها على المبادله، وهذا ما فرغنا منه فی الفرق بین الإخبار والإنشاء.
الثانی: سلّمنا أنّ البیع من مقوله الإراده الباطنیه بشرط الإبراز لکن لیس کلّ إبراز موضوعاً عند العقلاء للأثر، فلو قال القائل: «بعتُ» وسکتَ القابل عن قبوله فتره طویله لا یُعد ذلک موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقد عرفاً، إلاّ فی الموارد الّتی یقتضی المورد فیها جواز الفصل کما یأتی فی البحث التالی.
ثمّ إنّ السید المحقّق الخوئی أیّد ما اختاره بالوجوه التالیه:
أ. انّ بعض الناس یرسل هدیه إلى صاحبه الساکن فی البلاد النائیه وتصل إلى المهدى إلیه بعد مده طویله مع أنّها صحیحه.
ب. انّ ملک الحبشه أهدى ماریه القبطیه للنبی(صلى الله علیه وآله وسلم)وقبلها النبی مع عدم الموالاه بینهما.
ج. قیام السیره بین التجار المتدینین على معامله بعضهم بعضاً بالکتابه والبرقیه مع تخلل الفصل الطویل بین إیجابها وقبولها.
د. فحوى ما ورد فی جواز جعل المهر شیئاً من القرآن بناءً على أنّ القبول فی الروایه هو قول الصحابی: زوجنیها، والإیجاب هو قوله(صلى الله علیه وآله وسلم):« قد زوجتکها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إیاه»(546).(547)
یلاحظ على الوجهین الأوّل والثانی: أنّ الموردین من العقود الإذنیه ویکفی فیها وجود الإذن وبقاؤه فی ذهن الموجب، غایه الأمر یحتاج إلى کاشف وهو إرسال الهدیه إلى المهدى إلیه.
ویلاحظ على الوجه الثالث: بأنّ للکتابه بقاء عرفیاً فإذا وقّع علیها القـابل یتحقّـق العقد مع عـدم الفصل، وکذا لو أبـرق بالکتابه ووقّـع علیها القابل.
ویلاحظ على الوجه الرابع: أنّ المرأه فوضّت أمر تزویجها للنبی(صلى الله علیه وآله وسلم)حیث قالت: زوّجنی، کما أنّ الرجل وکّل النبی أیضاً بقوله: زوّجنیها، فأصبح النبی وکیلاً عنهما، عندئذ فقال النبی(صلى الله علیه وآله وسلم): «زوجتکها على ما معک من القرآن»، ولو صحت الروایه لدلت على کفایه صیغه واحده عنهما عن الإیجاب والقبول.
وقد ورد فی بعض الروایات أنّه سبحانه عقد فاطمه(علیها السلام)لعلی(علیه السلام)فقال: «زوّجت أمتی فاطمه عبدی علیاً»(548)، وهذا لیس ببعید فی الأولیاء، فإذا کان الرجل ولیاً للصغیر والصغیره یزوجهما بصیغه واحده من باب الولایه.
ثمّ إنّ سیدنا الأُستاذ اختار مذهباً وسطاً بین نفی التوالی وإیجابه وقال: ما هو المعتبر ارتباط قرارهما وعهدهما أی عهد البائع وقراره بقبول المشتری ـ لا توالیهما ـ وهو حاصل مع بقاء الإیجاب الاعتباری، ففیما لم یصر الإیجاب الکذائی منسیاً ومعرضاً عنه، صحّ ضم القبول إلیه، فلو قال: بعتک هذا الفرس قم وتفکّر فی ما تراه صالحاً لک، فقام وتأمل ساعه أو ساعتین بل یوماً أو یومین فاختار القبول یصدق العقد علیه ویجب الوفاء به عرفاً وشرعاً. کما أنّ العهود والاتفاقیات بین الدول المکتوبه وبین الشرکاء فی التجارات لا یعتبر فیها التوالی لدى العقلاء، فالمضرّ عدم ربط المسببات، والمعتبر ربطها، لا التوالی بین الإیجاب والقبول وبین الأسباب، من غیر فرق بین کون دلیل التنفیذ قوله سبحانه: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ) أو (أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ)، أو (تِجَارَهً عَنْ تَرَاض).(۵۴۹)
یلاحظ علیه: بما ذکرنا من أنّ الفصل بین الإیجاب والقبول ربّما یکون من مقتضیات المورد، کما إذا باع بالکتابه ووصل الکتاب بعد شهر إلى المشتری فأمضاه، وهذا داخل فی العمومات لأنّ موالاه کلّ شیء بحسبه، ومثله العقود والاتفاقیات بین الدول والشرکاء فی التجارات. فإنّ لکلّ مورد توالیاً عرفیاً فلا یکون هذا دلیلاً على جواز الفصل بین الإیجاب والقبول فی التجارات الدارجه فی السوق وبین الناس.وأمّا ما ذکره من المثال فالرائج هو الوعد من جانب المالک إلى أن یرى المشتری ثم یفی بوعده، لا البیع القطعیّ، فتدبّر.
