حریه الإنسان ومسأله الهدایه والضلال الإلهی

0

انّ بحث الهدایه والضلال من وجهه نظر القرآن الکریم من البحوث المعمّقه والواسعه النطاق والمفصّله، بحیث إنّ دراستها دراسه کامله وشامله تستدعی أن نأتی بجمیع الآیات الوارده فی هذا المجال وتسلیط الضوء على جمیع زوایا تلک الآیات وبیان أسرارها والنکات الکامنه فیها لنستخلص النظریه القرآنیه فی هذا المجال، وبما أنّ ذلک یستدعی بحثاً مفصلاً لا ینسجم مع هدف هذا الکتاب، لذلک سوف نرکّز البحث على نوع واحد من الآیات وهی الآیات التی تقول: ( فیضل من یشاء و یهدی من یشاء ) .
الحقیقه انّ الاستدلال بهذا الطیف من الآیات القرآنیه لإثبات نظریه «الجبر» یُعدّ غفله عن هدف الآیات المذکوره، والسبب فی هذه الغفله هو الخلط بین نوعین من الهدایه وعدم التفکیک بینهما، وهما: «الهدایه العامه» والأُخرى«الهدایه الخاصه»، فإذا سلّطنا الضوء على هذین النوعین من الهدایه یتّضح وبجلاء مفهوم تلک الآیات والمراد منها، وستنتفی حینئذ فکره الجبر بالکامل.
الهدایه العامّه والخاصّه
من المعلوم أنّ اللّه سبحانه هو مفیض کلّ شیء ومن الأُمور التی یفیضها «فیض الهدایه» وانّ له سبحانه نوعین من الإرشاد والهدایه، إحداهما عام وشامل بحیث یستوعب ویشمل جمیع أفراد الإنسان، والآخر هو الفیض والإرشاد الخاص وهو الذی یشمل بعض الأفراد الذین استفادوا من الهدایه العامه على أحسن وجه وأکمله، إذ لو انّ هذه الفئه من الناس لم تستغل الهدایه العامه والفیض الشامل بصوره صحیحه، فحینئذ لا تصل النوبه إلى مرحله الهدایه الخاصه ولا یشملها هذا الفیض أبداً.
فالهدایه العامّه تتلخّص فی نوعین من الهدایه، هما:
الف: الهدایه العامه التکوینیه
والمقصود هنا انّ اللّه سبحانه خلق جمیع الموجودات وبیّن لکلّ مخلوق مهمته والوظائف التی ینبغی علیه القیام بها والمسؤولیات التی لابدّ من تحمّلها. یقول سبحانه فی هذا الخصوص:
( …رَبُّنَا الَّذِی أَعْطى کُلَّ شَیْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) .( [۱])
ومن الواضح أنّ فی هذا النوع من الهدایه لا یوجد أدنى استثناء وتمییز وتفاضل، بل حتّى الأفعال التی تنطلق من الحاله الغریزیه لبعض الحیوانات والأعمال المنظمه والموزونه التی تصدر منها معلوله لذلک النوع من الهدایه، فضلاً عن الهدایه الفطریه للإنسان، ففطره کلّ إنسان تهدیه إلى التوحید ونبذ الشرک، وکذلک العقل الموهوب له المرشد إلى معالم الخیر والصلاح.
ب: الهدایه العامه التشریعیه
إنّ المراد من الهدایه التکوینیه هو ذلک النوع من الإرشاد والهدایه التی تنبع من داخل الإنسان وکیانه،وأمّا الهدایه التشریعیه فهی الهدایه التی ترد على الإنسان من الخارج والتی تأخذ بیده فی مواطن الخطر وترشده إلى ساحل الأمان وتوصله إلى ما یریده بیسر وطمأنینه، وفی هذا النوع من الهدایه ـ لا یوجد أدنى تمییز وتفاضل ـ حالها حال الهدایه التکوینیه کما قلنا ـ حیث توفر السماء للإنسان کلّ وسائل الهدایه والرشاد والصلاح والتی تتمثّل بما یلی:
۱٫ الأنبیاء والرسل(علیهم السلام) .
۲٫ الأولیاء.
۳٫ الکتب السماویه.
۴٫ الأئمّه والقاده(علیهم السلام) .
۵٫ العلماء والمفکّرون.
