التوحید فی الذات ۲
أدله الوحدانیه
۱ـ التعدد یستلزم الترکیب
لو کان هناک واجب وجود آخر لتشارک الواجبان فی کونهما واجبی الوجود ،
فلابدّ من تمیّز أحدهما عن الآخر بشیء وراء ذلک الأمر المشترک ، کما هو الحال فی
کل مِثْلین . وذلک یستلزم ترکب کل منهما من شیئین : أحدهما یرجع إلى ما به
الاشتراک ، والآخر إلى ما به الامتیاز . والمرکب بما أنّه محتاج إلى أجزائه لا یکون
متصفاً بوجوب الوجود ، بل یکون ـ لأجل الحاجه ـ ممکناً ، وهو خلاف الفرض.
وباختصار : لو کان فی الوجود واجبان ، للزم إمکانهما ؛ وذلک أنّهما یشترکان فی
وجوب الوجود ، فإن لم یتمیزا لم تحصل الإثنینیه ، وإن تمیّزا لزم ترکب کل واحد
منهما ممّا به المشارکه و ما به الممایزه ، وکل مرکب ممکن ، فیکونان ممکنین ، وهذا
خلاف الفرض.
________________________________________
(۱۵)
۲ـ الوجود اللامتناهی لا یقبل التعدد
هذا البرهان مؤلف من صغرى و کبرى ، والنتیجه هی وحده الواجب وعدم
إمکان تعدده . وإلیک صوره القیاس حتى نبرهن على کل من صغراه وکبراه.
وجود الواجب غیر متناه.
وکل غیر متناه واحد لا یقبل التعدد.
فالنتیجه : وجود الواجب واحدٌ لا یقبل التعدد.
وإلیک البرهنه على کل من المقدمتین.
أمّا الصغرى: فإنَّ محدودیه الموجود ملازمه لتَلَبُّسه بالعدم . ولأجل تقریب
هذا المعنى ، لاحظ الکتاب الموضوع بحجم خاص ، فإنک إذا نظرت إلى أی
طرف من أطرافه ترى أنّه ینتهی إلیه وینعدم بعده . ولا فرق فی ذلک بین صغیر
الموجودات وکبیرها ، حتى أنَّ جبال الهملایا مع عظمتها ، محدوده لا نرى أی أثر
للجبل بعد حده . وهذه خصیصه کل موجود متناه زماناً أو مکاناً او غیر ذلک .
فالمحدودیه والتلبس بالعدم متلازمان.
وعلى هذا الأساس لا یمکن اعتبار ذاته سبحانه محدوده ؛ لأنّ لازم
المحدودیه الانعدام بعد الحد کما عرفت ، وما هو کذلک لایکون حقاً مطلقاً مائه
بالمائه ، بل یلابسه الباطل والانعدام . مع أنَّ الله تعالى هو الحق المطلق الذی لا
یدخله باطل . والقرآن الکریم یصف وجوده سبحانه بالحق المطلق ، وغیره بالباطل ،
وما هذا إلا لأَنّ وجود غیره وجود متلبس بالعدم والفناء ، وأمّا وجود الله تعالى فطارد لکل
عدم وبطلان . قال عَزّ مِنْ قائل :{ ذَلِکَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا یَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ
الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ }(۱).
وبتقریر آخر : إنَّ عوامل المحدودیه تتمحور فی الأمور التالیه:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره الحج: الآیه ۶۲٫
________________________________________
(۱۶)
۱ـ کونُ الشیء محدوداً بالماهیه ومزدوجاً بها ؛ فإنّها حد وجود الشیء .
والوجود المطلق بلا ماهیه غیر محدَّد ولا مقید ، وإنّما یتحدد بالماهیه.
۲ـ کون الشیء واقعاً فی إطار الزمان ، فهذا الکم المتصل (الزمان) یحدد
وجود الشیء فی زمان دون آخر.
۳ـ کون الشیء فی حیز المکان ، وهو أیضاً یحدد وجود الشیء ویخصه
بمکان دون آخر.
وغیر ذلک من أسباب التحدید والتضییق . والله سبحانه وجود مطلق غیر
محدد بالماهیه إذ لا ماهیه له ، کما سیوافیک البحث عنه . کما لا یحویه زمان ولا
مکان . فتکون عوامل التناهی معدومه فیه ، فلا یتصور لوجوده حد ولا قید ، ولا یصح
أن یوصف بکونه موجوداً فی زمان دون آخر ، أو مکان دون آخر . بل وجوده أعلى وأنْبَل
من أن یتحدّد بشیء من عوامل التناهی.
وأمّا الکبرى : فهی واضحه بأدنى تأمل ؛ وذلک لأنّ فرض تعدد اللامتناهی
یستلزم أن نعتبر کل واحد منهما متناهیاً من بعض الجهات حتى یصح لنا أن نقول هذا
غیر ذاک . ولا یقال هذا إلاّ إذا کان کل واحد متمیزاً عن الآخر ، والتَّمُیّز یستلزم أن لا
یوجد الأوّل حیث یوجد الثانی ، وکذا العکس . وهذه هی « المحدودیه » ، وعین
« التناهی » ، والمفروض أنّه سبحانه غیر محدود ولا متناه.
