أسالیب أبناء بطون قریش لتحقیق غایاتهم تحت مظله الإسلام

0

۲ – وحیث أن الهاشمیین قد اختصوا بالنبوه وأخذوها، وهی شرف عظیم، واعترفت لهم جمیع البطون بهذا الشرف خالصاً، فلیس من العدل أن یأخذوا الملک (أن یکونوا خلفاء من بعد النبی) لأن معنى هذا أن یجمعوا النبوه والملک ویحرموا البطون من هذین الشرفین معاً. والأصوب والأبعد عن الإجحاف أن تکون النبوه لنبی هاشم خاصه لا یشارکهم فیها أحد من البطون، وأن تکون خلافه النبی (الملک) للبطون خاصه لا یشارکهم فیها أی هاشمی قط. وعلى هذا أجمعوا. وأبرز منظری هذا المبدأ اثنان هما: أبو بکر الخلیفه الأول، وعمر بن الخطاب الخلیفه الثانی (۱).
____________
(۱) راجع الکامل لابن الأثیر ۳ / ۲۴، وشرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید ۳ / ۱۰۷ و ۱۲ / ۵۳ – ۵۴٫
أما النصوص النبویه المتواتره التی نصت على أن الإمام علیاً بن أبی طالب وأحد عشر إماماً من ذریه النبی، ومن نسل علی، هم الأئمه الشرعیون للأمه من بعد النبی، فقد عدها أبناء البطون غیر ملزمه، وغیر معقوله لعده أسباب منها: ۱ – أن الرسول بشر یتکلم فی الغضب والرضى ولا ینبغی أن یحمل کلامه کله على محمل الجد (۱)! وعلى هذا الأساس أهملت بطون قریش جمیع النصوص النبویه التی نظمت أمر الولایه من بعد النبی. ومن جهه ثانیه فإنه لا علم للبطون بأن القرآن قد تطرق لهذه الناحیه. والأمر الملزم للبطون هو القرآن وحده ولا حاجه لقول النبی ولا لوصایاه فی أمور لم یعالجها القرآن. ولقد جهر عمر بن الخطاب بهذه القناعه أمام الرسول نفسه، وأیده أبناء البطون فحالوا بین الرسول وبین کتابه توجیهاته النهائیه، بحجه أن القرآن وحده یکفی ولا حاجه لتوجیهات الرسول ولا لوصایاه لأنهم أدرکوا أن هذه التوجیهات ستبطل کیدهم (۲) وفی هذا السیاق، وطمعاً بطمس جمیع النصوص النبویه المتعلقه بخلافه النبی منع خلفاء البطون الرعیه من أن تحدث عن رسول الله، وجمعوا الأحادیث التی کتبها الناس عنه وأمروا بتمزیقها (۳)!
۳ – إضفاء هاله من التقدیس تفوق التصور والوصف على أبناء البطون البارزین، ومعاملتهم باحترام یفوق احترامهم للرسل والأنبیاء، والتماس الأعذار لأخطائهم وهفواتهم وتقدیمهم للأمه جنباً إلى جنب مع النبی لهم سنن واجبه الاتباع تماماً کسنه الرسول. وإذا تعارضت سننهم مع سنن الرسول ترجح سنن أبناء البطون، ویمکن للواحد من هؤلاء البارزین أن یقول للرسول وجهاً لوجه: (أنت تهجر ولا حاجه لنا بوصیتک) فتصفق جمیع البطون لهذا القائل وتؤیده، وتقول أمام الرسول: (إن الرسول یهجر والقول ما قاله عمر)، کما حدث یوم الرزیه والنبی على فراش الموت (۴).
____________
(۱) راجع سنن الدارمی ۱ / ۱۲۵، وسنن أبی داود ۲ / ۱۲۶، ومسند أحمد ۲ / ۱۶۲ و ۲۰۷ و ۲۱۶، ومستدرک الحاکم ۱ / ۱۰۵ و ۱۰۶٫
(۲) راجع صحیح البخاری ۴ / ۳۱ و ۷ / ۹، ۱ / ۳۷، و ۲ / ۱۳۲، وصحیح مسلم ۲ / ۱۶ و ۵ / ۷۵، وصحیح مسلم بشرح النووی ۱۱ / ۹۴ – ۹۵، تاریخ الطبری ۲ / ۱۹۲٫
(۳) راجع التفصیل والمراجع فی مبحث (الإمامه أو الولایه أو القیاده من بعد النبی) من هذا الکتاب.
(۴) راجع کتابنا نظریه عداله الصحابه ص ۲۸۶ وما بعدها تجد التفصیل والمراجع.
وعلى سبیل المثال، لا الحصر، کانت سنه الرسول جاریه على تقسیم المال بین الناس بالسویه، ولما آلت الخلافه إلى عمر بن الخطاب رأى أن سنه الرسول فی هذا المجال لیست مناسبه وأن الأنسب إعطاء الناس من الأموال حسب منازلهم بمقاییس عمر. وهکذا فعل فصفقت له أبناء البطون وصفق الناس من خلفهم، وأشاد الجمیع بعبقریه عمر وعدله وترکه لسنه رسول الله، وجاء القوشجی فی (شرح التجرید) وابن أبی الحدید فی (شرح نهج البلاغه) فوضعوا النقاط على الحروف وقالوا بکل صراحه: (إن الرسول مجتهد وعمر مجتهد!! ومن حق المجتهد أن یخالف مجتهداً آخر)!