إکمال
قال الشهید فی «القواعد»: الموالاه معتبره فی العقد ونحوه، وهو مأخوذ من اعتبار الاتصال بین الاستثناء والمستثنى منه.(۵۵۰)
وقد حمل المحقّق الخوئی الاستثناء فی کلام الشهید على ما هو المعروف فی مصطلح النحاه والأُصولیین ولکن المراد منه هو الاستثناء بالمشیئه، قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَیء إِنّی فَاعِلٌ ذَلِکَ غَداً * إِلاَّ أَنْ یَشَاءَ اللّهُ).(۵۵۱) وقال تعالى:(إذْ أَقْسَمُوا لَیَصْرمُنَّها مُصْبِحینَ * ولا یَسْتَثْنُونَ)(۵۵۲)، أی لیقطعن ثمرتها إذا دخلوا فی وقت الصباح غیر مستثنین فی أیمانهم فلم یقولوا: إن شاء اللّه. قال: معنى قول القائل: لأفعلنّ کذا إلاّ أن یشاء اللّه، استثناء; ومعناه إلاّ أن یشاء اللّه منعی أو تمکین مانعی.(۵۵۳)
وقد ورد فی الروایات تعقیب النذر والیمین بالاستثناء .(۵۵۴) والمراد به المشیئه.
کما ورد فی بعض الروایات عن أبی بصیر، عن أبی عبد اللّه(علیه السلام)قال: «من قرأ سوره العنکبوت والروم فی شهر رمضان لیله ثلاث وعشرین فهو ـ و اللّه، یا أبا محمد ـ من أهل الجنّه، لا أستثنی فیه أبداً، ولا أخاف أن یکتب اللّه علیّ فی یمینی إثماً، وإنّ لهاتین السورتین من اللّه مکاناً».(555)
ومعنى «لا أستثنی فی ذلک أبداً» :أی لا أضمّ إلى قسمی هذا لفظه إن شاء اللّه، لیقینی على هذا، وربما تصحف لفظه أبداً بـ(أحداً).
۱۰
التنجیز فی مقابل التعلیق
من شرائط صحّه العقد هو التنجیز فی العقد، بأن لا یکون معلقاً، ذکره جماعه من المتقدّمین والمتأخّرین. وقد نقل الشیخ الأنصاری کلماتهم فی «المتاجر».
وقبل الخوض فی بیان الأحکام نذکر أُموراً:
۱٫ أقسام التعلیق
قد ذکر الشیخ الأنصاری للتعلیق أقساماً أنهاها إلى اثنی عشر قسماً، وإلیک بیانها:
إنّ الشرط المعلّق علیه على أصناف:
أ. أن یکون دخیلاً فی مفهوم العقد.
ب. أن یکون دخیلاً فی صحّه العقد.
ج. أن لا یکون دخیلاً لا فی مفهوم العقد ولا فی صحّته.
وهذه الأصناف الثلاثه تُعدّ أُصولاً للتقسیم.
وکلّ من هذه الأصناف ینقسم إلى معلوم الحصول فی الحال ومجهوله، وإلى معلوم الحصول فی المستقبل ومجهوله. فهذه اثنا عشر قسماً، إلیک بیانها.
أمّا الصنف الأوّل ـ أعنی: ما إذا کان الشرط دخیلاً فی مفهوم العقد ـ فهو على أقسام أربعه:
۱٫ أن یکون المعلق علیه أمراً حالیّاً معلوم الحصول، کما إذا قال: إن کانت هذه زوجتی فهی طالق، حیث إنّ الزوجیه مأخوذه فی عنوان الطلاق إذ هو فرع لها.
۲٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً حالیّاً مجهول الحصول، کما إذا قال وهو شاک: إن کانت هذه زوجتی فهی طالق.
۳٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً استقبالیاً معلوم الحصول فی ظرفه، کما إذا قال البائع للمشتری: بعتک داری إن قبلت، مع علمه بأنّ المشتری یقبله.
۴٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً استقبالیاً مجهول الحصول فی ظرفه، کما إذا باع بالنحو السابق مع جهله بأنّه یقبله.
هذه الأقسام الأربعه کلّها ترجع إلى الشرط الّذی هو دخیل فی مفهوم العقد.
وأمّا الصنف الثانی ـ أعنی: ما إذا کان الشرط دخیلاً فی صحّه العقد ـ فهو أیضاً على أقسام أربعه:
۵٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً حالیّاً معلوم الحصول، کما إذا قال البائع: إن کان هذا ملکی فقد بعته لک بکذا مع علمه بأنّه ملکه.
۶٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً حالیاً مجهول التحقّق والحصول، کما إذا قال البائع: بعت هذا بکذا إن کان ملکی.
۷٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً استقبالیاً معلوم الحصول فی المستقبل، کما إذا علّق البائع بیعه بتسلم المشتری ـ فی بیع الذهب والفضه ـ فإذا قال: بعتک هذا الدینار أو الدرهم إن أخذتها وسلمت إلیّ الثمن.
۸٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً استقبالیاً مجهول التحقّق، کما إذا باعهما بقید التسلم مع الشک فی قبول المشتری.
وهذه هی الأقسام الأربعه للصنف الثانی.
وأمّا الصنف الثالث ـ أعنی: ما إذا لم یکن الشرط دخیلاً لا فی مفهوم العقد ولا فی صحّته ـ فهو أیضاً على أقسام أربعه:
۹٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً حالیاً معلوم التحقّق، کما إذا قال: بعتک إن کان الیوم یوم الجمعه بکذا درهماً، مع العلم بکون الیوم یوم الجمعه.
۱۰٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً حالیاً مجهول التحقّق، کما إذا قال: إن کان هذا الیوم یوم الجمعه فقد بعتک هذا الکتاب، مع الشک فی کون هذا الیوم یوم الجمعه.
