اهتمام الرسول الأعظم (ص) بسنته المطهره وأمره بکتابتها وتدوینها

0

 
وقد تبین لنا أن مهمه الرسول الأساسیه منصبه بالدرجه الأولى والأخیره على بیان ما أنزل الله، لأن المقاصد الشرعیه الوارده فی القرآن الکریم لا تفهم فهما قائما على الجزم والیقین بغیر بیان من رسول الله المختص والمؤهل إلهیا لذلک .
وقد اقتضت حکمه الله أن یکون للرسول دور بارز فی البیان ، ففی القرآن الکریم أمور وفرائض وأحکام وأخبار ومصطلحات عامه ، فکلمه الصلاه مثلا وهی عماد الدین قد تکررت فی القرآن مئات المرات ، ولکن القرآن لم یبین لنا بالتفصیل عدد الصلوات الخمس ، ولا مقدار کل صلاه ، ولا عدد رکعاتها ولا سجداتها ، ولا الکیفیه التفصیلیه لأدائها ، وکذلک الزکاه ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، ونظام الحکم ، . . . الخ .
هذه الأمور وأمثالها أحالها الله لرسوله لیتولى بیانها وتفصیلها على ضوء توجیهات الوحی الإلهی ، وقد بینها الرسول وفصلها بالفصل حسب التوجیهات الإلهیه خلال عصر الرساله الأغر .
فعندما یهتم الرسول بسنته المطهره فإنه لا یهتم بأمر خاص به کثوبه مثلا بل یهتم بأوامر إلهیه تلقاها بالوحی ، وأمر بتبلیغها إلى المکلفین لیعملوا بها باعتبارها جزءا لا یتجزأ من دین الله ، وفصلا مهما من فصول الشریعه الإلهیه ، ومقطعا من مقاطع الرساله الإلهیه التی أمره الله بإیصالها للناس .
لقد حرص الرسول کل الحرص على تعمیم سنته ونشرها بکل وسائل النشر المعروفه ومتابعه تنفیذها ، والمحافظه علیها والالتزام بها ، فالرسول هو الذی کان یؤم المسلمین فی صلاتهم ، ویأمرهم أن یصلوا کما کان یصلی ، وقد حج الرسول واعتمر وأمر المسلمین أن یحجوا ویعتمروا کما کان یحج ویعتمر ، وکان الرسول یرسل الجباه والعمال لجبایه الزکاه والصدقات ثم یضعها حیث أمره الله أمام الجمیع ، وکان الرسول یقودهم فی جبهات القتال ، ویوزع الغنائم والأنفال وکان الرسول یمارس سلطاته کإمام وکقائد وکمرجع وکولی أمام الجمیع ، وشاهدوه وهو یبنی دوله الإیمان ، ویحدد مؤسساتها ، ورکز الرسول ترکیزا خاصا على نظام الحکم ، فعین خلفاءه الاثنی عشر ، لیضمن انتقالا سلمیا للسلطه ، واستقرارا لمؤسسه الرئاسه والمرجعیه لأنها هی أساس النظام السیاسی الإسلامی وأهل وأعد خلیفته الأول ، وأنهى إلیه علمی النبوه والکتاب ، وکلفه بأن ینهی علمی النبوه والکتاب إلى الخلفاء الشرعیین الأحد عشر الذین سماهم الرسول بأسمائهم ، وتسعه منهم لم یولدوا بعد ، لقد علم رسول الله المسلمین کیف یتعبدون ، وکیف یتعاملون مع بعضهم ، وحتى کیف یأکلون ، وکیف یشربون وکیف یضاجعون نساءهم ، بل وکیف یتبولون ، وکیف یتغوطون ، لقد أوجد الرسول الکریم من خلال سنته نمط حیاه جدیده تحکمها قواعد جدیده ، لقد هدم الرسول کافه القواعد والأنماط والبنى الجاهلیه وأحل محلها قواعد وأنماطا وبنى إسلامیه خالصه ، لقد تولى الرسول الکریم من خلال سنته الطاهره عملیه ترجمه التوجیهات الإلهیه من النظر إلى التطبیق ومن الکلمه إلى الحرکه ، لقد بین الرسول من خلال سنته کل شئ على الإطلاق .