وکانوا یشترطون على الخلیفه الجدید أن یعمل بسنه الرسول وسنه الشیخین أبی بکر وعمر، فسنه الرسول وحدها غیر کافیه! ولو کانت کافیه لما کان هنا لک داع لسنه الشیخین!
وفی هذا السیاق، أنت ترى أن العشره المبشرین بالجنه جمیعهم من أبناء البطون، ولم تعترف البطون، رسمیاً، بأی مبشر بالجنه غیرهم، وقد شاع هذا الخیر وانتشر وأصبح من المسلمات مع أنه من أحادیث الآحاد!
وقد ترجح الشخصیه البارزه، من أبناء البطون، على الرسول نفسه صراحه، فهذا زید بن عمرو بن نفیل ابن عم الخلیفه عمر یزور رسول الله قبل البعثه، فیقدم له الرسول مائده فیها لحم، فیرفض زید أن یأکل من مائده الرسول، فیسأله الرسول عن سبب ذلک، فیقول زید له: (إنی لا آکل إلا ما ذکر اسم الله علیه) (۱) فهم یصورون زیداً کأنه أحوط وأفضل من رسول الله! ولقد نجحت بطون قریش فی تصدیر هذه العقیده وتعمیمها حتى صارت من المسلمات. فإذا أراد العامه أن یرمزوا لفکره العدل یقولون: (عدل عمر). ولا یقولون عدل محمد أو عدل الرسول! والأهم من ذلک أن حب أشخاص معینین من أبناء البطون صار جزءاً من العقیده، فلو التزم مؤمن بالإیمان تماماً، ولکنه کان یرى أن علیاً بن أبی طالب أو غیره أولى بالخلافه من أبی بکر أو عمر أو عثمان لکانت هذه کافیه للتشکیک بکل إیمانه وحتى بدینه، ونعته بکل النعوت التی تطرده من الجماعه، وتسلط غضب العامه علیه، فیقال (أنه رافضی خبیث)، أو (شیعی مقیت)، أو (طاعن ملعون بالصحابه الکرام).
____________
(۱) راجع صحیح بخاری فی کتاب الذبائح باب ما ذبح على النصب والأصنام ۳ / ۲۰۷٫
۴ – الحشد وانتظار موت النبی بعد أن استسلمت بطون قریش وبعد التقاء المهاجرین والطلقاء على هدفهم الجدید، بدأ الحشد والإعداد لتحقیق الهدف.
وفی هذا السیاق، صارت کلمه أبناء البطون واحده فاتحدت مثل اتحادها عندما أعلن الرسول دعوته فی مکه، ولکن هذه المره تحت خیمه الإسلام، فإذا تکلمت شخصیه بارزه من أبنائها تقف جمیعها خلفه وتردد ما قالته، وموقف البطون وتأییدها لعمر بن الخطاب والنبی على فراش الموت وتردیدها خلفه: (إن النبی یهجر، ولا حاجه لنا بوصیته، والقرآن وحده یکفینا) دلیل قاطع على صحه ما ذکرناه.
وفی مجال الحشد، مدت البطون یدها للمنافقین، فلم یرو لنا التاریخ کله أن أحداً من المنافقین قد عارض أی خلیفه من خلفاء البطون، لقد شکلوا مع البطون جبهه واحده ولکن تحت خیمه الإسلام هذه المره. کذلک استغلت البطون الخلاف العشائری بین الأوس والخزرج ووطدت علاقاتها بأسید بن حضیر وطائفه من قومه وشیعتهم بعقیدتها مما سهل وهون على أسید أن یشترک فی الیوم الثانی لوفاه الرسول بسریه غایتها إحراق بیت فاطمه بنت محمد على من فیه، وفیه علی بن أبی طالب وفاطمه والحسن والحسین سبطا رسول الله!!
وفی هذا السیاق، مدت البطون یدها للمرتزقه من الأعراب فوعدتهم ومنتهم وتحالفت معهم وانتظرت وإیاهم موت الرسول بفارغ الصبر. أنظر إلى قول عمر:
(ما أن رأیت أسلم حتى أیقنت بالنصر) فهو یعلم أن قبیله أسلم معه تؤیده وتؤید حزبه.
وهکذا شکلت بطون قریش جبهه تضم أبناءها والمنافقین والمغرر بهم من الأنصار والمرتزقه من الأعراب، ولهذه الجبهه غایه واحده هی إقصاء آل محمد وأهل بیت النبوه عن خلافه الرسول والاستیلاء على منصب الخلافه بالقوه والتغلب والقهر، واعتبار التغلب هو الطریق الأوحد لتولی هذا المنصب.