۱۱٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً استقبالیاً معلوم الحصول، کما إذا قال: بعتک داری إذا دخل شهر رمضان، ویرید بذلک تحقّق البیع من حین دخول شهر رمضان لا من الآن.
۱۲٫ أن یکون المعلّق علیه أمراً استقبالیاً مجهول الحصول والتحقّق، کما إذا قال: بعتک هذا الکتاب إن جاء زید یوم الجمعه.
۲٫ ما هو محل النزاع فی هذه الأقسام؟
الظاهر أنّ الأقسام الأربعه الأُولى خارجه عن محط النزاع، لأنّها من مقتضیات العقد ومقوّماته، وذکرها وحذفها سیّان، وکأنّ القیود فی الأقسام الأربعه من مقوّمات الصیغه.
ومثلها الأقسام الأربعه الوسطى، فإذا کان الشرط دخیلاً فی صحه العقد فکأنّه مذکور، وإلى ذلک یشیر الشیخ الطوسی فی کلامه فیقول: ومنهم من قال: یصح، لأنّه لم یشرط إلاّ ما یقتضیه إطلاق العقد، لأنّه إنّما یصحّ بیعه لهذه الجاریه من الوکیل إن کان أذن له فی الشراء بعشرین، وإذا اقتضاه الإطلاق لم یضر إظهاره وشرطه، کما لو شرط فی البیع تسلیم الثمن وتسلیم المثمن وما أشبه ذلک.(۵۵۶)
نعم أورد علیه الشیخ الأنصاری بأنّه لا یدفع مشکله تعلیق الإنشاء، حیث قال: إنّ المعلق على ذلک الشرط فی الواقع هو ترتّب الأثر الشرعی على العقد دون إنشاء مدلول الکلام الّذی هو وظیفه المتکلّم، فالمعلّق فی کلام المتکلّم غیر معلق فی الواقع على شیء، والمعلّق على شیء لیس معلّقاً فی کلام المتکلّم على شیء ، بل ولا منجزاً بل هو شیء خارج عن مدلول الکلام.(۵۵۷)
وحاصل إشکاله: أنّ الشارع رتّب الأثر على وجود هذه الشرائط فی الواقع وهو أمر صحیح، ولکن المتکلم قیّد إنشاءه بهذه الأُمور، فالمعلّق فی کلام الشارع هو الآثار، والمعلّق فی کلام المتکلم هو الإنشاء أی إنشاء البیع.
ولکن کلام الشیخ الطوسی یعرب عن خروج هذه الأقسام الثمانیه عن معقد الإجماع الّذی أُدعیّ على بطلان المعلّق ویثبت أنّ معقد الإجماع على فرض وقوعه هو الأقسام الأربعه للقسم الثالث، أعنی: ما لا یکون الشرط دخیلاً لا فی مفهوم العقد ولا فی صحّته.
۳٫ دخول التعلیق فی جوهر بعض الصیغ
إنّ بعض العقود یکون التعلیق داخلاً فی جوهرها بحیث لیس له إلاّ قسم واحد، کما فی الصور التالیه:
أ. فی الوصیه التملیکیه، کما لو قال: هذا لفلان إن متُّ.
ب. فی التدبیر، إذا قال: أنت حرٌّ إن مت.
ج. فی السبق، کما إذا قال: هذه الجائزه لک إن کنت سابقاً، أو یخاطب الجماعه (الفریق الریاضی) ویقول: هذه الجائزه لکم إن فزتم على الفریق الآخر فی المباراه.
د. الجعاله، کما إذا قال: من وجد ضالتی فله کذا.
إلى غیر ذلک من الموارد.
والعجب أنّهم اتّفقوا على صحّه التوکیل إذا قال: أنت وکیلی ولکن لا تبع مالی إلاّ یوم الجمعه، ولکن اختلفوا إذا قال: أنت وکیلی فی أن تبیع مالی یوم الجمعه، مع أنّ الاختلاف بینهما فی اللفظ دون المعنى، ومن البعید أن تکون إحدى الصیغتین نافذه دون الأُخرى عند الشرع.
۴٫ اختلاف الأدله سعه وضیقاً
إنّ القائلین ببطلان التعلیق استدلّوا بوجوه یختلف مفادها سعه وضیقاً، وإلیک الإشاره إلى بعضها:
أ. بطلان التعلیق فی الإنشاء.
ب. التعلیق على الشرط تعلیق على أمر مجهول وهو ینافی الجزم.
فلو کان المستند للبطلان هو الأوّل فهو یعم جمیع الأقسام الاثنی عشر.
وأمّا لو کان المستند هو الثانی فلا یضرّ التعلیق إذا کان الشرط معلوم التحقّق فی الحال أو معلوم الحصول فی المستقبل.
إذا عرفت هذه الأُمور الأربعه فلندرس أدلّه القائلین بالبطلان.
