کربلاء . . الأرض المُقدّسه

0

ولما وصل سید الشهداء (علیه السّلام) برکبه إلى أرض کربلاء ، سأل عن اسم الأرض التی یقف علیها ، فقیل له : تُعرف بکربلاء . فقال : (( اللّهم أعوذ بک من الکرب والبلاء ))(۱) . وقیل عنها قدیماً : ( کور بابل ) ، ثم اختصرت إلى اسم کربلاء ؛ تسهیلاً للفظها .
وبابل کما جاءت فی نبوءه أشعیا هی ( صحراء البحر ) ، وکانت فی سهل متَّسع یقطعه الفرات(۲) ، وفیها غدران کثیره حتّى لیظن الناظر إلیها بأنها صحراء طافیه فوق بحر ، فأُطلق علیها هذا الاسم .
ــــــــــــــــ
(۱) راجع البحار ۱۰ / ۱۸۸ .
(۲) سفر أیوب /۸۷۰ فصل ۲۱ , نبوءه أشعیا .
وفی هذا التفسیر شیء من المعقول ؛ إذ إن کربلاء منطقه صحراویه حاره ، وفیها الفرات وبعض الغدران ، وتسمیه ( صحراء البحر ) فیها شبه کبیر بتسمیه ( کور بابل ) ؛ فالکور معناه فی العربیه هو ذلک الجهاز الذی ینفخ الهواء فوق جمر الحداد لإحماء الحدید ، وبابل هی (الصحراء الحاره) ، فصار اللفظ (کور بابل) یعنی لهب صحراء بابل کلهب کور الحداد .
وکربلاء تقع على بعد عده کیلو مترات من مشرعه الفرات شمال غرب الکوفه(۱) ، وکانت فی عهد البابلیِّین معبداً ، والاسم محرَّف من کلمتی (کرب) بمعنى معبد أو مصلَّى أو حرم ، و (أبلا) بمعنى إله باللغه الآرامیه ، فیکون معناها (حرم الإله) .
ــــــــــــــــ
(۱) تقع کربلاء على خط الطول ۴۳ درجه و۵۵ دقیقه شرقی غرینتش ، وعلى خط العرض ۳۴ درجه و۴۵دقیقه شمال خط الاستواء فی المنطقه المعتدله الشمالیه .
وفی تعوُّذ الحسین (علیه السّلام) من الکرب والبلاء مُرادفٌ لفظیٌّ آخر جاء متطابقاً إلى حد کبیر مع لفظه (کربلاء) موصوله ؛ فالکرب : هو الشده المصحوبه بالألم . والبلاء : هو النهایه وبلوه الموت .
ولو نسبنا اللَّفظه إلى مرادف آخر لوجدناها تصح بلفظه ( کرٍّ وبلاء) ، ومعنى الکِّر هنا هو أحد وجهی الهجوم والتراجع فی المعارک ، وهو ما یعنی الهجوم ( الکر ) ؛ لأن التراجع یعنی الفر ، وهکذا یقال فی وصف معرکه : (قتال بین کرٍّ وفرٍّ) ، أی بین إقدام وهروب .
أَما لفظه (بلاء) فمعناها متمِّم لمعنى لفظه (کرِّ) ، وبلاء هنا بعد لفظه کرِّ ، غیر تلک البلاء بعد لفظه کرب ، فاللفظتان إذا عُطفتا على ما قبلهما فسَّرتا معنى ما سبقهما ، فالبلاء بعد (کرب) تعنی الشده والموت ، وبعد (الکرِّ) تعنی المضاء والنجاح فی القتال والهجوم . وهکذا یُقال فی وصف أحد الشجعان : ( أبلى بلاءً حسناً ) أی قاتل بشکل جید وماض . وعلى هذا المقیاس تفسر لفظه ( کرٍّ , بلاء ) بمعنى : ( إقدام ، وبساله )
وفی مجلد (سفر أیوب) نقرأ هذا الوصف لنبوءه(۱) : ( عند نهر الفرات فی بابل قال الرب : هیّئوا المِجَنَّ والمِجْنَبَ وازحفوا للقتال ، وشدّوا على الخیل وارکبوا أیها الفرسان ، وانتصبوا بخوذکم . أصقلوا الرماح والبسوا الدروع . ما بالی رأیتهم قد فشلوا ونکصوا إلى الوراء ، قد کُسِر جبابرتهم وانهزموا انهزاماً ولم یلتفتوا ؟ هول من کلّ جهه یقول الرب : الخفیف لا یهرب ، والجبّار لا یفلت . فی الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا ، فی هذا الیوم یأکل السیف ویشبع ویُروَى من دمائهم ؛ لأن للسید ربَّ الجنود مذبحه فی أرض الشمال عند نهر الفرات ) .
