المنافقون والمرتزقه من الأعراب قوه کبرى
ولما رأت القبائل العربیه انهیار زعامه بطون قریش واستسلامها أدرکت أن من الجنون استمرارها فی عداوه النبی محمد (صلى الله علیه وآله)، وأدرک قسم من أفرادها أن محمداً صادق وأنه نبی، وتظاهر القسم الآخر بهذه القناعه. وهکذا فشت ظاهره النفاق فی مکه وفی الکثیر من الجماعات السیاسیه التی کانت متحالفه مع زعامه بطون قریش على حرب النبی وعداوته، ولم یفتش النبی سرائر الناس وقبل منهم ظاهرهم. وبما أن المدینه المنوره قد أصبحت عاصمه الدوله، ومرکز الجاه والنفوذ والثروه، فقد صارت نقطه تجمع لرعایا الدوله. واختلط منافقو مکه ومنافقو القبائل الجدد بمرده النفاق فی المدینه، واکتشفوا أنهم قوه کبرى، وصمموا على التعاون والترابط لنقض کلمه الإسلام من أصولها إن استطاعوا أو تغییر مسارها الصحیح على أقل تقدیر من خلال زعامه بطون قریش المعقده من النبوه الهاشمیه وفکره الملک والخلافه الهاشمیه. لقد فهم المنافقون أن علیاً بن أبی طالب هو الولی الشرعی للأمه حسب ما أعلنه النبی وأن أحد عشر إماماً من ذریه النبی، ومن أولاد علی وأحفاده، سیتعاقبون على منصب الإمامه أو القیاده من بعد النبی وعلی.
____________
(۱) راجع المغازی للواقدی ۳ / ۱۰۴۴ طبعه مؤسسه الأعلمی.
وقد فهم المنافقون أن بطون قریش ال 23 مستاءه من التمیز الهاشمی، وأنها ترفض رفضاً قاطعاً الترتیبات الإلهیه التی أعلنها النبی والمتعلقه بقیاده الأمه من بعده، وأن هذه البطون تنتظر موته وتعد العده للقیام بانقلاب، وفی وقت، یطول أو یقصر، ستمد زعامه بطون قریش یدها للمنافقین، وتنشر ودهم ودعمهم. وعند ما لا یعمل بالنظام الإسلامی المتعلق بالقیاده ستبدأ المنظومه الحقوقیه الإسلامیه بالانهیار وسیتحول الإسلام إلى قشور، وهذا ما یتمناه المنافقون، لذلک أخذوا ینتظرون بفارغ الصبر موت النبی وإعلان البطون القریشیه عن انقلابها الأسود! لیحققوا أهدافهم من خلالها. وإلى جانب المنافقین وقفت المرتزقه من الأعراب.
الحلف العملی وبقاء أصحاب محمد قله
وهکذا تکون، عملیاً وواقعیاً، حلف مؤلف من:
۱ – بطون قریش المصره على إلغاء الترتیبات الإلهیه.
۲ – منافقی المدینه وما حولها ومکه وحلفائها السابقین.
۳ – المرتزقه من الأعراب. وغایه الجمیع واحده، وهی إحداث التغییر الجوهری، فی البنى السیاسیه التی أرساها النبی، على أن یکون التغییر تحت مظله ثوب الإسلام وقشوره الخارجیه.
ومن الناحیتین، العملیه والواقعیه، بقیت الفئه التی کانت تعرف ب (أصحاب محمد (فئه قلیله تماماً کما کانت عندما بدأت المواجهه. والفرق أن أصحاب محمد کانوا یواجهون ویعیشون أقلیه وسط محیط من المشرکین یواجههم ویعادیهم ویحاربهم.
بینما کان (أصحاب محمد)، قبیل وفاه النبی، فئه قلیه وسط المحیط الذی دخل الإسلام حدیثاً أو تظاهر بالدخول. لقد صار (أصحاب محمد) کالشعره البیضاء فی جلد ثور أسود على حد تعبیر معاویه بن أبی سفیان.