۱۱
أدله القائلین ببطلان العقد المعلّق
الدلیل الأوّل: الإجماع
قد عدّ من أدله لزوم التنجیز وبطلان التعلیق الإجماع الوارد فی کلام
غیر واحد من علمائنا، منهم الشیخ قال: إذا قال: إن قدم الحاج أو جاء رأس الشهر فقد وکلتک فی البیع، فإنّ ذلک لا یصحّ. وبه قال الشافعی، وقال أبو حنیفه: یصح. دلیلنا: أنّه لا دلیل على صحه هذا العقد، وعقد الوکاله یحتاج إلى دلیل.(۵۵۸)
وذکر صاحب مفتاح الکرامه فی شرح قول العلاّمه فی القواعد: «ویجب أن تکون منجزه»: عند علمائنا کما فی التذکره، أجمع کما فی جامع المقاصد، وفی شرح الإرشاد لفخر الإسلام أنّ تعلیق الوکاله على الشرط لا یصحّ عند الإمامیه، وعن غایه المرام أنّه لا خلاف فیه، ومع ذلک قال فی الکفایه:إنّه المشهور وأنّه غیر مرتبط بدلیل واضح، ثم قال: قد صرح بوجوب التنجیز فی الخلاف والمبسوط والسرائر والشرائع والنافع والتحریر والإرشاد واللمعه والتنقیح وجامع المقاصد والمسالک والروضه وهو مقتضى بقیه الشروح والحواشی حیث سکتوا کما فی بطونها.(۵۵۹)
یلاحظ علیه: أوّلاً: أنّه لو کان فی المسأله إجماع لاستند إلیه الشیخ الطوسی فی الخلاف حیث إنّه یستدل فی أکثر المسائل إلیه، ولکنّه فی هذه المسأله اقتصر بقوله: إنّه لا دلیل على صحّه هذا العقد.
ثانیاً: أنّه لو کان التنجیز شرطاً فی الصحه، والتعلیق مبطلاً لها، لأشار إلیه المفید فی المقنعه والطوسی فی النهایه وابن الصلاح فی الکافی والدیلمی فی المراسم وابن حمزه فی الوسیله والراوندی فی فقه القرآن وابن سعید فی الجامع.(۵۶۰)
ثالثاً: لو افترضنا وجود الإجماع فالإجماع مدرکی اعتمده القائلون بالأدله العقلیه الّتی نتلوها علیک ، ومثله لا یکشف عن نص وصل إلیهم ولم یصل إلینا.
نعم کلّ مورد قام الإجماع على بطلان التعلیق یؤخذ به کما فی مورد الطلاق والنکاح، وأمّا فی غیرهما فالعموم والإطلاق فی أدلّه البیع والعقد هو المحکم. وسیوافیک الکلام فیما ذکره الشیخ فی آخر المبحث.
الثانی: استلزام التعلیق فی الإنشاء
هذا ما اعتمد علیه بعض القائلین بالبطلان، قال الشیخ: وربما یتوهم أنّ الوجه فی اعتبار التنجیز هو عدم قابلیه الإنشاء للتعلیق، ثم أجاب عنه بقوله: المراد بالإنشاء إن کان هو مدلول الکلام، فالتعلیق فیه غیر متصوّر، وإن کان الکلام فی أنّه کما یصحّ إنشاء الملکیه المتحقّقه على کلّ تقدیر فهل یصحّ إنشاء الملکیه المتحقّقه على تقدیر دون آخر، کما إذا قال: هذا لک إن جاء زیدٌ غداً، أو: خُذ هذا المال قرضاً أو قراضاً إن أخذته من فلان، فلا ریب فی أنّه متصوّر واقع فی العرف والشرع کثیراً، فی الأوامر والمعاملات من العقود والإیقاعات.(۵۶۱)
توضیحه: أنّه إذا قال: بعتک هذا المال إن جاء زید غداً، فالشرط دائر بین أن یرجع إلى الإنشاء وبین أن یرجع إلى المنشأ.
أمّا الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ فی معناه فهو یدور أمره بین الوجود والعدم، إذ أنّه إمّا أنشأ وإمّا لم یُنشئ، ولا یتصور أن یقال: أنشأ على وجه ولم یُنشئ على وجه. وهذا نظیر قولنا: استعمل على وجه ولم یستعمل على وجه.
وأمّا المنشأ فهو الملکیه فلا مانع من تصویرها على وجهین: فتاره یکون المنشأ ملکیه مطلقه کما إذا قال: هذا لک، وأُخرى یقول: هذا لک إذا جاء ابنی یوم الجمعه.
فما لم یتحقّق الشرط فالملکیه تقدیریه لا تحقیقیه، ولها واقعیه فی حدّ نفسها، ولذلک یستغنی البائع عن الإنشاء الجدید إذا حصل الشرط.
فإن قلت: کیف لا یجوز تعلیق الإنشاء مع أنّ المحقّق الخراسانی قال ـ فی القضایا الشرطیه نظیر «أکرم زیداً إن أکرمک» ـ برجوع القیود إلى مفاد الهیئه، أعنی: الطلب، خلافاً للشیخ الأنصاری الّذی قال برجوعها إلى الماده، أی الإکرام.
قلت: إنّ الإنشاء على کلا القولین مطلق غیر مقیّد.
وإنّما الاختلاف فی أنّ القید راجع إلى المنشأ وهو الوجوب، أو راجع إلى ما تعلّق به الوجوب، أعنی: الصلاه.
توضیحه: أنّه إذا قال: أقم الصلاه إذا زالت الشمس، فهنا أُمور ثلاثه:
۱٫ الإنشاء.
۲٫ المنشأ.
۳٫ الماده أو المتعلّق.
فالإنشاء بمعنى استعمال اللفظ فی معناه الإیجادی أمر مطلق لا یقبل التعلیق، لأنّ أمر الاستعمال دائر بین الوجود والعدم.
والمنشأ عباره عن المعنى الحاصل بسبب الاستعمال فی عالم الاعتبار، أعنی: الطلب، فهو عند المحقّق الخراسانی مقیّد بالزوال.
