حریه الإنسان ومسأله السعاده والشقاء الذاتی
إنّ الإجابه عن هذه الإشکالیه تقتضی أن نأتی بالآیات التی تحدّثت عن مسأله «السعاده والشقاء» و دراستها وبحثها دراسه معمّقه، لیتّضح الجواب بصوره شفافه وجلیه.
ومن هذه الآیات:
۱٫ یصنّف القرآن الکریم الناس یوم القیامه إلى صنفین حیث قال سبحانه:
( یَوْمَ یَأْتِ لا تَکَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّبِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِیٌّ وَسَعِیدٌ ) .( [۱])
ثمّ تعرّض القرآن الکریم لبیان عاقبه ونتیجه کلّ من الطائفتین وثوابهم وجزائهم حیث قال سبحانه:
( فَأَمّا الَّذِینَ شَقُوا فَفِی النّارِ لَهُمْ فِیها زَفِیرٌ وَشَهِیقٌ * خالِدینَ فِیها مادامَتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّکَ إِنَّ رَبَّکَ فَعّالٌ لِما یُریدُ * وَأَمّا الَّذِینَ سُعِدُوا فَفِی الجَنَّهِ خَالِدینَ فِیها مَا دامتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شَاءَ رَبُّکَ عَطاءً غَیْرَ مَجْذُوذ * فَلا تَکُ فِی مِرْیَه مِمّا یَعْبُدُ هؤلاءِ مَا یَعْبُدُونَ إِلاّ کَما یَعْبُدُ ءاباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِیبَهُمْ غَیْرَ مَنْقُوص ) .( [۲])
ولا ریب انّ الآیات الکریمه ناظره إلى بیان العاقبه الحمیده لتلک الطائفه من المؤمنین الذین أعملوا إرادتهم ـ وبحریه کامله ـ فی العمل الصالح ونیل تلک العاقبه الحمیده، بمعنى أنّ عاقبه الإنسان ـ سواء کانت حمیده أو کانت سیّئه ـ مقرونه بعمله وفعله وأنّ سعادته وشقاءه مرهونان بنوع الفعل وطبیعه العمل الذی یقوم به فی هذه الحیاه. ومن المعلوم أنّه لا یوجد أدنى إشاره إلى حاله الجبر أو الضغط على الإنسان لاختیار طریق محدّد.
۲٫ الآیه الثانیه تشیر إلى أنّ المجرمین یعلّلون سبب عاقبتهم التعیسه یوم القیامه بغلبه «الشقاء علیهم» وانّهم یعلمون بتلک العاقبه السیئه فی الحیاه الدنیا، ولذلک ما کان بإمکانهم الخلاص منها والنجاه من مخالب تلک النتیجه الحتمیه، حیث قال سبحانه حاکیاً عنهم قولهم:
( أَلَمْ تَکُنْ آیاتِی تُتْلى عَلَیْکُمْ فَکُنْتُمْ بِها تُکَذِّبُونَ * قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا وَکُنّا قَوْماً ضالّینَ ) .( [۳])
والآن لابدّ من بیان ما هو المراد من «الشقاء الدنیوی» الذی غلب على هذه الطائفه من الناس؟ إذ ممّا لا ریب فیه أنّ هؤلاء قد علّلوا تلک العاقبه السیئه بغلبه الشقوه علیهم فی الحیاه الدنیا. وهذا یقتضی منّا أن ندرس القضیه بإمعان لنرى ماذا یعنون من الشقاء الذی غلب علیهم؟ هل انّهم یرون ذلک نتیجه طبیعیه لأعمالهم التی کانوا یقومون بها، أو انّهم یرون الشقاء أمراً ذاتیاً لهم وملازماً لخلقهم ووجودهم ولا علاقه له بعملهم من قریب ولا من بعید؟
إنّ ذیل الآیه الکریمه یبیّن لنا أنّهم فی الواقع یعتقدون انّ هذا الشقاء أمر مکتسب وناتج عن عملهم الذی یقومون به فی الحیاه الدنیا وانّ عملهم هذا هو الذی أوصلهم إلى هذه النتیجه البائسه والشقاء، حیث قال سبحانه:
( رَبّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ ) .( [۴])
ومن المعلوم أنّ طلبهم العوده إلى الحیاه الدنیا ومنحهم الفرصه للعوده مره أُخرى لتصحیح ما صدر منهم، واعترافهم بأنّهم إن عادوا مرّه أُخرى لنفس أعمالهم السیّئه فهم مقصّرون وظالمون، فإنّ کلّ ذلک یحکی وبوضوح تام أنّهم یرون أنّ شقاءهم وسعادتهم مرتهن بنوع العمل الذی یقومون به، وأنّه یمثّل النتیجه الطبیعیه لأفعالهم، وأنّهم بإمکانهم تبدیل مصیرهم حسب ما یشاءُون ویرغبون، ولو کانوا یرون أنّ عاقبتهم معلوله للشقاء الذی غلب علیهم والذی لا یمکن بحال من الأحوال تغییره وتبدیله، فحینئذ یکون طلبهم العوده إلى الحیاه الدنیا والتعهد بعدم العوده للعمل الباطل، لغواً لا معنى له.
