الإمام السجّاد علیه السلام فی الأسر
إنّ البطوله التی أبداها الإمام السجاد علیه السلام بعد کربلاء ، وهو فی أسر الإعداء ، وفی الکوفه فی مجلس أمیرها ، وفی الشام فی مجلس ملکها ، لا تقلّ هذه البطوله أهمیّه ـ من الناحیه السیاسیه ـ عن بطوله المیدان ، وعلى الأقلّ : لا تقف تلک المواقف البطولیه من هالته المصارع الدامیه فی کربلاء ، أو فجعته التضحیات الجسیمه التی قدّمت أمامه ، ولا یصدر مثل تلک البطولات ممّن فضّل السلامه !
نعم ، لا یمکن أن یصدر مثل ذلک إلّا من صاحب قلب جسور ، صلب یتحمّل کلّ الآلام ، ویتصدى لتحقیق کلّ الآمال ، التی من أجلها حضر فی میدان کربلاء من حضر ، وناضل من ناضل ، واستشهد من استشهد ، والآن یقف ـ لیؤدّی دورا آخر ـ من بقی حیّا من أصحاب کربلاء ، ولو فی الأسر !
إن الدور الذی أدّاه الإمام السجاد علیه السلام ، بلسانه الذی أفصح عن الحق ببلاغه معجزه ، فأتم الحجه على الجمیع ، بکل وضوح ، وکشف عن تزویر الحکّام الظالمین ، بکل جلاء ، وأزاح الستار عن فسادهم وجورهم وانحرافهم عن الإسلام ، إن هذا الدور کان أنفذ على نظام الحکم الفاسد ، من أثر سیف واحد یجرّده الإمام فی وجه الظلمه ، إذ لم یجد معینا فی تلک الظروف الصعبه !.
لکنّه کان الشاهد الوحید ، الذی حضر معرکه کربلاء بجمیع مشاهدها ، من بدایتها ، بمقدّماتها وأحداثها وملابساتها وما تعقّبها ، وهو المصدّق الأمین فی کل ما یرویه ویحکیه عنها.
فکان وجوده استمرارا عینیّا لها ، وناطقا رسمیّا عنها.
مع أن وجوده ، وهو أفضل مستودع جامع للعلوم الإلهیه بکلّ فروع : العقیده ، والشریعه ، والأخلاق ، والعرفان ، بل المثال الکامل للإسلام فی تصرفاته وسیرته وسنته ، والناطق عن القرآن المفسّر الحیّ لآیاته ، إن وجوده ـ حیّا ـ کان أنفع للإسلام وانجع للمسلمین فی ذلک الفراغ الهائل ، والجفاف القاتل ، فی المجتمع الإسلامی.
کان وجوده أقضّ لمضاجع أعداء الإسلام من ألف سیف وسیف ، لأن الإسلام إنّما یحافظ علیه ببقاء أفکاره وقیمه ، والأعداء إنّما یستهدفون تلک الأفکار والقیم فی محاولاتهم ضدّه ، وإذا کان شخص مثل الإمام موجوداً فی الساحه ، فإنه ـ لا ریب ـ أعظم سدّ أمام محاولات الأعداء.
وکذلک الأعداء إنما یبادون بضرب أهدافهم ، واجتثاب بدعهم وفضح أحابیلهم ، والکشف عن دجلهم ، ورفع الأغطیه عن نیّاتهم الشرّیره تجاه هذا الدین وأهله ، والإفصاح عن مخالفه سیرتهم للحق والعدل.
وعلى ید الإمام السجاد علیه السلام یمکن أن یتمّ ذلک بأوثق شکل وأتمّ صوره ، وأعمق تأثیر.
ثمّ ، ألیس الجهاد بالکلمه واحدا من أشکال الجهاد ، وإن کان أضعفها ؟ بل ، إذا انحصر الامر به ، فهو الجهاد کلّه ، بل أفضله ، فی مثل مواقف الإمام السجاد علیه السلام ، کما ورد فی الحدیث الشریف ، عن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم : « أفضل الجهاد کلمه حقّ عند سلطان جائر » (1).