والمتعلّق عباره عن الصلاه التی تعلّق بها الوجوب. نعم الصلاه عند الشیخ الأنصاری مقیده بالزوال.
فعلى کلّ تقدیر فالإنشاء مطلق غیر مقید.
فقوله: أقم الصلاه إذا زالت الشمس، عند المحقّق الخراسانی بمنزله قوله: تجب عند زوال الشمس الصلاه.
وعند الشیخ الأنصاری بمنزله قوله: تجب الصلاه المقیّده بزوال الشمس.
الثالث: منافاه التعلیق الجزم حال الإنشاء
اعتمد العلاّمه فی «التذکره» على هذا الدلیل وقال: الخامس من الشروط: (الجزم); فلو علّق العقد على شرط، لم یصح، وإن کان الشرط المشیئه (إن شاء اللّه) للجهل بثبوتها حال العقد وبقائها مدته.(۵۶۲)
یلاحظ علیه: أنّ الدلیل أخصّ من المدّعى، فإنّما یتم فیما إذا کان الشرط مجهول الحصول لا محقّقه کما فی بعض الأقسام.
أضف إلى ذلک أنّه لم یذکر لهذا الشرط دلیلاً، إذ لیس هناک دلیل قاطع على لزوم الجزم فی العقود، بل یکفی فی صحّه العقود کونها أمراً متعارفاً، وهو کذلک کما إذا شک فی زوجیه امرأه، فلا محیص من الطلاق بالتعلیق ویقول: إن کنت زوجتی فأنت طالق.
ثمّ إنّ المنع عن التعلیق بوجه مطلق ینافی المصلحه الاجتماعیه، لأنّ کثیراً من الناس یعقدون الوکاله لشخص ولکن لا یریدون أن یکون مطلق العنان فی الوکاله، بل یقیّدون الوکاله بقید أو شرط.
الرابع: عدم ترتب الأثر حال العقد
ما ذکره صاحب الجواهر وهو أنّ ظاهر أدلّه سببیه العقد هو ترتّب مسببه علیه حال وقوعه، فتعلیق أثره بشرط من المتعاقدین دون الشارع معارض لذلک، بل هو شبه إثبات حکم شرعی من غیر أهله.(۵۶۳)
وأجاب عنه الشیخ بقوله: إنّ العقد سبب لوقوع مدلوله فیجب الوفاء به على طبق مدلوله، فلیس مفاد (أَوفُوا بِالْعُقُودِ)إلاّ مفاد: (أوفوا بالعهد)، فی أنّ العقد کالعهد إذا وقع على وجه التعلیق، فترقّب تحقّق المعلّق علیه فی تحقّق المعلّق لا یوجب عدم الوفاء بالعهد.(۵۶۴)
توضیحه: أنّ الأثر الشرعی یترتّب على کیفیه المنشأ، فإن کان المنشأ ملکیه فعلیه، فالأثر ـ أعنی: جواز التصرف ـ یترتّب علیه بالفعل، وإن کان المنشأ هو الملکیه المعلّقه فیترتب علیه الأثر الشرعی على وجه التعلیق، أی إذا وجد المعلق علیه یصحّ للمشتری التصرف فیه.
الخامس: الشک فی شمول الأدلّه
إنّ المنجز داخل فی الآیه، وأمّا المعلّق ففیه الشک فی شمول الآیه ونحوها له.(۵۶۵)
وإلیه ینظر قول الشیخ ویقول: والأضعف من الوجه المتقدّم التمسّک فی ذلک بتوقیفیه الأسباب الشرعیه الموجبه لوجوب الاقتصار فیها على المتیقّن، ولیس إلاّ العقد العاری عن التعلیق.(۵۶۶)
وأظن أنّ هذا الدلیل هو الدلیل الحاسم فی المقام، وهو أنّ المرجع فی صحّه عقد دون عقد هو العرف، فلو کان التعلیق فی البیع والإجاره أمراً عرفیاً، ورائجاً بین الناس تشمله أدله الإمضاء، وأمّا إذا کان أمراً غریباً غیر رائج عندهم فلا یمکن الاستدلال بإطلاق أدله الإمضاء على صحّته، لما عرفت من السابق من أنّ أدله الإمضاء ناظره إلى تصحیح ما بید العرف على وجه یکون الصحیح عند العرف مرآه إلى الصحیح عند الشرع، فإذا کان التعلیق أمراً غیر مقبول عندهم فکیف یجوز التمسّک بإطلاق الأدله؟!
ومن هنا یعلم أنّ ما أورده الشیخ على هذا الاستدلال، غیر تام، قال: إذ فیه: أنّ إطلاق الأدلّه مثل حلّیه البیع وتسلّط الناس على أموالهم(۵۶۷)، وحلّ التجاره عن تراض، ووجوب الوفاء بالعقود، وأدله سائر العقود، کاف فی التوقیف. وبالجمله فإثبات هذا الشرط فی العقود مع عموم أدلّتها ووقوع کثیر منها فی العرف على وجه التعلیق بغیر إجماع محقّق أو منقول، مشکل.(۵۶۸)
یلاحظ علیه: بما ذکرنا من أنّ أدله الإمضاء ناظره إلى ما هو الصحیح فی العرف، فإذا کان التعلیق مرفوضاً عندهم فلا یمکن إثبات صحّته بالإطلاقات، ومن هنا یعلم أنّ المیزان فی صحّه التعلیق وعدمه کونه رائجاً بین الناس، کما هو الحال فی الوکاله، وبعض ما یشبهها، وأمّا الطلاق والنکاح والبیع والإجاره، فالتعلیق فیها غیر رائج، وما هذا إلاّ لأنّ الغرض من المعامله قضاء الحاجات، والتعلیق ینافی ذلک.
