ظاهره الشیع وتعددها فی کل مجتمع
والسبب فی ذلک أن الوصول إلى السلطه عزیره المنال، ویستحیل إدراکها بالجهد الفردی، ولا یمکن أن تنال إلا عن طریق الغلبه والتغلب، سواء بالقهر والقوه (نحن مع من غلب) أو عن طریق الانتخاب. وتظهر الشیع بوصفها وسائل رئیسیه موثره لتحقیق الغلبه والتغلب بشقیها آنفی الذکر. أما تعدد الشیع فیعود إلى تضارب مصالح الأفراد والجماعات، واختلاف الآراء والأفکار والوسائل والتفاوت فی الثقافات والیقین، وما فی النفس من نوازع الحسد والرغبه بالتسلط، وممارسه الشر، ومن تقدیم العاجله على الآجله، ومن الإصرار على تجاهل الأمر الإلهی، وإرغام أنف الشیعه المؤمنه القائمه علیه، ومن نفور الشیع من فکره الجزم والیقین التی تنادی بها قیاده الشیعه المؤمنه، وارتیاحها لفکره الظن والتخمین المنبع الوحید لتصوراتها وعقائدها.
ویمکن القول، وبکل ارتیاح، إن ظاهره الشیع وتعددها تعطی معنى ظاهره الحزبیه لتشابه الترکیبه والأهداف والبنى. وقد لا نعدو الحقیقه إذا قلنا إن التاریخ السیاسی البشری ما هو إلا ثمره الصراع بین الشیع، وکل الشیع تطمع فی الاستیلاء على السلطه وحیازتها لهم هذا الصراع لصالحها، ولم ینته هذا الصراع طوال التاریخ ولم یبرح المجتمع مکانه، فکأنه یدور فی حلقه مفرغه لا تشهد إلا نشوء الشیع وقیامها وتبعثرها وتعاقبها على السلطه. وإصرارها على استبعاد الشیعه المؤمنه التی تمثل الخط الإلهی، والتی لم یخل منها مجتمع قط عبر التاریخ بغض النظر عن القله والکثره.
الشیع فی المجتمع الإسلامی
نشأ المجتمع الإسلامی وأخذ صورته النهائیه عندما نجح الرسول فی توحید العرب سیاسیاً لأول مره فی التاریخ، ونقلهم من دوائر الشرک وأدیانه إلى دائره التوحید ودینها الإسلام، وقیادتهم.
والمجتمع الإسلامی لم یکن أبداً بمنجاه من ظاهره الشیع وإن کان جمیع أفراد المجتمع الإسلامی قد ادعوا أنهم شیعه الرسول فإن الواقع یتناقض مع شمول هذا الادعاء.
لقد واجه الرسول مجتمعاً جاهلیاً یتکون من عدد لا حصر له من الشیع أو الجماعات. ففی مکه، على سبیل المثال، کانت تسکن عده قبائل، منها قبیله قریش الکبیره، وکانت قریش تتکون من ۲۵ بطناً، وکل بطن من هذه البطون یشکل شیعه حقیقه متمیزه عن غیرها. وعملاً بالنهج التاریخی لشیع المجتمعات البشریه فقد تحالفت شیع بطون قریش ال 23 ووقفت وقفه رجل واحد ضد النبی وضد البطنین الهاشمی والمطلبی اللذان اختارا بأن یکونا شیعه للنبی. ووقفت مع شیع قریش الأکثریه الساحقه من شیع العرب طوال الثلاث عشره سنه التی أمضاها النبی فی مکه قبل الهجره. وبعد الهجره جیشت شیع البطون الجیوش، بمساعده شیع العرب، ودخلت مع النبی وشیعته فی حرب مسلحه ضروس استمرت زهاء ثمانی سنین. ثم هزمت شیع البطون، وفوجئت قیاده هذه الشیع بجیش النبی یدخل عاصمتها دخول الفاتحین، فاستسلمت، وعندما رأت جمیع الأبواب مغلقه فی وجهها أسلمت کارهه. وباستسلامها وإسلامها استسلمت وأسلمت شیع العرب المتحالفه معها ولم ینقب النبی الکریم عن ما فی القلوب وإنما اکتفى بالظواهر، ولم یعاقب شیع العرب عامه وشیع البطون خاصه على جرائمهم السابقه وإنما عفا عنهم قائلاً: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ووسعهم بحلمه وقلبه الکبیر وسماحته، ولاح لغیر المتبصر أن شیع العرب قد تفککت وتبعثرت وانتهت بالفصل، ولم یتصور العامه أن شیع العرب فی حاله الهدوء الذی یسبق العاصفه، وأن شیع العرب سرعان ما تعود إلى ممارسه الدور التاریخی الذی مارسته شیع الأمم السابقه!