ــــــــــــــــ
(۱) نبوءه إرمیا ۴۶ / ۳ ، ۷ ، ۱۰ ص۴۸۷ ـ ۴۸۸ .
هذه الرؤیا رآها إرمیا ، ولا نجد لها تفسیراً معقولاً ، وقد أثبتناها هنا لورود کلمات فیها مثل : بابل ، مذبحه عند نهر الفرات . ولا ندَّعی إمکانیه تحلیل هذه الرؤیا ؛ لأنها لیست موقفاً أو حدثاً حتّى نجمع أجزاءها ونرکِّبها ونخرج منها برأی ما ، ولکنها رؤیا تقع فی خانه ما یحلم الإنسان به ، وما یتراءى له فی نومه أو یقظته . وهی تدخل فی باب الرؤى لأفراد غیر عادیِّین مثل إرمیا ، ولا بدّ أنَّا واجدون بها قبساً من واقع تحقَّق بشکل أو بآخر ، قریب الشبه بها ، غیر بعید عن إمکانیه کینونته کما تراءى .
وفی الرؤى أحداث تاریخیه وقعت بعدها بسنین ، بل وقرون ، وبها أسماء لم تزل إلى یومنا هذا موجوده ، مثل : النیل ، والفرات ، وبحر القلزم ، وشیلو ، وأریحا ، ودمشق ، وأرض الکلدانیِّین ، وآشور ، وسدوم ، وعموره . وقد لا تکون ـ على هذا القیاس ـ رؤیا إرمیا ببعیده عمّا حدث لاحقاً فوق أرض بابل (کربلاء) بجانب نهر الفرات من مذابح وتنکیل . وتظلُّ بقعه کربلاء المقدّسه هی الرمز الأسمى لملحمه عقیده الإسلام الکبرى ، وهی لم تکن کذلک قبل أن تُرَوّى بدماء آل البیت الزکیه .
وقد تعدَّدت الأقوال فی موطن رأس الحسین الشریف ، وهل هو فی کربلاء مدفون مع الجسد الطاهر أم فی مکان آخر ؟ ففی (رسائل المرتضى) ذکر : أن رأس الحسین اُعید إلى بدنه فی کربلاء . وفی (عجائب المخلوقات) للقزوینی ورد : أن الرأس رُدّ إلى الجسد فی العشرین من صفر . أمّا (الشبراوی) فیقول : إن إعاده الرأس تمَّت بعد أربعین یوماً .
وقد أسند عدد کبیر من المؤرّخین عوده رأس الحسین إلى جسده ما بین العشرین والأربعین یوماً بعد المصرع ، ومن هؤلاء : (ابن نما الحلی) فی کتابه مثیر الأحزان ، (والطبرسی) فی أعلام الورى ، (والفتَّال) فی روضه الواعظین ، (وابن شهر آشوب) فی المناقب ، (وابن حجر) فی شرح همزیّه البوصیری ، وأکّد عوده الرأس (أبو الریحان البیرونی) و (المناوی) .
وحدَّثت روایات اُخرى بأنه دُفن بدمشق عند باب الفرادیس بعد أن وُجد بخزانه یزید بعد موته(۱) .
وفی إحدى الروایات : أن الرأس أُرسل إلى عمرو بن سعید والی یزید على المدینه ، فدفنه بالبقیع بجوار قبر اُمّه فاطمه الزهراء (علیها السّلام)(۲) .
ــــــــــــــــ
(۱) ابن أبی الدنیا .
(۲) روایه محمد بن سعد .