فهل یعقل شرعا وعقلا أن یضع الرسول الأعظم هذا الکم الهائل من الأحکام والقواعد ، وأن یعمم کل هذه الأمور من تلقاء نفسه وبدون أمر من الله ! !
فالرسول هو قال لنا : إن صلاه الصبح رکعتان ، وإن صلاه الظهر أربع رکعات ، هذا التحدید لم یرد فی القرآن الکریم ، لم یرد نصاب الزکاه ولا مقدار ما یؤخذ ، فی القرآن الکریم ، ولا بین لنا کیف ینصب رئیس الدوله ، ولا کیف تستمر الرئاسه العامه والمرجعیه والرسول من خلال سنته المبارکه هو الذی فصل ذلک ، کیف نلائم بین هذه الحقائق الشرعیه ، وبین قول الذین قالوا : ( حسبنا کتاب الله ) کیف تتلاءم هذه الحقائق الشرعیه مع ثقافه التاریخ السیاسی الإسلامی القائمه على التنکر الکامل لسنه الرسول ! ! وفک الارتباط الشرعی بین کتاب الله المنزل ونبیه المرسل ! ! وبوقت یطول أو یقصر ، ستزول الأصباغ ، وتتمزق البراقع ، ویکتشف السذج الغافلون المتبتلون فی کهوف التاریخ ومغاراته ، أن الذین یعبدونهم عملیا من دون الله فعلوا أفاعیل ألد أعداء الله ورسوله ! !
الرسول الأعظم یأمر بتدوین سنته الطاهره کان الرسول الأعظم موقن بأنه بشر ، وأنه میت لا محاله ، وأنه خاتم النبیین ، وأن سنته بفروعها الثلاثه أحکام إلهیه تلقاها من الله تعالى ، وأن الناس فی کل زمان بحاجه ماسه إلى هذه الأحکام ، لأن القرآن والسنه هما الشریعه الإلهیه التی ینبغی أن تسود وتحکم العالم البشری ، لذلک کله حرص الرسول حرصا تاما على تعمیم سنته ونشرها بکل وسائل النشر المعروفه کما حرص على تدوینها وتوثیقها ، وأعطى أوامره وتوجیهاته بالعمل على تدوین سنته الطاهره ، وطلب من کل القادرین على الکتابه أن یکتبوا هذه السنه ، ومن کل القادرین على النشر أن ینشروها .
التدوین الخاص لسنه الرسول لأن الله تعالى قد اختار الإمام علی بن أبی طالب لیکون أول إمام وخلیفه للرسول بعد موته ، ولأن الله تعالى قد اختار أحد عشر إماما من أولاد الإمام علی وأحفاده لیتولوا أمر الإمامه والمرجعیه بالتوالی من بعد وفاه الإمام علی ، ولأن الإمام الشرعی هو القائم مقام النبی ، وهو مرجع الأمه الأعلم والأفهم ، فقد کلف رسول الله الإمام علیا لیکتب سنته الطاهره ، فالله علم رسوله القرآن والسنه ، والرسول علم کل ذلک لعلی ( ۱ ) .
وقد وضح الإمام علی هذا التکلیف لأصحابه بقوله لسلیم بن قیس الهلالی : ( کنت إذا سألت رسول الله أجابنی ، وإن فنیت مسائلی ابتدأنی ، فما نزلت علیه آیه فی لیل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ، ولا دنیا ولا آخره ، ولا جنه ولا نار ، ولا سهل ولا جبل ، ولا ضیاء ولا ظلمه ، إلا أقرأنیها وأملاها علی وکتبتها بیدی ، وعلمنی تأویلها وتفسیرها ومحکمها ومتشابهها وخاصها وعامها ، وکیف نزلت ، وأین نزلت وفیمن أنزلت إلى یوم القیامه ودعا الله أن یعطینی فهما وحفظا ، فما نسیت آیه من کتاب الله ولا على من أنزلت إلا أملاها علی ( ۲ ) .