وغیر ذلک من الوسائل التی وضعها اللّه سبحانه تحت اختیار الجمیع بنحو یتسنّى للجمیع الاستفاده منها وأن ینهلوا من نمیرها العذب على حد سواء بلا فرق وبلا تمایز.
وبسبب شمولیه وعمومیه هدایه هذه المجامیع نراه سبحانه یصف «النبی الأکرم» و «القرآن» بأنّهما هادیان ومرشدان للأُمّه ویخاطب النبی الأکرم وبصراحه:
( …وَإِنَّکَ لَتَهْدِی إِلى صِراط مُسْتَقیم ) .( [۲])
ویقول سبحانه واصفاً القرآن الکریم:
( إِنَّ هذا الْقُرآنَ یَهْدِی لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ… ) .( [۳])
إنّ العدل الإلهی یقتضی أن توفّر السماء للناس کافّه، جمیع سبل الهدایه والرشاد وتسهّل لهم الوصول إلیها، وفهمها، کما أنّ وظیفه العباد ومهمتهم تقتضی أن یستفید الإنسان ـ و من خلال الحریه التی منحت له ـ من جمیع تلک السبل على أحسن ما یرام وأن یرغم أنف الشیطان وجنوده بالتراب، وأن یتوجّه نحو اللّه سبحانه مستعیناً بکلّ تلک النعم التی توفرت له، ومن المعلوم أنّ الاستفاده من تلک الطرق والوسائل لتحصیل هذا النوع من الهدایه غیر مشروط بأی شرط أو قید، وانّ الإراده والمشیئه الإلهیه تعلّقت بأن تضع کلّ تلک الوسائل تحت تصرف جمیع أفراد الإنسان واختیارهم.
الهدایه الخاصه
إنّ هذا النوع من الهدایه یختص بمجموعه وطائفه خاصه من الناس الذین تشملهم العنایه الإلهیه الخاصه، وهذه الطائفه ـ وکما قلنا ـ هی تلک المجموعه من عباد اللّه الذین استغلّوا الهدایه العامه واستفادوا منها على أکمل وجه بحیث استنارت قلوبهم وأرواحهم بنور الهدایه العامّه.
إنّ هذه الطائفه من الناس حینما استغلت الهدایه العامّه ـ التکوینیه والتشریعیه ـ بالنحو الأکمل جعلت من نفسها محلاً مناسباً لنیل الفیض الإلهی الخاص والرعایه الإلهیه الخاصه،وأن یشملها الإمداد الغیبی والتوفیق والتسدید الإلهی(الهدایه الخاصه).
وهذه الحقیقه التی ذکرناها ـ وهی انّ الهدایه الخاصه تشمل تلک الطائفه من الناس الذین استفادوا من الهدایه العامه بأحسن وجه ـ هی من الحقائق التی بیّنها القرآن الکریم فی آیات متعدّده، حیث قال فی بعضها:
( …إِنَّ اللّهَ یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ وَیَهْدی إِلَیْهِ مَنْ أَنابَ ) .( [۴])
وفی آیه أُخرى قال سبحانه:
( …اللّهُ یَجْتَبی إِلَیْهِ مَنْ یَشاءُوَیَهْدِی إِلَیْهِ مَنْ یُنیبُ ) .( [۵]) إنّ المراد من کلمه ( أناب ) فی الآیه الأُولى و ( ینیب ) فی الآیه الثانیه هو العوده والرجوع والالتفات إلى اللّه سبحانه بصوره متکرّره، هو أنّ هذا النوع من الهدایه من نصیب من أصغى لنداء العقل وخضع واستجاب لنداء المرشدین والمصلحین الإلهیین، ووضع نفسه فی طریق الهدایه الخاصه طالباً من اللّه سبحانه المزید من التوفیق و السداد و الرعایه والعطف.
وإذا کان الملاک فی شمول الهدایه الخاصه للإنسان هو استغلاله لطرق الهدایه العامّه على أکمل وجه، فإنّ الملاک فی الضلال والخذلان الإلهی هو الإعراض والعصیان والتمرّد على الهدایه العامّه وعدم الاستفاده منها بالنحو المطلوب.