ارتباط مصطلح (أصحاب محمد) بالمواجهه
قلنا إن (أصحاب محمد) کانوا قله وسط عالم عربی مشرک یناصبهم العداء، وبعد أن انتصر النبی صاروا قله وسط عالم عربی حدیث العهد بالإسلام. وقد ارتبط هذا المصطلح بحاله المواجهه التی جرت بین محمد وآله والقله التی والته من جهه وبین بطون قریش ومن والاها من جهه أخرى بمعنى أن العالم العربی المشرک قد انقسم عملیاً إلى معسکرین. أحدهما محمد وبنو هاشم (وأصحاب محمد القله) وثانیهما الأمویون بخاصه وبطون قریش بعامه ومن والاهم من العرب. وبطون قریش لم تواجه محمداً وبنی هاشم لتعبر عن ولائها وحبها لدین الشرک، أو خوفاً من دین الإسلام وکراهیه له إنما واجهتهم لأنها اعتبرت النبوه زعامه وقیاده، وهی ترفض رفضاً مطلقاً نبوه بنی هاشم وزعامتهم وقیادتهم، وقد قدرت أن النبوه والدین الجدید ما هما إلا غطاء استعمله محمد والهاشمیون لنسف الصیغه السیاسیه الجاهلیه القائمه على اقتسام مناصب الشرف بین بطون قریش، وکید کاده الهاشمیون لیتفردوا بکل الشرف والفخر، ولیحرموا بطون قریش منها!
لذلک هانت على بطون قریش معاداه محمد وبنی هاشم ومعاداه أولیائهم (أصحاب محمد) فلم تواجه (أصحاب محمد) لأنهم ترکوا دین الشرک، أو لأنهم دخلوا فی الإسلام الذی جاء به محمد، إنما واجهتهم لأنهم تبرعوا من دون الناس بتأیید (المطامع الهاشمیه والبغی الهاشمی المتمثل بمحاوله محمد والهاشمیین التفرد بالقیاده والفخر والشرف وحرمان بطون قریش من هذا کله) هذا هو سر اندفاع بطون قریش فی عداوه محمد والهاشمیین، و (عداوه أصحاب محمد) الذین شکلوا مع النبی ومع الهاشمیین طرف المواجهه الآخر، وتحملوا المشاق والمتاعب وکافه آثار تلک المواجهه الألیمه.
هزیمه البطون القریشیه
واجهت بطون قریش محمداً وآله (وأصحاب محمد) بضراوه بالغه وجرعتهم أمر کؤوس العذاب، خلال مده ال 23 عاماً أو ال 15 عاماً التی قضاها النبی فی مکه قبل الهجره، وتوجت البطون تلک المرحله بمؤامره جماعیه استهدفت حیاه النبی. لکن المؤامره فشلت، ونجح النبی فی هجرته. وبسرعه مذهله، کون النبی جبهه إسلامیه فی یثرب تتألف: ۱ – من مهاجری مکه، ۲ – ومن مسلمی قبیلتی الأوس والخزرج ومن والاهم، ۳ – ومن المتظاهرین منهم بالإسلام (المنافقون).
عرف هؤلاء جمیعاً (بأصحاب محمد)، وبهم خاض النبی غمار المواجهه المسلحه مع بطون قریش وطواغیت الکفر والشرک فی الجزیره العربیه، تلک المواجهه المسلحه التی استمرت ثمانی سنین، نشبت خلالها بین الطرفین معارک دامیه أبرزها بدر وأحد والخندق قتل فیها أشجع أبناء البطون، وطائفه من آل محمد ومن خیره أصحابه. لقد استماتت بطون قریش للقضاء على التمیز الهاشمی، وإطفاء نور الله، فلم تترک طریقاً من طرق الصد والمقاومه، ولا فناً من فنون الحرب إلا جربته. فاستعدت العرب والموالی والیهود. وتحالف معهم، ووضعت جمیع مواردها وطاقاتها، وضحت بخیره أبنائها لهدف محدد، وهو القضاء على محمد ودینه، لکنها فشلت وأفلست، وفوجئت صبیحه أحد الأیام بجیش محمد یحیط بمکه من کل جانب، واکتشفت أن جمیع الأبواب قد أغلقت فی وجهها، فاستسلمت عسکریاً، ثم أسلمت أو تظاهرت بالإسلام، وسقطت عاصمه الشرک نهائیاً. وبانتصار النبی فی حنین، وباستسلام الطائف ; أصبحت الجزیره العربیه کلها إقلیماً لدوله النبی المترامیه الأطراف، وأصبح سکان الجزیره العربیه رعایا الدوله. وأصبحت (أصحاب محمد) (القله) الذین خاضوا معه غمار مواجهه أرکان الدوله التی کان نبی الله على رأسها، وانتهت المواجهه رسمیاً.
