من وسائل تدمیر سنه رسول الله

0

لأنه یرید أن ینظر بها ویقومها ، وصدقت الأکثریه الساحقه من المسلمین ذلک فلما أتاه الناس بسنه رسول الله المکتوبه عندهم ، وبالکتب المحفوظه لدیهم أمر بتحریقها وحرقت فعلا ، ثم کتب إلى عماله فی کل البلاد الخاضعه لحکمه أن من کان عنده شئ من سنه الرسول فلیمحه ، وقد وثقنا کل کلمه قلنا مرات متعدده فی الفصول السابقه .
واقتداء بالخلفاء وعملا بسنتهم اخترعت وسائل أخرى للقضاء على سنه الرسول وتدمیرها .
 1 – الدفن : قال إبراهیم بن هاشم : " دفنا لبشر بن الحارث ثمانیه عشر ما بین قمطر وقوصره " ( 1 ).
وعلق ابن حنبل على عملیه الدفن بقوله : " لا أعلم لدفن الکتب من معنى " ( 2 ).
ــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تقیید العلم ص ۶۲ – ۶۳ ، وتدوین السنه ص ۲۷۷ .
( ۲ ) تقیید العلم ص ۶۳ .( * )
وقال ابن الجوزی : " دفن الکتب وإلقاؤها فی الماء من تلبس إبلیس " ( 1 ) .
 2 – المحو : قال أبو نضره قلنا لأبی سعید : " اکتتبنا حدیثا من حدیث رسول الله فقال : امحه " ( 2 ) وهکذا فعل أبو موسى مع تابعه إذ محا کل ما کتب ( ۳ ) .
 3 – الغسل : قال عبد الرحمن بن أبی مسعود : " کنا نسمع الشئ فنکبته ففطن لنا عبد الله بن مسعود ، فدعا أم ولده ، ودعا بالکتاب وبإجانه من ماء فغسله " ( 4 ) .
وقال أبو برده بن أبی موسى : " کنت کتبت عن أبی کتابا فدعا بمرکن ماء فغسله " ( 5 ) .
وقال أبو برده أیضا : " کان أبو موسى یحدثنا بأحادیث فنقوم أنا ومولى لی فنکتبها ، فقال أتکتبان ما سمعتما منی ؟ قالا : نعم ، قال : فجیئانی به ، فدعا بماء فغسله " ( 6 ) .
وحتى یضفو على هذه الأفعال الشنیعه طابع الشرعیه کذبوا على رسول الله ، فادعوا بأنهم حرقوا سنته المکتوبه أمامه ولم یستنکر ذلک ( ۷ ) .
بل ادعوا ما هو أکبر من ذلک فزعموا أن الرسول قد قال : " لا تکتبوا عنی من کتب عنی غیر القرآن فلیمحه " ( 8 ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) نقد العلماء أو تلبیس إبلیس ص ۳۱۴ – ۳۱۶ ، وتدوین السنه ص ۲۷۹ .
( ۲ ) تقیید العلم ص ۳۸ .
( ۳ ) الطبقات الکبرى لابن سعد ج ۴ ص ۱۱۲ .
( ۴ ) سنن الدارمی ج ۱ ص ۱۰۲ .
( ۵ ) تقیید العلم ص ۴۱ .
( ۶ ) تقیید العلم ص ۴۰ ، وتدوین السنه ص ۲۸۱ .
( ۷ ) مسند أحمد ج ۵ ص ۱۸۲ ، وسنن أبی داود کتاب العلم ج ۳ ص ۳۱۹ .
( ۸ ) صحیح مسلم ج ۴ ص ۹۷ کتاب الزهد باب التثبت فی الحدیث وحکم کتابه العلوم ح ۷۲ ، وسنن الدارمی ج ۱ ص ۱۱۹ المقدمه باب ۴۲ ، ومسند أحمد ج ۳ ص ۱۲ و ۳۹ و ۵۱  . ( * )
ثم توجوا هذه الاختلاقات بقولهم : " إن الإمام علیا خطب الناس فقال : اعزم على کل من کان عنده کتاب إلا رجع فمحاه ، فإنما أهلک حیث یتبعوا أحادیث علمائهم وترکوا کتاب ربهم " ( 1 ) .
ـــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الأنوار الکاشفه ص ۳۹ ، وتدوین السنه ص ۱۹۱  . ( * )
مثل هذه الأحادیث صحیحه من حیث الشکل ، ولنفترض أن أبا هریره هو الذی رواها کلها ، فادعى بأنه قد سمعها من رسول الله بالفعل ، شکلا الحدیث مقبول ومعقول ، لأن أبا هریره قد عاصر الرسول وصحبه سنتین أو ثلاث ، ولأن هذا الحدیث یتفق مع سیاسه الخلفاء وسنتهم القائمه على طمس سنه الرسول فمن الطبیعی أن یتبناه الخلفاء ، وأن تتبناه الدوله لأنه یتفق مع توجهاتها فإذا تبنته الدوله یصبح جزءا من وثائقها الرسمیه ، ولا یجوز الطعن بالوثائق الرسمیه إلا عن طریق التزویر ! !
والدوله لا تکتفی بذلک ، إنما تدخل مث هذا الحدیث فی مناهجها التعلیقه ، وتفرض على الناس تصدیقه ! ! ! ولم یکن بإمکان أحد أن یطعن بصحه حدیث تتبناه الدوله ، فمثل هذه الأحادیث محصنه بقوه الدوله ونفوذها ضد الطعن ، وعندما أباحت دوله الخلافه فی ما بعد روایه وکتابه أحادیث الرسول وانطلق العلماء لجمعها وجدوا هذه الأحادیث التی تبنتها دوله الخلافه على شکل وثائق رسمیه فنقلوها کما هی دون أن یتأکدوا من صحه مضامینها ، بعد سقوط دوله الخلافه بقیت هذه الأحادیث محصنه أیضا ضد الطعن ، ولکن لیس بقوه دوله الخلافه إنما بقوه " نظریه عداله کل الصحابه " ! !
فإذا صح أن أبا هریره قد قال سمعت رسول الله ، أو سمعت علیا یقول کذا وکذا فإن أبا هریره صادق ۱۰۰ % لأنه صحابی والصحابی " من العدول " أو معصوم ومن المستحیل أن یکذب ! ! وهکذا وجدت الأحادیث التی تخدم توجهات الدوله ، أو تؤید سنه الخلفاء حمایه مطلقه ، وإحصانا دائما ضد الطعن ! ! واختلفت الأحادیث الصحیحه مع الأحادیث المکذوبه على رسول الله واختلط الدفاع عن سنه الرسول بالدفاع عن سنه الخلفاء وتواجدت هذه المتناقضات معا ، فنجمت على الباحث وعلى المسلم أن یراعیها معا ! ! ! صحیح أن المسلمین یعیشون زمانهم الراهن ، ولکن بعقلیه الماضی وتناقضاته ، وأهل بیت النبوه ومن والاهم وأحسن الولاء لهم هم وحدهم الذین استطاعوا أن یشقوا طریقهم وسط هذه التناقضات ، وأن یسلکوا سبیل الهدى . ( * )
صار منع کتابه وروایه سنه الرسول هدفا من أهداف الخلفاء
لقد أمر أبو بکر المسلمین " بأن لا یحدثوا عن رسول الله شیئا " ( 1 ) وإفصاحا عن مراده قام بحرق الأحادیث التی سمعها بنفسه من رسول الله وکتبها بخط یده " ( 2 ) وأمر الخلیفه رعایاه بأن یجعلوا القرآن هو المرجع الوحید لهم فیحلوا حلاله ویحرموا حرامه " ( 3 ) وهکذا أخرج الخلیفه الأول سنه رسول الله رسمیا من واقع الحیاه ! ! ! إذ لم تعد هنالک حاجه ولا أهمیه لسنه الرسول بعد الذی فعله الخلیفه الأول ! ! !
ــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تذکره الحفاظ للذهبی ج ۱ ص ۲ – ۳ ، والأنوار الکاشفه ص ۵۳ ، وتدوین السنه الشریفه ص ۴۲۳ .
( ۲ ) تذکره الحفاظ للذهبی ج ۱ ص ۵ ، وکنز العمال ج ۱۰ ص ۲۸۵ ، والاعتصام بحبل الله ج ۱ ص ۳۰ ، وتدوین السنه ص ۲۶۴ .
( ۳ ) المراجع السابقه ۱ و ۲  . ( * )
وعندما آلت الخلافه إلى عمر بن الخطاب اعتقد أن ما فعله الخلیفه الأول بسنه الرسول غیر کاف ولا مجد لذلک فقد صمم على أن یجتث سنه رسول الهل من الوجود ، فأوهم المسلمین أنه یرید أن یجمع سنه الرسول ، وکدلیل على جدیته استشار أصحاب رسول الله بذلک ، فأشاروا علیه بأن یجمعها ، ثم ناشد الناس أن یأتوه بسنه رسول الله المکتوبه عندهم ( ۱ ) حتى یستعین بها فی مشروعه " جمع السنه " وناشد الناس أن یأتوه بالکتب المحفوظه لدیهم حتى ینظر فهیا ویقومها فأرسلت الأکثریه الساحقه من المسلمین سنه الرسول المکتوبه ، والکتب المحفوظه عندهم ، ولما وضعت بین یدیه لم یقرأ صفحه واحده منها ، إنما أمر بحرقها وحرقت فعلا ( ۲ ) وبعد ذلک عمم الخلیفه الثانی على کافه الأمصار الخاضعه لحکمه أن من کان عنده شئ منها فلیمحه ( ۳ ) .
وبعد أن تیقن الخلیفه أنه قد أحرق سنه الرسول المکتوبه ، وأن ولاه الأمصار محو ما هو مکتوب منها عندهم ، رکز کافه جهوده على منع الروایه عن رسول الله ، فنهى علنا عن روایه أحادیث الرسول ( ۴ ) وهدد من یروى عن رسول الله ( ۵ ) ومن تاه وروى حدیثا طالبه بالبینه وإلا ضربه ( ۶ ) أو ضربه بالدره أو حبسه ( ۷ ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تقیید العلم ص ۷۹ ، ودفاع عدالته ص ۲۱ ، وتدوین السنه ص ۲۷۲ ، والطبقات الکبرى لابن سعد ج ۵ ص ۱۴۰ ، وتدوین القرآن ص ۳۷۱ .
( ۲ ) المصدر السابق .
( ۳ ) کنز العمال ج ۱۰ ص ۲۹۱ .
( ۴ ) راجع بیان العلم ج ۲ ص ۱۴۷ ، وتذکره الحفاظ ج ۱ ص ۴ – ۵ ، والطبقات لابن سعد ج ۶ ص ۷ ، وسنن الدارمی ج ۱ ص ۷۳ ، وسنن ابن ماجه ج ۱ ص ۷۳ ، والمستدرک على الصحیحین ج ۱ ص ۱۱۰ ومعالم المدرستین ج ۳ ص ۴۵ ، وتدوین السنه ص ۴۳۱ .
( ۵ ) المحدث الفاضل ص ۵۵۴ رقم ۷۴۶ ، والبدایه والنهایه ج ۸ ص ۱۶۰ ، وتدوین السنه ص ۴۳۱ ، وأخبار المدینه ج ۳ ص ۸ .