عوده الشیع العربیه، ولکن بعمائم الإسلام
قبیل وفاه النبی الکریم بأشهر، کان المجتمع الإسلامی مجتمعاً واحداً فی الظاهر. یوالی النبی، ویعلن التزامه بأحکام الدین، ولکن بذور مجموعه هائله من الأخطار والکوارث کانت قد نبتت وترعرعت واشتد ساعدها بعیداً عن الأنظار وتحت السطح تماماً:
۱ – فالمنافقون الذین مردوا على النفاق یجوبون العاصمه، وقد أظهروا الإیمان وأبطنوا الکفر والحقد على محمد وآله.
۲ – وقسم کبیر من الأعراب، من حول المدینه، منافقون لم تتوقف اتصالاتهم قط مع مرده النفاق فی المدینه.
۳ – یلیهم مرتزقه من الأعراب لا یعرفون من الدین إلا اسمه ولا مطمع لهم إلا الکسب والغنیمه، وهم على استعداد للتحالف مع من یدفع لهم حتى ولو کان الشیطان نفسه.
ولا تتوقف هذه الفئات عن التلفظ بالشهادتین والقیام بمظاهر الدین، ولا یعرف الفوارق بینهم وبین غیرهم من المسلمین إلا من عمر الله قلبه بالإیمان.
۴ – وبعد أن جاء نصر الله والفتح، ودانت بلاد العرب بالولاء والطاعه لقیاده الرسول، التأم شمل قبیله قریش وتألق نجمها لأنها عشیره النبی.
وتکاتف مهاجرو هذه العشیره وطلقاؤها، وتوطدت أواصر العلاقه من جدید بین شیع البطون ال 23، وصار لها موقف موحد من الأمور العامه، یمکنها أن تجهر به حتى أمام الرسول نفسه. والدلیل القاطع على ذلک أنه عند ما مرض الرسول مرضه الذی مات منه أراد أن یلخص الموقف لأمته وأن یکتب لها توجیهاته النهائیه، وضرب النبی موعداً لکتابتها، وأحست شیع البطون أن هذه التوجیهات تمس مصالحها وتوجهاتها، وفی الوقت المحدد وما أن قال الرسول: (قربوا أکتب لکم کتاباً لن تضلوا بعده أبداً) حتى قال قائل شیع البطون: (إن الرسول قد اشتد به الوجع وهو یهجر، ولا حاجه لنا بکتابه ولا بوصیته لأن القرآن عندنا وهو یکفینا) (۱). وما أن أتم قائل البطون کلامه حتى قالت البطون بصوت واحد: (القول ما قاله فلان إن النبی یهجر، ولا حاجه لنا بکتاب النبی لأن القرآن وحده یکفینا)، واحتج الحاضرون من غیر أبناء البطون، وتشاد الطرفان واختصما، وکان واضحاً أن أفراد شیع البطون هم الأکثریه، فصرف النبی النظر عن کتابه ما أراد، لأنه لو أصر على الکتابه لأصرت البطون على هجره مع ما یستتبع ذلک من آثار مدمره على الدین کله) (۲).
