طالوت وبنو إسرائیل

0

 
قال تعالى فی کتابه العزیز: ( وَلَقَدْ آتَیْنَا بَنِی إِسْرَائِیلَ الْکِتَابَ وَالْحُکْمَ وَالنُّبُوَّهَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّیِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِینَ * وَآتَیْنَاهُم بَیِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْیًا بَیْنَهُمْ إِنَّ رَبَّکَ یَقْضِی بَیْنَهُمْ یَوْمَ الْقِیَامَهِ فِیمَا کَانُوا فِیهِ یَخْتَلِفُونَ ) الجاثیه / ۱۶-۱۷٫
وقال تعالى: ( سَلْ بَنِی إِسْرَائِیلَ کَمْ آتَیْنَاهُم مِّنْ آیَهٍ بَیِّنَهٍ وَمَن یُبَدِّلْ نِعْمَهَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ ) البقره / ۲۱۱٫
وقال تعالى: ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِکُفْرِهِمْ فَقَلِیلاً مَّا یُؤْمِنُونَ ) البقره/ ۸۸٫
 
لا یجد المرء ـ ولن یجد ـ خیراً من الآیات القرآنیه، وکلمات الله سبحانه وتعالى دلیلاً وعوناً للوصول إلى الفکره والهدف..
لقد أفاض القران الکریم وأسهب فی تصویره لوضع بنی إسرائیل فی أکثر من مکان.
وإذا کانت الفکره التی ینبغی توضیحها والخبر الذی نودّ ذکره یتعلقان بأوضاع بنی إسرائیل، فلقد وجدت فی الآیات المذکوره أعلاه ما یکتفی المرء منه ـ ولو بإیجاز ـ لیفهم معاناه أنبیائهم معهم، وسوء حالهم، وإنکارهم لجمیل النِعَم وکثیر الخیر وإمهال الله لهم سبحانه وتعالى.
بل ولقد ذکرت الآیه الأولى بشکل شامل أوضاعهم فی أزمنه مختلفه وأحیان متفرقه..
فأشارت بوضوح إلى المتطلبات الاجتماعیه والسیاسیه والفکریه والعقیدیه والحیاتیه عموماً، والتی أمدّهم الله بها، سواء فی السرّاء والضرّاء وحین البأس، أم فی أوج عزّهم وملکهم وعصرهم الذهبی.
والحق یقال: إن تعداد ألوان الأذى الصادره منهم تجاه أنبیائهم لا یُحصى وان أدهى ما فی الأمر، ما أشار القران الکریم فی الآیه أعلاه ـ وفی أکثر من موضع ـ من اختلافهم بعد العلم، ومن ضلالتهم بعد ما جاءهم الهدى..
قال صاحب التفسیر المبین (رحمه الله) فی تفسیر قوله تعالى : (…وَآتَاکُم مَّا لَمْ یُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِینَ): (لا لشیء إلا للمبالغه فی تثبیت الحجه علیهم (على بنی إسرائیل) وتوکیدها وإلزامهم بها، لقسوتهم ورسوخهم فی الضلال والمعانده والمکابره. فقد نصرهم سبحانه على فرعون بلا قتال، وأطعمهم المنّ والسلوى بلا کفاح، وسقاهم الماء بلا حفر آبار وشقّ اقنیه، ومع ذلک کله تمرّدوا على المنعم بدلاً من أن یشکروه، وقتلوا أنبیاءه ورُسُله، والرسول لا یقتل عند جمیع الدول)(۱).
ومع ذلک.. فقد کان بعضهم یفیء إلى الله بین الفینه والأخرى، ویدرک مدى الانحراف الذی أوغل فیه فیعتبر بالعقاب الإلهی على جرائمه فیرجو الله سبحانه أن یغیّر ما بقومه. وفی کل مره کان الرحمن ـ یجیب الدعاء فیلقی الحجه على القوم من جدید لعلهم إلیه یرجعون.
 