والله سبحانه لأجل کونه موجوداً غیر محدود ، یصف نفسه فی الذکر
الحکیم بـ{ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(۱) . وما ذلک إلا لأَنّ المحدود المتناهی
مقهور للحدود والقیود الحاکمه علیه ، فإِذا کان قاهراً من کل الجهات لم
تتحکم فیه الحدود ، فکأن اللامحدودیه تلازم وصف القاهریه ، وقد عرفت أنَّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره الرعد: الآیه ۱۶٫
________________________________________
(۱۷)
ما لا حدّ له یکون واحداً لا یقبل التعدد . فقوله سبحانه ، وهو الواحد
القهار ، من قبیل ذکر الشیء مع البینه والبرهان.
قال العلامه (الطباطبائی) : « القرآن ینفی فی تعالیمه الوحده العددیه
عن الإِله جلَّ ذکره ؛ فإِنّ هذه الوحده لا تتم إلاّ بتمیّز هذا الواحد ، من ذلک
الواحد ، بالمحدودیه التی تقهره . مثال ذلک ماء الحوض إذا فرّغناه فی أوان
کثیره یصیر ماءُ کلّ إناء ماءً واحداً غیر الماء الواحد الذی فی الإِناء الآخر ،
وإِنّما صار ماءً واحداً یتمیّز عمّا فی الآخر لکون ما فی الآخر مسلوباً عنه ، غیر
مجتمع معه ، وکذلک هذا الإنسان إنّما صار إنساناً واحداً ؛ لأنّه مسلوب عنه ما
للإنسان الآخر ، وهذا إنْ دلّ فإنّما یدل على أنَّ الوحده العددیه إنّما تتحقق
بالمقهوریه والمسلوبیه أی قاهریه الحدود ، فإذا کان سبحانه قاهراً غیر مقهور ،
وغالباً لا یغلبه شیء لم تتصور فی حقه وحده عددیه ، ولأجل ذلک نرى أنَّهُ
سبحانه عندما یصف نفسه بالواحدیه یتبعها بصفه القاهریه حتى تکون الثانیه
دلیلاً على الأُولى ـ قال سبحانه:
{ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَیْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(۱) ، وقال: { وَمَا
مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(۲) ، وقال: { لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ یَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا
یَخْلُقُ مَا یَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(۳).
وباختصار: إنَّ کلاً من الوحده العددیه کالفرد الواحد من النوع ، أو
الوحده النوعیه کالإنسان الذی هو نوع واحد فی مقابل الأنواع الکثیره ،
مقهور بالحد الذی یمیز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله ، فإذا کان تعالى لا
یقهره شیء ، وهو القاهر فوق کل شیء فلیس بمحدود فی شیء ، فهو موجود لا
یشوبه عدم ، وحق لا یعرضه بطلان ، وحی لا یخالطه موت ، وعلیم لا یدبّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره یوسف: الآیه ۳۹٫
(۲) سوره ص: الآیه ۶۵٫
(۳) سوره الزمر: الآیه ۴٫
________________________________________
(۱۸)
إلیه جهل ، وقادر لا یغلبه عجز ، وعزیز لا یتطرق إلیه ظلم ، فله تعالى من
کل کمال محضه» (1).
ومن عجیب البیان ما نقل عن الإِمام الثامن (علی بن موسى الرضا)
ـ علیه السَّلام ـ فی هذا المجال فی خطبه ألقاها على جماعه من العلماء ، وقال
فی ضمن تحمیده سبحانه:
« لَیْسَ لَهُ حَدٌّ ینتهی إلى حَدِّه ، ولا له مِثْلٌ فیُعرَف مثله » (2).
ترى إِنَّ الإِمام ـ علیه السَّلام ـ بعدما نفى الحد عن الله ، أتى بنفی
المِثْل له سبحانه ، لارتباط وملازمه بین اللامحدودیه ونفی المثیل ، والتقریر
ما قد عرفتَ.
۳ـ صِرف الوجود لا یتثنى ولا یتکرر
إِنَّ هذا البرهان مرکب من صغرى وکبرى على الشکل التالی:
الله سبحانه وجود صِرْف.
وکل وجود صرف واحد لا یتثنّى ولا یتکرّر.
فالنتیجه : الله سبحانه واحدٌ لا یتثنِّى ولا یتکرَّر.
أمّا الصغرى فإلیک بیانها :
أثبتت البراهین الفلسفیه أنَّهُ سبحانه منزَّه عن الماهیه التی تحد
وجوده . وتحلیله یحتاج إلى بیان دور الماهیه فی وجود الشیء فنقول: کل ما
یقع فی أُفق النظر من الموجودات الإمکانیه ، فهو مؤلف من وجود هو رمز عینیته
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) المیزان : ج ۶، ص ۸۸ ـ ۸۹ بتلخیص.
(۲) توحید الصدوق : ص ۳۳٫
________________________________________
(۱۹)
فی الخارج ، وماهیه تحد الوجود ، وتبین مرتبته فی عالم الشهود والخارج .