____________
(۱) راجع: تذکره الخواص لابن الجوزی ص ۶۲، وسر العالمین وکشف ما فی الدارین لأبی حامد الغزالی، ص ۲۱٫
(۲) راجع، على سبیل المثال: صحیح البخاری، ۷ / ۹، وصحیح مسلم، ۵ / ۷۵٫ وصحیح مسلم بشرح النووی، ۱۱ / ۹۵٫ ومسند الإمام أحمد، ۴ / ۳۵۶٫ وکتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۲۸۷٫ وما بعدها لتقف على تفاصیل مواجهه شیع البطون مع النبی نفسه، ولتتأکد من حجم تأثیرها على الأحداث
۵ – وقد طورت الشیع القریشیه ال 23 المتحالفه مفهوماً جدیداً للقیاده من بعد النبی، فرأت أنه لیس من الإنصاف أن یکون النبی من بنی هاشم وأن
یکون الخلیفه من بنی هاشم وأن (العدل والصواب والتوفیق) یکمن فی أن تکون النبوه لبنی هاشم والخلافه لبطون قریش ال 23 تتداولها فی ما بینها. وجاء هذا التطور بعد إعلانات الرسول عن استخلافه لعلی بن أبی طالب، وإعطاء أهل بیت النبوه دوراً ممیزاً فی قیاده الأمه من بعد النبی، بخاصه بعد إعلانه الشهیر فی غدیر خم، ولیسهل على شیع البطون الإلتفاف على أوامر النبی وتوجیهاته قالوا: (إن الرسول بشر یتکلم فی الغضب والرضى). ما یعنی أنه لا ینبغی أنه یحمل جمیع کلام النبی على محمل الجد، ولا ینبغی أن ینفذ کله، وحتى تتأکد من تطویر شیع البطون لمفهوم القیاده من بعد النبی وتخصیص النبوه للهاشمیین والخلافه للبطون (۱).
۶ – إن شیع بطون قریش ال 23 التی أحیت تحالفها والتی أسلم أفرادها جمیعاً، فی ما بعد، جمیعها موتوره، فما من بطن من البطون إلا وقتل آل محمد وبخاصه علی بن أبی طالب منه قتلى خلال المعارک التی جرت بین الکفر والإیمان، وفکره الثأر عمیقه الجذور فی النفس البشریه، بعامه وفی نفوس العرب بخاصه، والتلفظ بالشهادتین غیر قادر على اقتلاع هذا الأثر.
۷ – والأخطر أن بطون قریش ال 23 تمسکت بنبوه النبی، ربما لاقتناعها بصدقه، أو لأنها وجدت فی النبوه طریق ملکها وسیادتها على العرب، وصار من مصلحه الجمیع التمسک بهذه النبوه. وانسیاقاً مع هذا التوجه، برأت شیع البطون رسول الله من الدماء التی سفکها أثناء حربه المسلحه مع البطون وحصرتها فی آل محمد بعامه وبعلی بن أبی طالب وذریته بخاصه.
____________
(۱) راجع: سنن الدارمی، ۱ / ۱۲۵ وسنن أبی داود، ۲ / ۱۲۶، ومسند أحمد، ۲ / ۱۶۲ و ۲۰۷ و ۲۱۶، ومستدرک الحاکم، ۱ / ۱۰۵ و ۱۰۶٫ وجامع بیان العلم لابن عبد البر، ۱ / ۱۸۵، والکامل لابن الأثیر ۳ / ۲۴، وشرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید ۳ / ۱۰۷٫
۸ – لقد صار مصطلح (مسلم) هویه لکل أفراد المجتمع الإسلامی والأخطر أن الجمیع تقریباً صاروا صحابه، وأحیطوا عملیاً بالهاله نفسها من التقدیس والاحترام من دون فرق یذکر بین مهاجر وطلیق ومؤمن ومنافق، وبین من قاتل مع النبی أو قاتل ضده، فقد أسلم الجمیع بالنتیجه!! وصحبوا النبی وعفا الله عما مضى.
۹ – فی هذا المناخ استذکر المجمتع مواقف شخصیات بارزه، من حول الرسول، فصار لکل واحد منها شیعه خاصه به، فنشأت شیعه لأبی بکر وأخرى لعمر، ثالثه لعثمان، ورابعه لطلحه… الخ. وکل شیعه تنادی بتمیز صاحبها، وتفتحت أشداق المطامع وتهیأ المناخ لعوده الشیع الجاهلیه ولکن معممه بعمامه الإسلام.
۱۰ – والأخطر أن شیعه النبی المخلصه التی قامت الدوله على أکتافها أصبحت کالشعره البیضاء فی جلد ثور أسود.
وکان واضحاً أن کفه تحالف شیع البطون هی الراجحه، وهی المرشحه القویه لقیاده عصر ما بعد النبوه، فأقبل المنافقون وطلاب الدین والراغبون فی السلامه على هذا التحالف. وتشابکت أیدی الشیع، فتشکل واقعیاً بدون إعلان، أکبر تحالف للشیع فی التاریخ الإسلامی کله، وأخذت الشیع تتربص وتنتظر موت الرسول الأعظم لتقتسم الغنیمه!