وبذلک یظهر الفرق بین مختارنا وما اختاره الشیخ الأنصاری(رحمه الله)،
فقد ذهب الشیخ إلى جواز التعلیق إلاّ إذا کان هناک إجماع على الخلاف
محقّقاً أو منقولاً، وأمّا نحن فقد قلنا بأنّ الأصل کونه متعارفاً بین الناس، فما تعارف یجوز کما فی التدبیر والوصیه والسبق والرمایه والوکاله، وإلاّ فلا یجوز.
۱۲
التطابق بین الإیجاب والقبول
من جمله شروط العقد: التطابق بین الإیجاب والقبول.
قال العلاّمه: لابدّ من التطابق فی المعنى بین الصیغتین.
فلو قال: بعتک هذین بألف، فقال: قبلت أحدهما بخمسمائه، أو قبلت نصفهما بنصف الثمن. أو قال: بعتکما هذا بألف، فقال أحدهما: قبلت نصفه بنصف الثمن، لم یقع على إشکال فی الأخیر. أقربه: الصحه واختیار البائع.(۵۶۹)
وقال المحقّق النائینی: إنّ اعتبار التطابق من القضایا الّتی قیاساتها معها، لأنّ العقد عباره عن أمر وحدانی متحصّل من الإیجاب والقبول، فلو أنشأ أحدهما البیع والآخر قبل بعنوان الهبه، أو أحدهما باع الجاریه والآخر اشترى العبد، لم یتحصّل معنى واحد منهما، لعدم ارتباط کلام أحدهما بالآخر.(۵۷۰)
ویمکن أن یقرر ببیان آخر، وهو: أنّ القابل بقبوله یطاوع ما أنشأه الموجب، ومقتضى المطاوعه هو تعلّق القبول بنفس ما تعلّق به الإیجاب، وإلاّ لم یصدق القبول ولا المطاوعه، بل لا یصدق علیه العقد الواحد، بل کلامان منفصلان لا صله لأحدهما بالآخر.
ثمّ إنّ التطابق على أقسام:
۱٫ التطابق فی مقوّمات العقد وهذا کما فی المبیع، لما مرّ من أنّه ربط بین المالین، کما أنّ النکاح ربط بین الزوجین; فلو باع عبداً وقبل الآخر جاریه فلا یصدق علیه البیع، لأنّ البائع ربط بین العبد والثمن لا بین الجاریه والثمن.
ونظیره ما لو زوجت المرأه نفسها بعمرو وقبلها بکر، فلا یصدق النکاح، لأنّ الموجبه ربطت بین نفسها وعمرو لا بینها وبین بکر، هذا کلّه راجع إلى التطابق فی مقوّمات العقد ومحقّقاته.
۲٫ التطابق فی غیر المقوّمات کالتطابق بین الإیجاب والقبول من ناحیه البائع والمشتری، فلو قال زید لعمرو: بعتک داری بکذا، ویقول عمرو: قبلت البیع لخالد، أو یقول خالد: قبلت البیع لنفسی بکذا، فهل یبطل العقد؟ ذکر المحقّق الخوئی(رحمه الله)أنّه یبطل العقد لعدم ورود الإیجاب والقبول على مورد واحد.(۵۷۱)
أقول: قد عرفت أنّ مقوم البیع هو تبادل المالین ولا مدخلیه للبائع والمشتری فی حقیقته، فعلى ذلک یجب التفصیل بین ما إذا کان الثمن کلیّاً قائماً بذمه المخاطب، کما إذا قال: بعتک داری بکذا فی ذمتک، فلا یصح أن یقول القابل: قبلت لخالد، أو یقول خالد: قبلت البیع لنفسی، إذ لا اعتبار لذمّه خالد، سواء قبل مباشره أو قبل عنه وکیله.
نعم لو کان الثمن عیناً خارجیه فقال البائع: بعتک داری من عمرو فی مقابل هذا الثمن، وکان الثمن لخالد، فقبل عمرو وکاله عن خالد، أو قبل خالد مباشره، صح البیع.
۳٫ التطابق بین الإیجاب والقبول فی أجزاء المبیع والثمن، فلو قال البائع: بعتک داری بخمسین دیناراً، وقال المشتری: قبلت البیع فی نصف المبیع بخمسه وعشرین دیناراً، فالظاهر بطلان البیع، لأنّ البائع ربط بین مجموع الدار ومجموع الخمسین دیناراً، أی المجموع فی مقابل المجموع ، فقبول نصف المبیع فی مقابل نصف الثمن خارج عن واقع عمل البائع.
۴٫ التطابق بین الإیجاب والقبول من ناحیه الشروط، فإذا باع البائع داره بثمن معین بشرط أن یخیط له ثوباً وقبل المشتری البیع بذلک الثمن مجرداً عن الشرط، فهل یصحّ أو لا؟ ربما یقال بالصحه وثبوت الخیار للمشروط له نظراً إلى أنّ الشرط لا یرتبط بالعقد وإنّما هو التزام فی التزام.