لأنّ المفروض أنّ صوره الخلق فی الحالتین واحده وأنّه لا خلاف بینهم فی هذا القسم، ولذلک نرى الإمام الصادق(علیه السلام) یصرّح فی تفسیر الآیه بقوله: «بأعمالهم شقوا».( [5]) إلى هنا اتّضح جلیاً مفاد الآیتین، وأنّ الشقاوه الذاتیه التی تلازم الإنسان منذ اللحظه الأُولى لولادته ولا یمکنه الخلاص منها لا معنى لها حسب الرؤیه القرآنیه، وأنّ القرآن ینفی ذلک ویربط القضیتین«السعاده والشقاء» بعمل الإنسان ومنهجه الذی یعتمده فی الحیاه الدنیا، إن کان صالحاً فهو فی الآخره من السعداء، وإن کان عمله سیّئاً فهو فی الآخره من الأشقیاء.
إذا عرفنا النظریه القرآنیه فی هذا المجال نعطف عنان القلم لدارسه بعض الروایات التی قد یستفاد منها ـ ظاهراً ـ الشقاوه الذاتیه وکذلک السعاده، لندرسها ونرى ما ترمی إلیه هذه الروایات التی منها:
۱٫ روی عن رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) أنّه قال: «الَشَّقِیُّ مَنْ شَقِیَ فی بَطْنِ أُمّهِ».( [6])
۲٫ «النّاسُ مَعادِنٌ کَمَعادِنِ الذَّهَبِوَالْفِضَّهِ». ( [7])
إنّ الحدیث الأوّل ـ على فرض التسلیم بصحّه سنده ـ ناظر إلى الصفات الوراثیه التی یحملها الطفل وتنتقل إلیه من أبویه، لأنّ الصفات الموروثه للأطفال لا تختص بالصفات البدنیه والجسمیه فقط، بل تعمّ الصفات الأخلاقیه کالفضائل النفسیه والأخلاقیه أو الرذائل النفسیه; فالطفل الذی تنعقد نطفته من أبوین مریضین بدنیاً وأخلاقیاً لا ریب أنّه سیتأثر ومنذ اللحظه الأُولى بذلک الأمر، ویکون ذلک العامل مقدّمه أو مقدّمات لتوفیر الأرضیه المناسبه للشقاء والتعاسه (نعم نقول: إنّه یوفّر الأرضیه المناسبه للسعاده أو الشقاء لا انّه یمثل العلّه التامه لذلک). وعلى العکس من ذلک الطفل الذی تنعقد نطفته من أبوین سالمین بدنیاً وأخلاقیاً فإنّه وبلا ریب ستتوفّر له الأرضیه المناسبه للسعاده والنجاح.
إذاً فبما انّ الصفات الأخلاقیه والنفسیه من الأُمور التی تورث وتُعدّ بمثابه الأرضیه المساعده للشقاء أو السعاده، ولیست هی العلّه التامّه لهما، فبالطبع انّ ذلک لا یستلزم حینئذ أی نوع من الجبر والحتمیه التی لا تنفک عن الإنسان ولا یمکنه التخلّص منها.
وأمّا الحدیث الثانی فإنّه فی الواقع ناظر إلى بیان حقیقه أُخرى لا علاقه لها بالشقاء أو السعاده وهذه الحقیقه هی انّ الحدیث یحاول الترکیز على نقطه مهمه وهی انّ الناس یختلفون من ناحیه الاستعدادات والمواهب الکمالیه مثلهم مثل الذهب والفضه فی الخلق، فإنّ الصفات الکامنه فی الذهب غیر الصفات الکامنه فی الفضه وغیرها من المعادن، وأنّ کلّ مخلوق فی الواقع خلق للقیام بمهمه خاصه وتنفیذ ما یراد منه بمقدار ما منح من الاستعدادات والمواهب والصفات.
وفی الختام نشیر إلى الحدیث المروی عن الإمام الکاظم(علیه السلام) فی هذا المجال:
عن محمد بن أبی عمیر قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(علیهما السلام) عن معنى قول رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : «الشَّقِیُّ مَنْ شَقِیَ فی بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعیدُمَنْ سَعِدَ فی بَطْنِ أُمّهِ» فقال: «الشقی من علم اللّه وهو فی بطن أُمّه أنّه سیعمل أعمال الأشقیاء، والسعید من علم اللّه وهو فی بطن أُمّه أنّه سیعمل أعمال السعداء».
قلت له: فما معنى قوله(صلى الله علیه وآله وسلم) : «اعملوا فکلّ میسّر لما خلق له»؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس لیعبدوه ولم یخلقهم لیعصوه، وذلک قوله عزّ وجلّ: ( وَما خَلَقت الجنّ والإِنس إِلاّ لیعبدُون ) ، فیسّر کلاً لما خلق له، فالویل لمن استحب العمى على الهدى»( [8]).( [9])
[۱] . هود: ۱۰۵٫
[۲] . هود:۱۰۶ـ ۱۰۹٫
[۳] . المؤمنون:۱۰۵ـ ۱۰۶٫
[۴] . المؤمنون: ۱۰۷٫
[۵] . توحید الصدوق: ۳۵۶٫
[۶] . توحید الصدوق:۳۵۶، وروح البیان:۱/ ۱۰۴٫
[۷] . الکافی:۸/۱۷۷، الحدیث۱۹۷; من لا یحضره الفقیه:۴/۳۸۰، الحدیث ۵۸۲۱٫
[۸] . توحید الصدوق:۳۵۶، الحدیث ۳٫
[۹] . منشور جاوید:۴/۳۸۵ـ ۳۸۸٫