ولنصغ الى الإمام السجاد علیه السلام فی بعض تلک المواقف :
فمن کلام له علیه السلام کان یعلنه وهو فی أسر بنی أمیه :
« أیّها الناس ! إنّ کلّ صمت لیس فیه فکر فهو عیّ ، وکل کلام لیس فیه ذکر فهو هباء.
ألا ، وإنّ الله تعالى أکرم أقواما بآبائهم ، فحفظ الابناء بالآباء ، لقوله تعالى : ( وکان أبوهما صالحا ) [ سوره الکهف الآیه ۸۲ ] فأکرمهما.
ونحن ـ والله ـ عتره رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم ، فأکرمونا لأجل رسول الله ، لأن جدی رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم کان یقول فی منبره : « احفظونی فی عترتی وأهل بیتی ، فمن حفظنی حفظه الله ، ومن آذانی فعلیه لعنه الله ، ألا ، فلعنه الله على من آذانی فیهم » حتى قالها ثلاث مرات .
ونحن ـ والله ـ أهل بیت أذهب الله عنّا الرجس والفواحش ما ظهر منها وما بطن … » (2).
وبهذه الصراحه ، والقوه ، والبلاغه ، عرّف الإمام السجّاد علیه السلام للمتفرّجین ـ ولمن وراءهم ـ هذا الرکب المأسور ، الذی نبزوه بأنه رکب الخوارج !
ففضح الدعایات ، وأعلن بذلک أنه رکب یتألف من أهل بیت الرسول صلى الله علیه وآله وسلم.
وافصح بتلاوه الآیات والأحادیث ، أنه رکب یحمل القرآن والسنّه ، لیعرف المخدوعون أن هذا الرکب له ارتباط وثیق بالإسلام من خلال مصدریه الکتاب والسنّه.
وهو ـ من لسان هذین المصدرین ـ یصبّ اللعنه والنقمه على من آذى هذا الرکب ، من دون أن یمکّن الأعداء من التعرّض له ، لأنه علیه السلام إنّما یروی اللعنه الصادره من الرسول وعلى لسانه !
کان هذا الموقف ، حین أخذ الناس الوجوم ، من عظم ما جرى فی وقعه کربلاء ، وما حلّ بأهل البیت علیه السلام من التقتیل والأسر ، وذهلوا حینما رأوا الحسین سبط الرسول وأهله وأصحابه مجزّرین ! ویرون الیوم ابنه ، وعیالاته أسرى ، یساقون فی العواصم الإسلامیه.
والأسر ـ فی قاموس البشر ـ یوحی معانی الذلّ والهوان ، والضعف والأنکسار !
هذا ، والناس یفتخرون بالانتماء الى دین الرسول وسنته.
والأنکى من ذلک أنّ الجرائم وقعت ولمّا یمض على وفاه الرسول ـ جدّ هؤلاء الأسرى ـ نصف قرن من الزمن !!
وموقفه الآخر فی مجلس یزید ، فقد أوضح فیه عن هویّته الشخصیه ، فلم یدع لجاهل عذرا فی الجلوس المریب ، وذلک فی المجلس الذی أقامه یزید ، للأحتفال بنشوه الانتصار ولابدّ أنه جمع فیه الرؤوس والأعیان ، فانبرى الإمام السجاد علیه السلام ، فی خطبته البلیغه الرائعه ، التی لم یزل یقول فیها : « أنا … أنا … » معرّفا بنفسه ، وذاکراً أمجاد أسلافه « حتى ضجّ المجلس بالبکاء والنحیب » حسب تعبیر النص (۳) الذی سنثبته کاملاً :
خطبه الإمام فی مجلس یزید :
قال الخوارزمی : ( وروی ) أنّ یزید أمر بمنبر وخطیب ، لیذکر للناس مساویء الحسین وأبیه علی علیهما السلام.