الجرح الراعف والحقد الدفین
صحیح أن بطون قریش قد استسلمت عسکریاً بعد صراع مع النبی دام ۲۳ عاماً، وصحیح أیضاً أنها أسلمت أو تظاهرت بالإسلام، وتلفظت بالشهادتین بعید استسلامها وهزیمتها. لکن لیس فی الدنیا کلها عاقل واحد یمکن أن یصدق أن إسلام البطون، فی هذه الظروف، أو تظاهرها بالإسلام قادر على إزاله شعورها بالاحباط والهزیمه، أو إعاده الحیاه لأبنائها الذین قتلهم محمد وآله وأصحابه أثناء المعارک الدامیه التی جرت بین الطرفین. فالبطون جمیعها، وبخاصه البطنین:
الأموی والمخزومی، قد وترت بأبنائها، وفاضت قلوبها بالحقد على محمد وآله ومن والاهم موالاه صادقه. ساذج فقط هو الذی یصدق أن التلفظ بالشهادتین له القدره على محو الآثار النفسیه العمیقه لصراع دموی ومریر إستمر ۲۳ عاماً! والأهم أن التلفظ بالشهادتین غیر کاف لجعل بطون قریش تتخلى عن أهدافها وغایاتها من مواجهتها للنبی المتمثله (برفضها المطلق للنبوه والزعامه الهاشمیه) وکیف یقر لها قرار، محمد الهاشمی یتربع على قمه الهرم، ویعلن لیل نهار أن الإمام من بعده هو علی بن أبی طالب، الفارس العجیب الذی فجع البطون بأبنائها یلیه فی الإمامه أحد عشر إماماً من ذریه النبی ومن نسل علی جمیعهم من بنی هاشم! جمیع هذه الحقائق والذکریات شکلت فی قلب کل واحد من أبناء البطون جرحاً راعضاً، وربت حقداً دفیناً إلا من امتحن الله قلبه للإیمان منهم، وهم قلیل، جد قلیل.
إعاده تقویم الموقف والاعتراف بالمعطیات الجدیده
وضعت الحرب أوزارها باستسلام البطون، والتقى المهاجرون والطلقاء من أبنائها بعد أن اجتمع شمل الجمیع تحت خیمه الإسلام الواسعه، وتذکروا الآباء والأبناء والأخوه والأعمام والأخوال الذین قتلهم محمد وآله وأصحابه! ولم تکن للبطون قدره على الاعتراض، لأنها مهزومه، وقد تعلمت، خلال حقبه المواجهه، أن محمداً سینتصر دائماً، وأن أی مواجهه معه مصیرها الفشل الذریع.
ومن هنا صارت العافیه مرهونه بالصمت وإخفاء حقیقه ما فی النفوس. واستذکر أبناء البطون أن النبوه الهاشمیه صارت قدراً لا مفر منه وأن لا محیص من اعترافهم بهذه النبوه، وأن الصیغه الجاهلیه السیاسیه القائمه على اقتسام مناصب الشرف قد تمزقت نهائیاً، وأن الهاشمیین قد تفردوا بکل الفخر والشرف فالنبی منهم، ومحمد لا یتوقف عن الإعلان بأن الولی من بعده هو علی بن أبی طالب ومن بعده أحد عشر إماماً جمیعهم من ذریه النبی الهاشمی ومن نسل علی الهاشمی أیضاً. وکلما تذکروا ذلک وتذاکروا به اجتاحت قلوبهم موجات هائله من المشاعر التی یختلط بها کل شئ: الحقد والحسد والوتر والإحباط والشعور بالهزیمه الماضی والحاضر، الإسلام والشرک والدنیا والآخره. وأسفرت هذه المشاعر المتناقضه عن شعور بالمراره، ورغبه هائله بالتغییر، ولکن تحت مظله الإسلام فمحمد وآله وأصحابه ما زالوا قله، کانوا قله وسط بحر من الشرک وصاروا بعد الانتصار قله وسط بحر من حدیثی الإسلام! فتحت مظله الإسلام ستعود الأمور إلى مجاریها الجاهلیه، فتتأخر القله، وتتقدم الأکثریه، ویعود التوازن الذی اختل لصالح البطن الهاشمی. هذا هو الهدف الکبیر الذی التفت حوله بطون قریش: مهاجرها وطلیقها بعد الاستسلام والهزیمه، بمعنى أن همها قد انحصر فی إلغاء جمیع الترتیبات الإلهیه المتعلقه بمنصب الإمامه أو القیاده التی أعلنها النبی، وتجرید الهاشمیین على المدی البعید من جمیع حقوقهم السیاسیه، والقضاء التام على مکانتهم المتمیزه، وتحجیم (أصحاب محمد)، وبخاصه المعروفین بحبهم وبولائهم لآله، وإبعادهم کلیاً عن مراکز التأثیر وتسلیط الأضواء على قلتهم، وعدم فاعلیتهم، والحط العملی من قیمتهم تحت شعارات مختلفه لغایه فی نفس یعقوب.