والمسأله مبنیه على أنّ الشرط التزام ثان وراء الالتزام بالثمن، أو هو جزء الالتزام الواحد، والعرف مع الثانی دون الأوّل، والضابطه الکلیه: أنّه إذا کان متلقّى العرف انحلال العقد الواحد إلى عقدین، لا یضرّ قبول أحد العقدین دون الآخر، کما إذا باع فرسه بألف وثوبه بألف، فقال من باب الجمع فی التعبیر: بعتهما بألفین، فقبل أحدهما دون الآخر ،صحّ فی المقبول ولا یعد مثل ذلک على خلاف التطابق. وأمّا إذا کان المجموع فی نظر العرف مبیعاً واحداً، فباع المجموع بألف، فلا یصحّ قبول البعض ورفض البعض الآخر. وقد مرّ کلام العلاّمه فی صدر المبحث، فظهر من جمیع ما ذکرنا أنّ ما ذکره المحقّق النائینی من أنّ التطابق من القضایا الّتی قیاساتها معها، کلام تام.
۱۳
بقاء المتعاقدین على الأهلیه
قال الشیخ: ومن جمله الشروط فی العقد أن یقع کلٌّ من إیجابه وقبوله فی حال یجوز لکلّ واحد منهما الإنشاء، فلو کان المشتری فی حال إیجاب البائع غیر قابل للقبول، أو خرج البائع حال القبول عن قابلیه الإیجاب، لم ینعقد.(۵۷۲)
وقال المحقّق النائینی: إنّ هذا الشرط أیضاً کالشرط السابق من القضایا الّتی قیاساتها معها، بل منشأ اعتباره هو المنشأ لاعتبار الشرط السابق.
واستدل علیه بقوله: لأنّ العقد لا ینعقد إلاّ بفعل الاثنین، فلو فقد ـ حین أنشأ أحدهما ـ شرائط العقد فوجودها سابقاً أو لاحقاً لا أثر له، ومجرد تحقّق الشرط حین أنشأ الآخر لا یفید بعد کون إنشائه جزءاً للعقد لا إیقاعاً مستقلاً، فلو کان المشتری حین إنشاء البائع نائماً لا یصحّ العقد وکذلک العکس.(۵۷۳)
وفصّل السید الطباطبائی بین ما کان المشتری فی حال إیجاب البائع غیر قابل للتخاطب من جهه الإغماء أو النوم أو الجنون، وبین ما لو لم یکن کذلک، کما إذا نام البائع بعد الإیجاب مع علمه بأنّ المشتری یقبل لا محاله. وکذا فیما إذا کان المانع هو الفلس أو السفه، ویشهد لما ذکرنا من صدق المعاهده عدم الفرق فی ذلک بین کون العقد جائزاً أو لازماً، مع أنّه لا بأس بالنوم بین الإیجاب والقبول فی العقود الجائزه.(۵۷۴)
وحاصل التفصیل بطلان العقد فی مورد وصحته فی موردین، بطلانه فیما إذا کان المشتری غیر قابل للخطاب وإن أفاق بعده، وضمنه فیما إذا کان البائع واجداً للشرط ثم فقد عند قبول المشتری. وفیما إذا کان المانع هو الفلس والسفه، مثلاً إذا کان البائع محجوراً عند الإیجاب ، وصار غیر محجور عند القبول.
والظاهر التفصیل بین ما هو مقوّم لماهیه العقد وقوامه، کالحیاه والعقل; وبین ما هو مؤثر فی ترتّب الآثار الشرعیه والعرفیه.
أمّا الأوّل: فوجود هذه الشرائط من بدء الإیجاب إلى ختام العقد ممّا لا ینبغی أن یشک فی شرطیه بقائها.
وذلک لأنّ الموجب یملک ماله فی مقابل الثمن، فإذا قال: بعت هذا بهذا، ثم مات، فلیس هناک تملیک حتّى یقبله المشتری، لأنّ التملیک زال بالموت ولیس له عند العرف بقاء.
وبذلک یظهر النظر فیما أفاده السید الأُستاذ (قدس سره)أنّ البیع عباره عن مبادله مال بمال، وهذه المبادله أُنشئت بفعل الموجب وإیجابه من غیر دخاله مخاطبه، فإذا کان المشتری نائماً عند الإیجاب فانتبه وعلم إیجاب البائع فقبله، صح العقد.
وجه النظر إنّه إنّما یصحّ فی جانب المشتری دون البائع، فلو مات البائع عند قبول المشتری فلا تملیک حتّى یقبل.
فإن قلت: إنّ الموصی یملّک ماله للموصى له، فیقبله الثانی بعد موت الموصی.
قلت: إنّ حیاه الموصی لیست مقوماً لتملّک الموصى له، بل موته شرط لتملّکه، فلا یضر موت الموصی لتملّکه، وهذا بخلاف المقام فإنّ حیاه البائع مقوم لبقاء تملیک البائع حتّى یقبله المشتری، وبذلک یُعلم ضعف ما أفاده السید فی تعلیقته حیث قال: ویشهد له ما فی باب الوصیه.
أمّا الثانی ـ أعنی: ما هو المؤثر فی ترتّب الآثار کالقبض والاختیار ـ : فوجودها فی مواردها کاف فی الصحه، فلو کان المشتری مکرهاً عند الإیجاب ثم رضی عند القبول، ومثله ما لو باع شیئاً ثم ملکه فإنّ الملکیه لیست معتبره فی أوّل العقد، بل تکفی عند التسلیم.