یقول سبحانه:
( …فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لا یَهْدِی الْقَومَ الْفاسِقینَ ) .( [۶])
وفی آیه أُخرى یقول سبحانه:
( …وَیُضِلُّ اللّهُ الظّالِمینَ وَیَفْعَلُ اللّهُ ما یَشاءُ ) .( [۷])
إنّ استفاده الجبر من قوله تعالى: ( یضل من یشاء و یهدی من یشاء ) مبنی على تصوّر وحده الضلاله والهدایه، بمعنى انّهم تصوّروا أنّ للّه سبحانه وتعالى نوعاً واحداً من الهدایه والضلاله وأنّها تختص بذلک الفریق الذی أراد اللّه له الهدایه والرشاد ویُحرم منها الفریق الآخر، والحال أنّه یوجد هنا نوعان من الهدایه: إحداهما عامّه، والأُخرى خاصه، وانّ الملازم للعدل الإلهی هو النوع الأوّل من الهدایه، وأمّا النوع الثانی من الهدایه (الهدایه الخاصه) فهو رهین ببعض الشروط التی من أهمها شرط الاستفاده من النوع الأوّل من الهدایه واستغلالها بحیث یضع الإنسان نفسه أمام الرحمه والفیض الإلهی لکی تشمله الرعایه والهدایه الخاصه.
صحیح أنّ اللّه تعالى جعل کلا النوعین من الهدایه فی إطار مشیئته وإرادته، ولکن إرادته سبحانه ومشیئته لا تکون بدون ملاک وبلا جهه، بل ملاکها وجهتها هو وجود اللیاقه والکفاءه والاستعداد اللازم فی العبد الذی وصف فی بعض الآیات بقوله تعالى: ( أناب ) و ( ینیب ) ولا شک أنّ الحصول على هذا الاستعداد، وتلک اللیاقه لا یتسنّى لکلّ إنسان مهما کان.
ولتوضیح فکره الهدایه الخاصه بنحو أتم وبصوره أجلى وأوضح نأتی بالمثال التالی:
لنفرض أنّ مجموعه من الناس قد وقفوا على مفترق طرق وأنّهم یبحثون عن مکان خاص یریدون الوصول إلیه، فأرشدهم أحد الأشخاص العارفین إلى الطریق، فتحرک قسم منهم باتجاه الطریق الذی أُرشدوا له، وبعد ذلک وصلوا إلى مفترق طرق وقاموا بنفس ما قاموا به فی الحاله السابقه وأُرشدوا إلى الطریق. فإنّ هؤلاء وبلا شکّ سیصلون إلى المقصد الذی جاءوا من أجله، لأنّهم أذعنوا إلى إرشادات العارفین بالطریق وأهل الخبره، وأمّا الطائفه التی بقیت واقفه فی مکانها ـ مفترق الطرق الأوّل ـ أو أنّهم ساروا على خلاف ما أرشدوا إلیه أوّلاً، فلا ریب أنّهم کلّما جدّوا فی السیر لا یزیدهم السیر إلاّ بعداً عن الهدف الذی جاءوا من أجله«لأنّ العامل من غیر بصیره کالسائر على غیر الطریق لا یزداده کثره السیر إلاّ بعداً».( [8]) من هذا المثل یتّضح لنا أنّ اللّه سبحانه وضع الجمیع ـ وطبقاً لمفاد الآیات ـ تحت الهدایه العامه فقال سبحانه:
( إِنّا هَدَیْناهُ السَّبیلَ… ) .( [۹])
( وَهَدَیْناهُ النَّجدَیْنِ ) .( [۱۰])
ثمّ شاء سبحانه أن یفیض مرّه أُخرى على الذین أدرکوا الطریق واهتدوا إلى الحق واستفادوا من الهدایه العامه، بفیض وعنایه وهدایه خاصه لیتسنّى لهم الوصول إلى قمه هرم الإنسانیه، وقد عبّر سبحانه وتعالى عن تلک الحقیقه والنعمه الإلهیه والفیض الربانی الخاص بقوله:
( وَالّذینَ اهْتَدَوا زادَهُمْ هُدىً… ) .( [۱۱])
انطلاقاً من هذا الأصل نرى أنّ اللّه سبحانه وتعالى یعتبر الهدایه إحدى ثمار ونتائج جهاد الإنسان وسعیه فی طریق اللّه سبحانه حیث قال:
( وَالَّذینَ جاهَدُوا فینا لَنَهْدیَنَّهُمْ سُبُلَنا… ) .( [۱۲])