فصعد الخطیب المنبر ، فحمد الله وأثنى علیه ، وأکثر الوقیعه فی علیّ والحسین ، وأطنب فی تقریظ معاویه ویزید.
فصاح به علی بن الحسین : ویلک أیّها الخاطب ! اشتریت رضا المخلوق بسخط الخالق ؟ فتبوّأ مقعدک من النار.
ثم قال : یا یزید ، إئذن لی حتى أصعد هذه الأعواد ، فأتکلّم بکلمات فیهنّ لله رضا ، ولهؤلاء الجالسین أجر وثواب.
فأبى یزید ، فقال الناس : یا أمیر المؤمنین ، ائذن له لیصعد ، فلعّلنا نسمع منه شیئاً.
فقال لهم : إن صعد المنبر هذا لم ینزل إلّا بفضیحتی وفضیحه آل أبی سفیان ، فقالوا : وما قدر ما یحسن هذا ؟
فقال : إنّه من أهل بیت قد زقّوا العلم زقّا.
ولم یزالوا به حتى أذن له بالصعود.
فصعد المنبر فحمد الله وأثنى علیه ، ثمّ خطب خطبه أبکى منها العیون ، وأوجل منها القلوب ، فقال فیها :
« أیّها الناس ، اُعطینا ستّاً ، وفضّلنا بسبع :
اُعطینا العلم ، والحلم ، والسماحه ، والفصاحه ، والشجاعه ، والمحبه فی قلوب المؤمنین. وفضّلنا بأنّ منّا النبی المختار محمّداً صلى الله علیه وآله وسلم ، ومنّا الصدّیق ، ومنّا الطیّار ، ومنّا أسد الله وأسد الرسول ، ومنّا سیّده نساء العالمین فاطمه البتول ، ومنّا سبطا هذه الاُمّه ، وسیّدا شباب أهل الجنّه.
فمن عرفنی فقد عرفنی ، ومن لم یعرفنی أنبأته بحسبی ونسبی :
أنا ابن مکّه ومنى.
أنا ابن زمزم والصفا.
أنا ابن من حمل الزکاه (۴) بأطراف الردا.
أنا ابن خیر من ائتزر وارتدى.
أنا ابن خیر من انتعل واحتفى.
أنا ابن خیر من طاف وسعى.
أنا ابن خیر من حجّ ولبّى.
أنا ابن من حُمل على البُراق فی الهوا.
أنا ابن من اُسری به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ، فسبحان من أسرى.
أنا ابن من بلغ به جبرائیل الى سدره المنتهى.
أنا ابن من دنى فتدلّى فکان من ربّه قاب قوسین أو أدنى.
أنا ابن من صلّى بملائکه السما.
أنا ابن من أوحى إلیه الجلیل ما أوحى.
أنا ابن محمد المصطفى.
أنا ابن علیّ المرتضى.
أنا ابن من ضرب خراطیم الخلق حتى قالوا : لا آله إلّا الله.
أنا ابن من ضرب بین یدی رسول الله بسیفین ، وطعن برمحین ، وهاجر الهجرتین ، وبایع البیعتین ، وصلّى القبلتین ، وقاتل ببدر وحنین ، ولم یکفر بالله طرفه عین.
أنا ابن صالح المؤمنین ، ووارث النبیّین ، وقامع الملحدین ، ویعسوب المسلمین ، ونور المجاهدین ، وزین العابدین ، وتاج البکّائین ، واصبر الصابرین ، وأفضل القائمین من آل یاسین ، ورسول ربّ العالمین.
أنا ابن المؤیّد بجبرائیل ، المنصور بمیکائیل.