۱۴
اختلاف المتعاقدین فی شروط الصیغه
إذا اختلف المتعاقدان فی شروط الصیغه ـ اجتهاداً أو تقلیداً ـ فهل یجوز أن یکتفی کلّ بما یقتضیه مذهبه، أو لا؟ وجوه.
وقبل الخوض فی المقصود نذکر أُموراً:
الأوّل: صور الاختلاف:
إنّ للاختلاف صوراً نذکرها تالیاً:
۱٫ فی شروط العقد.
۲٫ فی شروط المتعاقدین.
۳٫ فی شروط العوضین.
۴٫ فی نفس الشروط من حیث الصحه والفساد.
أمّا الأوّل: کالعقد بالفارسیه أو بغیر الماضویه إذا صحّ عند أحد المتعاقدین دون الآخر.
وأمّا الثانی: کالاختلاف فی حدّ البلوغ للمرأه، فأحدها رأى أنّ بلوغها بتمام التسع والآخر یراه بالحیض أو بالثلاث عشره سنه، فعقدت ولها من العمر تسعاً.
وأمّا الثالث: کما إذا رأى أحد الطرفین الشیء مکیلاً أو موزوناً و الآخر رآه معدوداً.
وأمّا الرابع: کما لو اختلف فی جواز شرط خاص وانّه هل هو مخالف لمقتضى العقد أو لا؟
الثانی: الأقوال والاحتمالات فی المسأله
إنّ فی المسأله أقوالاً أو احتمالات نذکر أهمها:
۱٫ الاکتفاء مطلقاً.
۲٫ عدم الاکتفاء مطلقاً.
۳٫ الاکتفاء إلاّ إذا کان العقد المرکب منهما ممّا لا قائل بکونه سبباً فی النقل، کما إذا لم یوجد قائل بجواز تقدیم القبول على الإیجاب والعقد بالفارسیه، فعقدا بالفارسیه وقدم القبول على الإیجاب، وهذا ما عدّه الشیخ أردأ الأقوال.
۴٫ التفصیل بین العلم بالبطلان من ناحیه أحدهما وبین مجرد الظن الحاصل من الأمارات، فیصح على الثانی دون الأوّل.
۵٫ التفصیل بین ما لا یسری فساد أحد جزئی العقد إلى الآخر فیصح، وهذا کما إذا أوجب بالمضارع أو بالفارسیه، دون ما لو سرى من جزء إلى آخر وهذا کالموالاه، فلو کانت الموالاه شرطاً عند الموجب دون القابل، فقبل بعد فوت الموالاه، فیسری الفساد إلى مجموع العقد، لأنّ الموالاه قائمه بمجموع الإیجاب والقبول.
الثالث: تقسیم الأحکام
إنّ الأحکام الشرعیه حسب تقسیم القوم على أقسام ثلاثه:
۱٫ الحکم الواقعی الأوّلی، المشترک بین جمیع الناس، سواء أکان عالماً أم جاهلاً، قادراً أم عاجزاً.
۲٫ الحکم الواقعی الثانوی، وهو الحکم الثابت فی حق المضطر، کوجوب التیمم بالنسبه إلى فاقد الماء، فهذا النوع من الحکم حکم شرعی له آثاره، ولذا یجوز للمتیمّم دخول المسجد ومس القرآن وغیر ذلک.
۳٫ الحکم الظاهری، وهو الحکم الموضوع عند الشکّ فی الحکم الواقعی، کالبراءه والتخییر واستصحاب الحکم الثابت فی زمان الیقین وجرّه إلى زمان الشک، فقد عدّ المشهور الحکم الظاهری حکماً مجعولاً من الشارع فی ظرف الشک ثم ذکروا وجوهاً لوجه الجمع بین الحکم الظاهری والواقعی إذا تعارضا.
وهناک قول آخر وهو الّذی رآه سیدنا المحقّق الکوهکمری(قدس سره)، وهو أنّ الحکم الظاهری لیس حکماً شرعیاً مجعولاً، بل هو جعل عذر للشاک إذا خالف الواقع.
وإن شئت قلت: إنّ الشارع یرفع الید عن الحکم الواقعی فی مقام الفعلیه عند الجهل به، مع ثبوته إنشاءً دون أن یکون هناک جعل من الشارع.
إذا عرفت ذلک فلنذکر أدلّه الأقوال والاحتمالات.
أدلّه الاحتمالات الخمسه فی المسأله
أمّا الاحتمال الأوّل ـ أعنی ترتیب الأثر مطلقاً حتّى بالنسبه إلى العالم بفساده ـ فهو مبنیّ على أنّ الأحکام الظاهریه، بمنزله الأحکام الواقعیه الاضطراریه، فالإیجاب بالفارسیه بمنزله إشاره الأخرس فی طلاقه وصلاه المتیمّم بالنسبه إلى واجد الماء، فکما یجب ترتیب الأثر لإشارته وصلاته فهکذا المقام.
وأمّا الاحتمال الثانی فهو مبنی على أنّ الأحکام الظاهریه لیست أحکاماً شرعیه مجعوله من الشارع فی حقّ الجاهل، غایه الأمر أنّها أحکام عذریه لمن جهل الحکم الشرعی دون العالم بخلافه.
وأمّا الاحتمال الثالث فهو احتمال مؤلف من الاحتمالین المذکورین: الأوّل والثانی حیث فصل بین کون الحکم الظاهر حکماً شرعیاً مجعو