هذا من جهه ومن جهه أُخرى تعلّقت المشیئه والإراده الإلهیه أن تترک المنحرفین والضالّین ـ الذین اختاروا طریق الانحراف والضلاله بإرادتهم، وحرموا أنفسهم من الاستفاده من المراتب العلیا للهدایه العامهـ لحالهم وهذا ما سبب ضلالهم وانحرافهم بصوره أشدّ، لأنّه کلّما توغّل الإنسان فی الانحراف ازداد بعداً عن الحقّ، وهکذا کلّما خطا خطوه فی طریق الانحراف فلا یزیده ذلک السیر إلاّ بعداً عن الهدف الذی أراده اللّه له. إذاً صحیح أنّ اللّه ( یضلّ من یشاء ) ولکن مَن هم هؤلاء الذین یرید اللّه ضلالهم وعدم هدایتهم؟ القرآن المجید یجیب عن هذا التساؤل قائلاً:
( …وَما یُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقینَ ) .( [۱۳])
وفی آیه أُخرى:
( …فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ… ) .( [۱۴])
نعم أنّ اللّه قادر على أن یأخذ بأعناق الجمیع إلى طریق الهدایه والصراط المستقیم وأن یجبرهم على طی هذا الطریق حیث یقول سبحانه:
( وَلَوْ شِئْنا لآتَیْنا کُلَّ نَفْس هُداها… ) .( [۱۵])
ولکن فی هذه الحاله لا یکون الإنسان إنساناً، بل یتحوّل إلى آله میکانیکیه، لا تعمل بإرادتها ومشیئتها وإنّما عملها وحرکتها تابع لإراده العامل الفنّی المشرف علیها، فمتى شاء ضغط على زر التشغیل فتعمل ومتى شاء أطفأها، وانّها لا تملک القدره على العصیان أو التمرّد أمام إراده العامل القاهره لها، وکذلک یصبح الإنسان عاجزاً أیضاً عن الصمود أمام الغرائز الکامنه فیه، ولذلک سیضطر لتکییف نفسه مع تلک الغرائز والمیول وینظم حیاته على أساسها حاله فی ذلک حال النحل، أو دوده القز أو….
ولکن شاء اللّه تعالى أن یکون الإنسان إنساناً ومخلوقاً خاصاً له إرادته ومشیئته واختیاره وحریته الکامله التی منحها اللّه تعالى له، لیتمکّن من خلال وضعها فی الموضع المناسب أن ینطلق بنفسه إلى قمه هرم الکمال والرقی الإنسانی والسمو المعنوی.
وفی الختام إذا أردنا أن نقرّب الفکره بمثال عرفی یمکن لنا أن نشبه لحن وطریقه الخطاب القرآنی فی الآیات المذکوره، بلحن وطریقه مخاطبه المعلم لتلامذته حیث یقول لهم: أنا قد بیّنت لکم الدرس بصوره واضحه وأزلت من إمامکم کلّ حالات الغموض والإبهام الموجوده فی الماده، فما بقی علیکم إلاّ المثابره والجد والدراسه على أحسن وجه، فمن یفعل منکم ذلک فسأمنحه الدرجه الکامله، و أُفیض علیه عطایا أُخرى حسب إرادتی ومشیئتی.
فمن الواضح هنا أنّ المعلم قد ربط مسأله الفیض على الطالب أو عدم الفیض بإرادته ولکنّه فی نفس الوقت لاحظ صلاحیات الطالب ومواهبه واستعدادته ومدى استفادته من الجهود التی بذلها الأُستاذ فی بیان الدرسی وتوضیحه.( [۱۶])
[*] . إبراهیم: ۴٫
[**] . النحل: ۹۳٫
[***] . فاطر: ۸٫
[۱] . طه: ۵۰٫
[۲] . الشورى: ۲٫
[۳] . الإسراء: ۹٫
[۴] . الرعد: ۲۷٫
[۵] . الشورى: ۱۳٫
[۶] . الصف: ۵٫
[۷] . إبراهیم: ۲۷٫
[۸] . الأُصول الأصیله للفیض القاسانی: ۱۴۸٫
[۹] . الإنسان: ۳٫
[۱۰] . البلد: ۱۰٫
[۱۱] . محمد: ۱۷٫
[۱۲] . العنکبوت: ۶۹٫
[۱۳] . البقره: ۲۶٫
[۱۴] . الصف: ۵٫
[۱۵] . السجده: ۱۳٫
[۱۶] . منشور جاوید:۴/۳۷۸ـ ۳۸۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.