أنا ابن المحامی عن حرم المسلمین ، وقاتل الناکثین والقاسطین والمارقین ، والمجاهد أعداءه الناصبین ، وأفخر من مشى من قریش أجمعین ، وأوّل من أجاب واستجاب لله ، من المؤمنین ، وأقدم السابقین ، وقاصم المعتدین ، ومبیر المشرکین ، وسهم من مرامی الله على المنافقین ، ولسان حکمه العابدین ، ناصر دین الله ، وولیّ أمر الله ، وبستان حکمه الله ، وعیبه علم الله ، سمح سخی ، بهلول زکیّ أبطحی رضی مرضی ، مقدام همام ، صابر صوّام ، مهذّب قوّام شجاع قمقام ، قاطع الأصلاب ، ومفرّق الأحزاب ، أربطهم جنانا ، وأطلقهم عناناً ، وأجرأهم لساناً ، وأمضاهم عزیمه ، وأشدّهم شکیمه ، أسد باسل ، وغیث هاطل ، یطحنهم فی الحروب ـ إذا أزدلفت الأسنه ، وقربت الأعنّه ـ طحن الرحى ، ویذروهم ذرو الریح الهشیم ، لیث الحجاز ، صاحب الإعجاز ، وکبش العراق ، الإمام بالنصّ والاستحقاق مکّیّ مدنیّ ، أبطحی تهامیّ ، خیفی عقبیّ ، بدریّ أحدیّ ، شجریّ مهاجریّ ، من العرب سیدها ، ومن الوغى لیثها ، وأرث المشعرین ، وأبو السبطین ، الحسن والحسین ، مظهر العجائب ، ومفرّق الکتائب ، والشهاب الثاقب ، والنور العاقب ، أسد الله الغالب ، مطلوب کلّ طالب غالب کلّ غالب ، ذاک جدّی علی بن أبی طالب.
أنا ابن فاطمه الزهرا.
أنا ابن سیّده النسا.
أنا ابن الطهر البتول.
أنا ابن بضعه الرسول.
« أنا ابن الحسین القتیل بکربلا.
أنا ابن المرمّل بالدما.
أنا ابن من بکى علیه الجن فی الظلما.
أنا ابن من ناحت علیه الطیور فی الهوا. » (5)
قال : ولم یزل یقول : « أنا أنا » حتى ضجّ الناس بالبکاء والنحیب ، وخشی یزید أن تکون فتنه ، فأمر المؤذّن أن یؤذّن ، فقطع علیه الکلام وسکت.
فلمّا قال المؤذّن « الله أکبر ! » قال علی بن الحسین : کبّرت کبیراً لا یقاس ، ولا یدرک بالحواسّ ، لا شیء أکبر من الله.
فلمّا قال : « أشهد أن لا إله إلّا الله ! » قال علی : شهد بها شعری وبشری ، ولحمی ودمی ، ومخّی وعظمی.
فلمّا قال : « أشهد أن محمّداً رسول الله ! » التفت علی من أعلى المنبر الى یزید وقال : یا یزید ، محمد هذا جدّی أم جدّک ؟ فإن زعمت أنّه جدّک فقد کذبت. وإن قلت إنّه جدی ، فلم قتلت عترته ؟ (۶)
فأدّى کلام الإمام علیه السلام الى أن تتبخّر کل الدعایات المظلّله التی روّجتها السیاسه الأمویه ، والتی ترکّزت على : أنّ الاسرى هم من الخوارج ! فبدّل نشوه الانتصار الى حشرجه الموتى فی حلوق المحتفلین !
وفی التزام الإمام السجّاد علیه السلام بذکر هویّته الشخصیه فقط فی هذه الخطبه ، حکمه وتدبیر سیاسیّ واع ، إذا لم یکن له فی مثل هذا المکان والزمان ، أن یتطرّق الى شیء من القضایا الهامّه ، وإلّا کان یمنع من الکلام والنطق ، وأمّا الإعلان عن اسمه فهی قضیه شخصیه ، وهو من أبسط الحقوق التی تمنح للفرد وإن کان فی حاله الأسر !
لکنّ کلام الإمام لم یکن فی الحقیقه إلاّ ملیئا بالتذکیر والإیماء ، بل الکنایه التی هی أبلغ من التصریح ، بنسبه الشریف ، واتصاله بالإسلام ، وبرسوله الکریم صلى الله علیه وآله وسلم.