وفی الجانب الآخر، وجد النبی وأهل بیته وأصحابه المخلصین أنفسهم (قله) من جدید، وعلیهم أن یواجهوا واقعاً جدیداً، فجمیع بطون قریش والمنافقون والمغرر بهم من الأنصار والمرتزقه من الأعراب فی صف واحد متحد ومتراص ولکن تحت خیمه الإسلام، ولهم هدف محدد واضح یتلخص بإلغاء الترتیبات الإلهیه المتعلقه بمنصب القیاده أو الولایه أو الإمامه من بعد الرسول، وکان هذا التجمع من القوه بحیث أنه حال بین الرسول وبین کتابه ما أراد أثناء مرضه، وأن هذا التجمع قد واجه الرسول فی بیته، وفرض رأیه فرضاً، وبهذا أخرجوا الرسول من دائره التأثیر على الأحداث، وعطلوا عملیاً دوره کقائد للأمه. لقد أمر الرسول بتجهیز حمله أسند قیادتها إلى أسامه بن زید وطلب من الحمله أن تتحرک فوراً وأن تغادر المدینه، ولکن أقطاب التجمع فطنوا لخطه النبی، فتثاقلوا وثبطوا الناس، ونجحوا فی تأخیر مسیره الحمله، وتفویت الحکمه من وقت تسییرها، کل هذا یجری وتجمع البطون ومن والاها یکرر الشهادتین والاعتراف التام بالنبوه والرساله، ولکن تحت شعار (حسبنا کتاب الله). هذا هو المناخ الذی أو جده تجمع البطون قبل استیلائه على منصب الإمامه بالقوه والتغلب والقهر.
النجاح الساحق
انتقل الرسول إلى جوار ربه، وانشغل الآل الکرام وأهل بیت النبوه الطاهرین بتجهیز جثمانه الطاهر لمواراته فی ضریحه الأقدس. وخلال هذه المده تجمع قاده التحالف، ونصبوا خلیفه منهم متجاهلین بالکامل جمیع النصوص النبویه التی عالجت منصب خلافه النبی، وصار التحالف جیشاً للخلیفه، وصار قادته قاده لدوله الخلیفه، وقبضوا سریعاً على المال والجاه والنفوذ ثم زحفوا إلى مسجد النبی، زافین الخلیفه، زفاً لیواجهوا الولی الشرعی وأهل بیت النبوه ومن تبقى معهم من الصحابه الکرام بالأمر الواقع، ولیحصلوا بالقوه على بیعه من لم یبایع، ومن لم یبایعهم مصیره الموت، حتى لو کان علیاً بن أبی طالب، ومن یتکتل ضدهم سیحرقونه حیاً حتى لو کانت فاطمه بنت محمد، أو الحسن والحسین سبطا محمد (صلى الله علیه وآله) ولیثبتوا جدیتهم بالفعل جمعوا الحطب وهموا بإشعال النار ببیت فاطمه بنت محمد، وکادوا یحرقونه على من فیه لو لا لطف الله تعالى، وفوجئ الناس بهذه القسوه البالغه التی لم یعهدوها فی عهد الرسول ولا حتى فی الجاهلیه، فأقبلوا على البیعه حفظاً لحیاتهم ومصالحهم.
وهکذا نجح قاده تحالف البطون نجاحاً ساحقاً بالاستیلاء على منصب الخلافه من بعد الرسول بالحشد والقوه والتغلب والقهر، ومواجهه کل من یقف فی دربهم حتى ولو کان الرسول نفسه، واتحدت أغلبیه الأمه وراءهم رغبه أو رهبه، ولم یتخلف عن بیعتهم إلا علی بن أبی طالب وأهل بیت النبوه وبنو هاشم کما یروی البخاری، أو بعض الشخصیات البارزه کسعد بن عباده، وقد هم قاده التحالف بقتله عند امتناعه عن البیعه مباشره، ولکنه خشوا عواقب ذلک، وفی ما بعد أصدر عمر بن الخطاب أمراً بقتله وقتل فعلاً. وقد صورت وسائل إعلام البطون المتخلفین عن البیعه بصوره الشاقین لعصا الطاعه، والمفارقین للجماعه!
ولو لا لطف الله لقتلوا علیاً بن أبی طالب، ولأحرق أهل بیت النبوه وهم أحیاء!
ولکن عقلاء البطون رأوا أن من الأنسب عزل أهل بیت النبوه اجتماعیاً، وتجریدهم من کافه حقوقهم السیاسیه، وترکیعهم اقتصادیاً! فهذا أجدى وأنفع من القتل فی تلک المرحله! وفی هذا السیاق تم تجرید أهل بیت النبوه من جمیع ممتلکاتهم، وتم حرمانهم من میراث النبی، ومن کافه المنح التی أعطاها لهم الرسول حال حیاته، وتم حرمانهم من الخمس المخصص له فی آیه محکمه، ولأسباب إنسانیه وعد الخلیفه الأول بتقدیم المأکل والمشرب لهم (۱).
____________
(۱) راجع کتابنا المواجهه مع رسول الله وآله (القصه الکامله) تجد التفصیل الکامل الموثق.

Leave A Reply

Your email address will not be published.