وقیل أیضاً : إنه طیف به حتّى وصل إلى عسقلان فدُفن بها ، ولما استولى علیها الإفرنج فی الحروب الصلیبیه ، رُدَّ الرأس إلى القاهره ودُفن بالمشهد الحالی المعروف بالمشهد الحسینی قرب خان الخلیلی(۱) .
وأکد (السائح الهروی) هذه الروایه وحدّد لها سنه خمسمئه وتسع وأربعین .
وفی روایه اُخرى(۲) ، أن الرأس بمسجد الرقَّه على الفرات ، وأنه أُرسل إلى هناک بناء على أمر یزید الذی قال : لأبعثنَّه إلى آل أبی معیط عن رأس عثمان . ولما وصلهم الرأس دفنوه فی بعض دورهم .
ولکن أقرب الروایات إلى الإمکانیه والواقع هی تلک القائله بأنّ زین العابدین (علیه السّلام) طلب من یزید الرؤوس , فلم یمانع ، ودفع له رأس الحسین ورؤوس آل بیته وصحبه ، فعاد بها إلى مصارعها حیث دفنها مع أجسادها(۳) .
ــــــــــــــــ
(۱) قیل فی بعض المصادر : إن المشهد المشهور فی مصر بُنی بعد سنه (۵۰۰ هـ ) ، ویُدعى بـ (تاج الحسین) .
(۲) لسبط بن الجوزی .
(۳) کانت العرب على عاده ، إذا قتلوا مَن لیس منهم سلَّموا رأسه وبدنه إلى أهله . وقد فعل الحجّاج هکذا بابن الزبیر ، سلَّمه لأهله بعد قتله .
وأیّاً کان مدفن الرأس ، فإن لهذه التباینات حکمه ربانیه هدفت إلى وضع الحسین وأهل بیته (علیهم السّلام) موضع الإجلال والتعظیم فی أکثر من مکان ، وحتى تکون واجبات زیاره هذه الأماکن الشریفه فریضه على کلّ مؤمن ، ویکون هذا التباین وحیاً یحضره الإنسان فی وجدانه ؛ سواء قَرُب أم بَعُد من القبر أو مدفن الرأس ، وفی هذا تجلَّه وحکمه علیا نقف عن الخوض فی ماهیتها ؛ إجلالاً وتکریماً لها .
ولعل أبلغ تصویر لهذا المغزى أبیات لأبی بکر الآلوسی یقول فیها :
لا تطلبوا رأسَ الحسیـ=ـنِ بشرقِ أرضٍ أو بغربِ
ودعوا الجمیعَ وعرِّجوا=نحوی فمشهدهُ بقلبی
ولدعبل فی قصیدته العینیه التی رثى بها الحسین (علیه السّلام) أبیات بنفس المعنى ، یقول فیها :
رأسُ ابنِ بنتِ محمّد ووصیهِ= یا للرجالِ على قناهٍ یُرفعُ
والمسلمون بمنظر وبمسمعٍ= لا جازع من ذا ولا متخشِّعُ
أیقظتَ أجفاناً وکنت لها کرىً= وأنمت عیناً لم تکن بک تهجعُ
کحلتْ بمنظرک العیونُ عمایهً=وأَصمَّ نعیُکَ کلَّ اُذنٍ تسمعُ
ما روضهٌ إلا تمنَّت أنها=لکَ مضجعٌ ولخطِّ قبرِکَ موضعُ
وکربلاء جاره نینوى ظلّت أرضاً بلقعاً خواء إلى أن قُدّر لها أن یُساق إلیها رکب الحسین (علیه السّلام) ، فتقدَّست من دماء آل البیت (علیهم السّلام) .
وقیل : إنه (علیه السّلام) اشترى أربعه أمیال من جهات قبره الشریف من أهالی نینوى والغاضریه بستّین ألف درهم ، وتصدَّق بها علیهم ، واشترط أن یرشدوا إلى قبره ویضیّفوا مَن زاره ثلاثه أیام(۱) .
وکان حرم الحسین (علیه السّلام) الذی اشتراه أربعه أمیال فی أربعه أمیال ، فصار حلالاً لولده وموالیه ، وحراماً على غیرهم .
وفی الحدیث عن الصادق (علیه السّلام) ، أنّ أهل نینوى والغاضریه لم یفوا بشرط الحسین (علیه السّلام) بوجوب الإرشاد إلى قبره ، وإضافه زائریه ثلاثه أیام .