وقد ذکّر الإمام علیه السلام بکل المواقع الجغرافیه ، والمواقف الحاسمه والذکریات العظیمه فی الإسلام ، وربط نفسه بکلّ ذلک ، فسرد ـ وبلغه شخصیه ـ حوادث تاریخ الإسلام ، معبّراً بذلک عن أنّه یحمل هموم ذلک التاریخ کلّه على عاتقه ، وأنّه حامل هذا العبء ، بکلّ ما فیه من قدسیّه ، ومع هذا فهو یقف « أسیراً » أمام أهل المجلس !
وقد فهم الناس مغزى هذا الکلام العمیق ، فلذلک ضجّوا بالبکاء ! فإنّ الحکّام الأمویّین إنّما حصلوا على مواقع السلطه من خلال ربط أنفسهم بالإسلام ، فکسبوا لأنفسهم قدسیّه الخلافه !
وکان لجهل الناس الأثر الکبیر فی وصول الأمر الى هذه الحاله ، أن یروا ابن الأسلام أسیراً أمامهم !
ثمّ إنّ جهل أهل الشام بأهل البیت ، مضافا الى حقد الحکّام على أهل البیت عامّه ، وعلى الذین کانوا مع الحسین علیه السلام فی کربلاء خاصه ، کان یدعوا الى الاحتیاط ، والحذر من أن ینقضّ یزید على الأسرى ! فی ما لو أحسّ بخطرهم ، فیبیدهم !
فکان ما قام به الإمام من تأطیر خطبته بالإطار الشخصی مانعاً من إثاره غضبه وحقده ، لکن لم یفت الإمام اقتناص الفرصه السانحه لکی یبثّ من خلال التعریف ، بشخصه وهویته ، التنویه بشخصیته وبقضیته وبهمومه ، ولو بالکنایه التی کانت ـ حقّاً ـ أبلغ من التصریح.
فلذلک لم یتعرّض الإمام علیه السلام لذکر مساویء الاُمویّین ، ولم یذکر شیئاً من فضائحهم ، بالرغم من « توقّع یزید » نفسه لذلک.
وبذلک نجا من شرّ یزید ، وبقی لیداوم اتّباع الهدف الذی من أجله قتل الشهداء بالأمس ، وأصبح ـ هو ـ یقود مسیره الأحیاء ، الیوم ، وغداً …
وموقف آخر : فی وسط ذلک الجوّ الخانق ، وفی عاصمه الحاکم المنتصر ، وفی حاله الأسر ، یرفع الإمام صوته ، لیسمع الآذان التی أصمّها الضوضاء والصخب ، فی ما رواه المنهال بن عمرو ، قال : دخلت على علی بن الحسین ، فقلت : کیف أصبحت ، أصلحک الله ؟!
فقال : ما کنت أرى شیخاً من أهل المصر ـ مثلک ـ لا یدری : کیف أصبحنا !؟
قال : فأمّا إذا لم تدر ـ أو تعلم ـ فأنا أخبرک :
أصبحنا ـ فی قومنا ـ بمنزله بنی أسرائیل فی آل فرعون ، إذ کانوا « یذبّحون أبناءهم ویستحیون نساءهم ».
وأصبحنا : شیخنا وسیّدنا یتقرّب الى عدوّنا بشتمه ، وبسبّه ، على المنابر
وأصبحت قریش تعدّ (۷) : أن لها الفضل على العرب ، لأن محمّداً منها ، لا یعدّ لها فضل إلّا به ، وأصبحت العرب مقرّه (۸) لهم بذلک.
وأصبحت العرب تعدّ (۹) أن لها الفضل على العجم ، لأن محمّداً منها ، لا یعدّ لها فضل إلّا به ، وأصبحت العجم مقرّه (۱۰)
فإن کانت العرب صدقت أنّ لها الفضل على العجم ، وصدقت قریش أنّ لها الفضل على العرب لأنّ محمّداً منها : إن لنا ـ أهل البیت ـ الفضل على قریش ، لأنّ محمّداً منّا.