( ۶ ) صحیح مسلم ج ۳ ص ۱۶۹۴ ، وموطأ مالک ج ۲ ص ۹۶۴ ، والرساله للشافعی ص ۴۳۰ ، والطبقات الکبرى ج ۴ ف ۱ ص ۱۳ – ۱۴ .
( ۷ ) الکامل لابن عدی ج ۱ ص ۱۸ ، والمستدرک للحاکم ج ۱ ص ۱۱۰ ، والذهبی من ذیل المستدرک ومجمع الزوائد ج ۱ ص ۱۴۹ ، وتذکره الحفاظ ج ۱ ص ۷  . ( * )
وهکذا نجح الخلیفه الثانی باستبعاد سنه الرسول استبعادا تاما ، ونجح بفرض ذلک على رعایا دولته ، فصار إبعاد سنه الرسول من واقع الحیاه العملیه والاحتفاظ ب‍ " القرآن " وحده هو الهدف المشترک للخلیفه وولاته وأولیائه ، وتبعا لتوجه الخلیفه وأولیائه وولاته ، قل اهتمام الأکثریه الساحقه من المسلمین بسنه الرسول ، وقللوا من قیمتها ، وقل الاهتمام بها ، وأخذوا فی تناسیها إلا فی الحدود التی یراها الخلیفه وولاته ! ! ! وصارت هذه السیاسه الغاشمه إزاء سنه الرسول من المبادئ الکبرى التی حرص علیها کل الخلفاء ، والتزموا بها التزاما حرفیا .
فسنه الرسول هی التی یعترف عمر بها ، وما لا یعترف به عمر لا یعترف به الخلفاء ، فما أجازه عمر فهو سنه الرسول ، وما لم یجزه عمر فلیس من سنه الرسول فی شئ .
عثمان بن عفان وسنه الرسول
قال محمود بن لبید سمعت عثمان على المنبر یقول : " لا یحل لأحد یروی حدیثا عن رسول الله لم یسمع به فی عهد أبی بکر ولا عهد عمر " ( 1 ) فما أجازه الخلیفتان واعتبراه من سنه الرسول فهو منها بالفعل ، وما لم یجیزاه فلیس من سنه الرسول ! ! !
وقد رأینا أن الخلیفتین لم یجیزا من سنه الرسول إلا ما ندر ! ! سنه الرسول فی العهد الأموی رأینا ما قاله عثمان على المنبر ، ولما آلت الخلافه إلى معاویه سلک طریق أصحابه الذین مهدوا له الدرب للوصول إلى الخلافه ، فکان معاویه یقول علنا : " لا تحدثوا عن رسول الله " ( 2 ) قال ابن عدی : " إن معاویه نهى أن یحدث عن رسول الله بحدیث إلا حدیثا ذکر على عهد عمر فأقره " ( 3 )
ــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الطبقات لابن سعد ج ۲ ف ۲ ص ۱۰۰ ، ومسند أحمد ج ۱ ص ۳۶۲ – ۳۶۳ ، وتدوین السنه ص ۴۷۲ .
( ۲ ) الفقیه والمتفقه للخطیب ج ۱ ص ۷ ، وتدوین السنه ص ۴۷۳ .
( ۳ ) الکامل لابن عدی ج ۱ ص ۳۳ ، وج ۱ ص ۱۸ ، ومسند أحمد ج ۴ ص ۹۹ ، وتذکره الحفاظ ج ۱ ص ۷  . ( * )
وکان یقول على منبر دمشق : " إیاکم والحدیث على رسول الله إلا حدیثا کان فی عهد عمر . . . ".
وکتب یزید بن معاویه إلى أبیه أن جبیر بن نضیر نشر فی مصر حدیثا ! ! ! فقد ترکوا القرآن ! ! فبعث معاویه إلى جبیر فجاءه فقرأ علیه کتاب یزید ، فعرف بعضه وأنکر بعضه ! ! فقال معاویه : لأضربنک ضربا أدعک لمن بعدک نکالا "  .

Leave A Reply

Your email address will not be published.