وفی البدایه والنهایه ذکر أبو الفداء : أن الماء لما أُجری على قبر الحسین (علیه السّلام) لیمحى أثره ، جاء أعرابی من بنی أسد فجعل یأخذ قبضه قبضه ویشمها حتّى وقع على قبر الحسین (علیه السّلام) ، فبکى وقال : بأبی أنت واُمّی ! ما کان أطیبک وأطیب تربتک ! وأنشد قائلاً :
أرادوا لیخفوا قبرَهُ عن عدوِّهِ=فطیبُ ترابِ القبرِ دلَّ على القبرِ
ورغم کلّ ذلک ظلّ قبر الحسین (علیه السّلام) ومدفن رأسه محجّه یتنسَّم فی أفیائها متعبو الأرض ومضطهدو العروش .
وصارت کربلاء بعد مقتل الحسین وعترهِ آل البیت وصَحْبه الأطهار (علیهم السّلام) ، الأرض ذات الثرى الطاهر والذریات القدسیه ، بعد أن کانت صحراء خواء ترتع فی فلاتها العُسلان والذئاب .
صارت ملجأ للمعذّبین المظلومین بعد أن عُذِّب وظُلم فوق أرضها البرره الأخیار ، فسبحان الله ! کیف یجعل من أرض العذاب والظلم ملاذاً للمعذّبین والمظلومین !
ــــــــــــــــ
(۱) راجع کشکول الشیخ البهائی ط القاهره ، نقلاً عن کتاب الزیارات لمحمد بن داود القمّی . وحکا عنه ابن طاووس فی مصباح الزائر .
کأنّ ضریحَکَ زهرُ الربیعْ=مرَّ علیه نسیمُ الخریفِ
أنشرکَ ما حمل الزائرونْ=أمْ المسکُ خالط تربَ الطفوفِ(۱)
ولعل أبلغ وصف لکربلاء ذلک الذی قالته الحوراء زینب الکبرى ترثی به أخاها الشهید وإخوته وصحبه ، بما یتناسب والمکانه الجلیله التی صارت إلیها أرض الطفِّ ؛ بما احتوته من أجساد ورؤوس طاهره رفعتها إلى مرتبه من القداسه لم تبلغها أعتاب اُخرى(۲) ، فقالت(۳) :

على الطَّفِّ السلامُ وساکنیهِ = وروحُ الله فی تلک القبابِ
نفوسٌ قُدَّست فی الأرض قِدماً = وقد خُلقتْ من النُّطفِ العِذابِ
مضاجعُ فتیهٍ عبدوا فناموا = هجوداً فی الفدافدِ والروابی
عَلتَهم فی مضاجعهمْ کعابٌ = بأردانٍ منعمّهٍ رطابِ
وصیَّرت القبورَ لهم قصوراً = مناخاً ذاتَ أفنیهٍ رحابِ

ــــــــــــــــ
(۱) لمهیار الدیلمی .
(۲) تشرَّفتُ بزیاره کربلاء المقدّسه ، ووقفت خاشعاً أقرأ قول الرسول الکریم المنقوش على قفص ضریح سید الشهداء (علیه السّلام) ، وقد جاء فیه : (( بُورک لولدی الحسین فی ثلاث : ولده وقبره ومشهده . ألا وأن بین قبری وقبر الحسین روضه من ریاض الجنّه . ألا وأن کربلاء روض من ریاض الجنّه . ألا وأن قبر الحسین على مَترعهٍ من تُرع الجنّه ؛ الشفاء فی تربته ، والإجابه تحت قبَّتِه ، والأئمَّه من ذرّیَّته )) .
(۳) من أعذب وأرق المدائح التی قیلت فی رثاء الشهید (علیه السّلام) وصَحْبه ، إنها انسیابات نفس حنونه لاُخت مفجوعه بذبح أخیها ، هی التی شهدت أحزانه وعایشتها مُعانیه معاینه ، وهی التی سفحت آلامها ودموعها فوق جسد أخیها المفصول الرأس ، وقدَّمته قرباناً لله الذی شاء له هذا الاستشهاد .

Leave A Reply

Your email address will not be published.