فأضحوا یأخذون بحقّنا ، ولا یعرفون لنا حقّاً.
فهکذا أصبحنا ، إن لم یعلم : کیف أصبحنا ؟!
قال المنهال : فظننت أنّه أراد أن یسمع من فی البیت ! (۱۱)
ویصرّح فی موقف مماثل یسأل فیه عن الرکب الذی هو فیه ، فیقول :
« إنا من أهل البیت ، الذین افترض الله مودّتهم على کل مسلم ، فقال تبارک وتعالى لنبیّه صلى الله علیه وآله وسلم : « قل لا أسألکم علیه أجراً إلّا المودّه فی القربى ومن یقترف حسنه نزد له فیها حسنا » [ سوره الشورى ۴۲ الآیه ۲۳ ] فاقتراف الحسنه مودّتنا أهل البیت » (12).
الى غیر ذلک من المواقف التی کان لها أثر حاسم فی تغییر سیاسه یزید تجاه هذا الرکب المأسور ، حتى أرجعه الى المدینه !
إنّ هذه المواقف لم تکن تصدر من قلب ملیء بالرعب ، أو شخص یفضّل السلامه ، أو یمیل الى الهدوء والراحه ، او المسالمه مع العدو أو الرکون الى الظالمین !
إنّما صاحب هذه المواقف ذو روح متطلّعه وثابه هادفه ، إذا لم یتح له ـ بعد کربلاء ـ أن یأخذ بقائمه السیف ، فسنان المنطق لا یزال فی قدرته ، یهتک به ظلام التعتیم الإعلامی المضلّل !
وقد اتّبع الإمام السجّاد علیه السلام هذه الخطّه بحکمه وتدبیر عن علم بالأمر ، وعمد له ، وکشف عن أنه انتهجه سیاسه مدبره مدروسه.
فلمّا سئل عن : « الکلام ، والسکوت » أیّهما أفضل ؟ لم یدل بما یعتبره الحکماء من : أن الکلام إذا کان من فضه فالسکوت من ذهب ، وإنمّا قال :
« لکل واحد منهما آفات ، وإذا سلما من الآفات فالکلام أفضل من السکوت ».
ولمّا سئل عن سبب ذلک مع مخالفته لاعتبار الحکماء المستقر فی أذهان الناس من فضل السکوت ؟
قال :
« لأن الله ـ عز وجل ـ ما بعث الأنبیاء والأوصیاء بالسکوت ، وإنّما بعثهم بالکلام.
ولا استحقت الجنه بالسکوت.
ولا استوجبت ولایه الله بالسکوت.
ولا توقّیت النار بالسکوت.
ولا یجنّب سخط الله بالسکوت.
إنما کلّه بالکلام ! وما کنت لأعدل القمر بالشمس !
إنک تصف فضل السکوت بالکلام ، ولست تصف فضل الکلام بالسکوت ! (۱۳)
وهکذا طبق الإمام علیه السلام هذه الحکمه البالغه ، وأدّى رسالته الإلهیه من خلال خطبه وکلماته ومواعظه وأحادیثه ، فی جمیع المواقف العظیمه التی وقفها ، وهو فی الأسر.
وإذا کان الظالمون یعتدون على المصلحین والأحرار بالقتل والسجن ، فإنّما ذلک لیخنقوا کل صوت فی الحناجر ، ولئلا یسمع الناس حدیثهم وکلامهم (۱۴).
وإذا ذبح الحسین علیه السلام وقتل فی کربلاء ، فإنّ نداءاته ظلّت تدوّی من حنجره الإمام السجّاد علیه السلام فی مسیره الأسرى ، وفی قلب مجالس الحکّام.