التیه:
من الجدیر بالذکر أن الله سبحانه کان قد حکم على بنی إسرائیل بالتیه وحرّم علیهم الأرض المقدسه أربعین عاماً فی عهد موسى ( علیه السلام ). قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ یَا قَوْمِ اذْکُرُواْ نِعْمَهَ اللّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ جَعَلَ فِیکُمْ أَنبِیَاء وَجَعَلَکُم مُّلُوکًا وَآتَاکُم مَّا لَمْ یُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِینَ * یَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَهَ الَّتِی کَتَبَ اللّهُ لَکُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِکُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِینَ ) المائده / ۲۰ ـ ۲۱٫
وکعادتهم تخاذلوا ورفضوا مواجهه أعدائهم العمالقه بحجه قوتهم وکثره عددهم: ( قَالُواْ یَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِیهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّکَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) المائده / ۲۴ , فکان أن غضب الله علیهم و… (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَهٌ عَلَیْهِمْ أَرْبَعِینَ سَنَهً یَتِیهُونَ فِی الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِینَ) المائده/ ۲۶٫
ها هم إذن قد رفضوا الانصیاع لأمر نبیهم والقتال فی سبیل الله وجهاد أعدائه لدخول فلسطین، واستهزؤوا بنبیهم وقالوا کلمه الکفر (اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّکَ فَقَاتِلا…).
وبعد هذه السنین الطویله من الضیاع والفراغ والدوران فی الحلقه المفرغه فی الصحراء، بان الأمر قاسیاً إلى حدٍّ لا یستغرب معه المرء تغیّر العقول وتبدّل النفوس، بل ولعلّ ذلک کان بمثابه دوره تدریبیه طویله الأمد یتخرج منها أُناس صُقِلت نفوسهم وتهذبت، وشُحنت بدفعات روحیه سببها الشعور بالندم على الذنب والمعصیه، ومراره الألم من العقاب الإلهی الطویل، مع الأخذ بعین الاعتبار تولّد الجیل الطامح إلى التغییر، تغییر ما بآبائهم من خلال تغییر ما بأنفسهم هم، وهذا یکون حافزاً ـ ولا شک ـ لفعل کل ما یغایر موقف الآباء؛ ولدفع کل ما تسبب (بالمأساه الطویله) والعذاب النفسی الأشدّ إیلاماً من العذاب الجسدی.
ومع موت الجیل المتخاذل الذی تعرّض للعقوبه، وتوریثه الحسره والندامه لجیل آخر ألقى على عاتقه مسؤولیه محوِ ما قد سلف، ومع ملاحَظه هذا الجیل لحاله الذلّ والهوان التی یفرضها علیه أعداؤه، وما یقومون به من تشرید لبنی إسرائیل وسبیهم لنسائهم والذراری، وتزامن ذلک مع موت هارون ومن بعده موسى (علیه السلام)، وفقدان الکتاب المقدس والتابوت وما فیه، وما یرمز إلیه من النصر والبرکه والتوفیق للقوم، مع کل ذلک تبدأ مرحله جدیده من تاریخ بنی إسرائیل.

الخروج من التیه:
قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِی إِسْرَائِیلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِیٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِکًا نُّقَاتِلْ فِی سَبِیلِ اللّهِ . . .) البقره / ۲۴۶ , ولکن ذلک النبی (علیه السلام ) ـ وهو یوشع بن نون أو شموئیل وهو الأعرف (۲) ـ یخشى أن یغلب الطبع منهم على التطبع، فهو یتوقع منهم أن (یعودوا لسیرتهم الأولى): الجبن والتخاذل وحب الدنیا ومعصیه الله وأنبیائه.
( . . . قَالَ هَلْ عَسَیْتُمْ إِن کُتِبَ عَلَیْکُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِی سَبِیلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِیَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا کُتِبَ عَلَیْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِیلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِیمٌ بِالظَّالِمِینَ ) البقره / ۲۴۶٫ ورغم ما توقّعه نبیهم (علیه السلام) منهم، ورغم علم الله سبحانه بذوات صدورهم استجاب لهم وأمدّهم بنعمه وبعث لهم ملکاً..
وکانوا قد اعتادوا على انحصار النبوه فی ذریه لاوی ـ وهو من أبناء یعقوب (علیه السلام) ـ ، وعلى انحصار الملک والسلطان فی ذریه یوسف بن یعقوب (علیه السلام) لاعتبارات خاصه کما یقال..
 