وروى الإمام محمد بن علی الباقر عن آبائه : ( أن رسول الله قد قال لعلی : أکتب ما أملی علیک ، فقال علی : یا نبی الله أتخاف علی النسیان ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) بصائر الدرجات ص ۲۹۰ – ۲۹۱ ، والمعالم ج ۲ ص ۳۰۱ نقلا عن الإمام جعفر الصادق .
( ۲ ) بصائر الدرجات ص ۱۶۸ ، وسلیم بن قیس الهلالی العامری من أصحاب الإمام علی ، راجع قاموس الرجال ج ۴ ص ۴۴۵ . والمعالم ج ۲ ص ۳۰۴  . ( * )
فقال الرسول : لست أخاف علیک النسیان ، وقد دعوت الله أن یحفظک ولا ینسیک ، ولکن أکتب لشرکائک ! قال علی : قلت ومن شرکائی یا نبی الله ؟ قال الرسول : الأئمه من ولدک ، بهم تسقى أمتی الغیث ، وبهم یستجاب دعاؤهم ، وبهم یصرف الله عنهم البلاء ، وبهم تنزل الرحمه من السماء ، وأشار الرسول إلى الحسن ، وقال هذا أولهم وأومى إلى الحسین ، وقال : الأئمه من ولده ) ( ۱ ) .
( وما ترک الإمام علی شیئا من سنه الرسول إلا وقد کتبه ) ( ۲ ) حتى أرش الخدش أملاه رسول الله وکتبه علی بیده ) ( ۳ ) .
( وأنجز الإمام علی مهمه تدوین السنه الطاهره ، وجمعت السنه فی صحیفه طولها سبعون ذراعا ) ( ۴ ) بخط علی وإملاء الرسول ، قال الإمام أبو جعفر الباقر : ( إن عندی لصحیفه فیها تسعه عشر صحیفه قد حباها رسول الله ) ( ۵ ) .
( وقد سمى الأئمه من أهل البیت کتاب الإمام علی الذی أملاه رسول الله والذی یشتمل على الأحکام ( بالجامعه ) وهو یشمل کل حلال وحرام وکل شئ یحتاج إلیه الناس حتى أرش الخدش ) ( ۶ ) .
ویبدو أن الإمام علیا قد کتب أیضا کتابین آخرین ، أحدهما :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الأمالی للشیخ الصدوق ج ۲ ص ۵۶ – مطبعه النعمان – النجف سنه ۱۳۸۴ ه‍ ، والمعالم ج ۲ ص ۳۰۵ .
( ۲ ) بصائر الدرجات ص ۱۴۸ .
( ۳ ) بصائر الدرجات ص ۱۴۳ وص ۱۴۵ وص ۱۴۷ .
( ۴ ) بصائر الدرجات ص ۱۴۵ وص ۱۵۹ .
( ۵ ) بصائر الدرجات ص ۱۴۴ .
( ۶ ) بصائر الدرجات ۱۵۱ – ۱۵۲، وأصول الکافی ج۱ ص۲۳۹، والوافی ج ۲ ص ۱۳۵، ومعالم المدرستین ج۲ ص۳۱۰ .
 1 – کتاب الجفر ، فیه أنباء الحوادث الکائنه .
 2 – مصحف فاطمه فیه علم ما سیکون ، والمصحف هو اسم الکتاب ، ولیس فیه آیه واحده من القرآن الکریم .
وقد أقر الأئمه الکرام بوجود هذه الکتب الثلاثه التی أملاها رسول الله وکتبها علی بخط یده .
وکان الأئمه الکرام یتوارثون هذه الکتب الثلاثه مع سلاح رسول الله وسیفه ودرعه ، وخاتمه ولوائه .

Leave A Reply

Your email address will not be published.