مثلاً : الزَّهره الماثله أمام أعیننا ، لها وجود به تتمثل أمام نظرنا ، ولها ماهیه
تحددها بحد النباتیه ، وتمیزها عن الجماد والحیوان . ولأجل ذلک الحد
نحکم علیها أنّها قد ارتقت من عالم الجماد ولم تصل بعد إلى عالم
الحیوان . وبذلک تعرف أنّ واقعیه الماهیه هی واقعیه التحدید . هذا من جانب.
ومن جانب آخر ، الماهیه إذا لوحظت من حیث هی هی ، فهی غیر
الوجود کما هی غیر العدم . بشهاده أنّها توصف بالأوّل تاره ، وبالثانی أُخرى ،
ویقال: النبات موجود ، کما یقال : غیر موجود . وهذا یوضح أنّ مقام الحد
والماهیه مقام التخلیه عن الوجود والعدم ، بمعنى أنّ الإنسان عند النظر إلى
ذات الشیء یراه عاریاً عن کل من الوجود والعدم . ثمّ یصفه فی الدرجه
الثانیه بأحدهما . وأمّا وجه کون الشیء فی مقام الذات غیر موجود ولا معدوم ؛
فلأجل أنّه لو کان فی مقام الذات والماهیه موجوداً ـ سواء أکان الوجود جُزْءَه
أو عَیْنه ـ یکون الوجود نابعاً من ذاته ، وما هذا شأنه یکون واجب الوجود ،
یمتنع عروض العدم علیه ، کما أنّه لو کان فی ذلک المقام معدوماً ـ سواء
أکان العدم جزءه أو عینه ـ یکون العدم نفس ذاته ، وما هذا شأنه یمتنع علیه
عروض الوجود . فلأجل تصحیح عروض کل من الوجود والعدم لا مناص
عن کون الشیء فی مقام الذات خالیاً عن کلا الأمرین حتى یصح کونه
معروضاً لأحدهما . وإلى هذا یهدف قول الفلاسفه: « الماهیه من حیث هی
هی لا موجوده ولا معدومه» . ومع هذا کلِّه فهی فی الخارج لا تخلو إمّا أنْ
تکون موجوده أو معدومه . فالنبات والحیوان والإنسان فی خارج الذهن لا
تفارق أحد الوصفین . وبهذا تبین أنَّ اتصاف الماهیه بأحد الأَمرین یتوقف
على عله ، لکن اتصافها بالوجود یتوقف على عله موجوده ، ویکفی فی
اتصافها بالعدم ، عدم العله الموجوده . فاتصاف الماهیات بالأَعدام الأزلیه
________________________________________
(۲۰)
خفیف المؤونه ، بخلاف اتصافها بالوجود فإنّه رهن وجود عله حقیقیه
خارجیه.
وعلى ضوء هذا البیان یتضح أنّه سبحانه منزَّهٌ عن التحدید والماهیه ،
وإلاّ لزم أنْ یحتاج فی اتصاف ماهیته بالوجود إلى عله(۱). و ما هذا شأنه لا
یکون واجباً بل یکون ممکناً . وهذا یجرّنا إلى القول بأنَّه سبحانه صرف
الوجود المنزه عن کل حد.
وأماّ الکبرى فإلیک بیانها:
إن کل حقیقه من الحقائق إذا تجردت عن أی خلیط ، وصارت صِرفَ
الشیء لا یمکن أن تتثنّى وتتعدد ، من غیر فرق بین أن تکون صِرفَ الوجود ، أو
تکون وجوداً مقروناً بالماهیه کالماء والتراب وغیرهما . فإنَّ کل واحد منها إذا
لوحظ بما هو هو عاریاً عن کل شیء سواه لا یتکرر ولا یتعد . فالماء بما هو
ماء ، لا یتصور له التعدد إلاّ إذا تعدد ظرفه أو زمانه أو غیر ذلک من عوامل
التعدد والتمیز.
فالماء الصرف والبیاض الصرف والسواد الصرف ، و کل شیء صرف ،
فی هذا الأمر سواسیه . فالتعدد وإلاثنَیْنِیّه رهن اختلاط الشیء مع غیره.
وعلى هذا ، فإذا کان سبحانه ـ بحکم أنّه لا ماهیه له ـ وجوداً صِرفاً ،
لا یتطرق إلیه التعدد ؛ لأنّه فرع التمیز ، والتمیز فرع وجود غَیْرِیّه فیه ،
والمفروض خُلُوّه عن کل مغایر سواه ، فالوجود المطلق والتحقق بلا لون ولا
تحدید ، والعاری عن کل خصوصیه ومغایره ، کلما فرضْتَ له ثانیاً یکون
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) وهنا یبحث عن العله ماهی؟ أهی نفس الوجود العارض على الماهیه أو وجود آخر . فإن کان
الأوّل لزم الدور ، وإن کان الثانی لزم التسلسل . والتفصیل یؤخذ من محله . لاحظ الأسفار : ج ۱،
فصل فی أنّه سبحانه صِرْف الوجود.
________________________________________