ولیس من الإنصاف ، فی القاموس السیاسی ، أن یوصف من یؤدی هذا الدور ، بالانعزال عن السیاسه ، أو الابتعاد عن الحرکه والنضال !
بل ، أذا کانت حرکه الإمام الحسین علیه السلام سیاسیه ، کما هی کذلک بلا ریب فکما قال القرشی : إن الإمام زین العابدین علیه السلام من أقوى العوامل فی تخلید الثوره الحسینیه ، وتفاعلها مع عواطف المجتمع وأحاسیسه ، وذلک بمواقفه الرائعه التی لم یعرف لها التاریخ مثیلا فی دنیا الشجاعه والبطولات ! أمّا خطابه فی بلاط یزید فإنه من أروع الوثائق السیاسیه فی الإسلام (۱۵).
وبرز الإمام زین العابدین علیه السلام على مسرح الحیاه الإسلامیه کألمع سیاسی إسلامی عرفه التاریخ ، فقد استطاع بمهاره فائقه ـ وهو فی قید المرض والأسر ـ أن ینشر أهداف الثوره العظمى التی فجّرها أبوه الإمام الحسین القائد الملهم للمسیره الإسلامیه الظافره ، فأبرز قیمها الأصلیه بأسلوب مشرق کان فی منتهى التقنین ، والأصاله ، والإبداع (۱۶).
____________________________________________
۱٫ حیاه الإمام زین العابدین ، للقرشی ( ۱ : ۸ ).
۲٫ حیاه الإمام زین العابدین ، للقرشی ( ۱ : ۷ ).
۳٫ الروض النضیر ( ۵ / ۱۳ ) وانظر الکنى للدولابی ( ۱ / ۷۸ ).
۴٫ بلاغه علی بن الحسین علیه السلام ( ص ۹۵ ) عن المنتخب للطریحی.
۵٫ مقتل الحسین علیه السلام ، للخوارزمی ( ۲ / ۷۱ ).
۶٫ فی نقل ( کامل البهائی ) : « من حمل الرکن » وفسّر بالحجر الأسود الذی محلّه الرکن ، ولذلک ذکر فی سیره الرسول صلى الله علیه وآله وسلم قبل البعثه.
۷٫ ما بین القوسین عن « الکامل للبهائی ».
۸٫ مقتل الحسین ( ۲ / ۶۹ ـ ۷۱ ) ونقل عن کتاب ( کامل البهائیّ ) بنص متقارب نقله الحائری فی بلاغه علی بن الحسین علیه السلام ( ص ۱۰۶ ـ ۱۰۹ ) ونقل بعده نصّا آخر للخطبه عن أبی مخنف فلیلاحظ.
۹٫ کذا الصواب وکان فی المختصر : ( بعد ).
۱۰٫ کذا الصواب وکان فی المختصر : ( معیره ).
۱۱٫ کذا الصواب وکان فی المختصر : ( بعد ).
۱۲٫ کذا الصواب وکان فی المختصر : ( معیره ).
۱۳٫ تاریخ دمشق ( الحدیث ۱۲۰ ) مختصر ابن منظور ( ۱۷ : ۲۴۵ ) ورواه الحافظ محمد بن سلیمان فی مناقب أمیر المؤمنین علیه السلام ( ج ۲ ص ۱۰۸ ) رقم (۵۹۸) ولاحظ طبقات ابن سعد ( ۵ / ۲۱۹ ).
ورواه السید الموفق بالله فی الاعتبار وسلوه العارفین (ص ۱۸۶).
۱۴٫ المستدرک على الصحیحین ، للحاکم ( ۳ : ۱۷۲ ).
۱۵٫ الاحتجاج للطبرسی ( ص ۳۱۵ ).
۱۶٫ لاحظ أن الحجّاج ختم على مجموعه من الصحابه کی لا یسمعهم الناس ، فی اسد الغابه ( ۲ : ۴۷۱ ) ترجمه سهل الساعدی.
مقتبس من کتاب جهاد الإمام السجاد علیه السلام