طالوت الملک:
فلما بعث الله طالوت ملکاً علیهم ارتبکوا واعترضوا: فلا هو ذا مال ولا من ذریه یوسف (علیه السلام) بل هو من نسل بنیامین بن یعقوب کما قیل!
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِیُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَکُمْ طَالُوتَ مَلِکًا قَالُوَاْ أَنَّى یَکُونُ لَهُ الْمُلْکُ عَلَیْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْکِ مِنْهُ وَلَمْ یُؤْتَ سَعَهً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَیْکُمْ وَزَادَهُ بَسْطَهً فِی الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ یُؤْتِی مُلْکَهُ مَن یَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِیمٌ) البقره / ۲۴۷ . وعندما لم یقتنع القوم بالمؤهلات التی آتاه الله إیاه، طلبوا المعجزه التی تؤید تعیینه علیهم ویرتاحون إلیها:
(وَقَالَ لَهُمْ نِبِیُّهُمْ إِنَّ آیَهَ مُلْکِهِ أَن یَأْتِیَکُمُ التَّابُوتُ فِیهِ سَکِینَهٌ مِّن رَّبِّکُمْ وَبَقِیَّهٌ مِّمَّا تَرَکَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِکَهُ إِنَّ فِی ذَلِکَ لآیَهً لَّکُمْ إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ) البقره / ۲۴۸٫ وهکذا تتجه أمور القوم نحو السکینه والاستقرار، فتبدو أکثر وضوحاً: مَلِک مصطفى من الله، زاده الله بسطه فی العلم والجسم، یعضده نبی من أنبیاء الله، یقود جیشاً قد ورث مالا یورث، ویطمح القوم إلى أمر ولکنهم یقولون ما لا یفعلون.
وهنا یبدأ طالوت بإعداد الجیش لمواجهه الامتحانات المقرره له قبل مواجهه الأعداء، فیدرّبه ویجهّزه بما یحتاج إلیه من خبره وعُدّه وعدد. وتأتی ساعه الامتحان التی تُظهر مقدار إلتزام القوم وطاعتهم للقیاده التی اصطفاها الله لهم, یقول تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِیکُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَیْسَ مِنِّی وَمَن لَّمْ یَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّی إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَهً بِیَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِیلاً مِّنْهُمْ…) البقره / ۲۴۹ .
وهکذا سقط من سقط فی الامتحان الأول، لیخضع الباقون لامتحان آخر أکبر صعوبه، وأشدَّ وقعاً:
(… فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِینَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَهَ لَنَا الْیَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ کَم مِّن فِئَهٍ قَلِیلَهٍ غَلَبَتْ فِئَهً کَثِیرَهً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِینَ * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَیْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْکَافِرِینَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْکَ وَالْحِکْمَهَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا یَشَاء…) البقره / ۲۴۹-۲۵۱ .
وبالفعل وحیث ان الإیمان درجات، فقد تمیّز أصحاب طالوت بعد امتحان النهر، کما تمیّزوا أیضاً عند ملاقاتهم لجالوت وجنوده فثبت أهل الإخلاص فی الشدائد کما فی السراء، سواءً بسواء.
ولکن ما زال هنالک ابتلاء آخر أشار إلیه القرآن إشاره سریعه بقوله تعالى: ( وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) إذ إن جالوت لم یقتل فی المعرکه ، وإنّما طلب البراز فأحجم القوم جمیعاً ویضمنهم الصفوه الصامده.
وبدأ عصر داود (علیه السلام). ولکنه بدأ من حیث انتهى الآخرون، فلقد أقدم حین انهزم الأبطال وارتعدت فرائص الرجال، وبرز لجالوت فرجمه کما یرجم النبیون الشیاطین، وقتله ، ففاز بسعاده الدنیا والآخره، حیث أضحى بعدها صهر الملک طالوت ـ کما فی الروایات ـ التی تقول بأنّه وعد مبارز جالوت بأن یزوجه ابنته ویجعله ملکاً على بنی إسرائیل. وجمع الله الملک والنبوه فی شخص داود وعلّمه مما یشاء ( کصنع الدروع وکلام الطیر والنمل ) ، وصار له بقتل جالوت من الشهره والسمعه ما ورث به ملک بنی إسرائیل(۳) وبذلک بدأت مرحله العصر الذهبی لبنی إسرائیل بإقامه أول دوله یقودها ویؤسسها نبی وهو داود الأوّاب (علیه السلام)، کما وصفه القرآن الکریم .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.