حصانه الخلفاء وحصانه منهاجهم التربوی والتعلیمی
ومع انتشار العلوم، واستعاده العقل البشری لدوره، وتخفیف قبضه الخلفاء وأولیائهم، واسترداد الناس لمزید من الحریات، بدأ العقلاء یکتشفون عدم منطقیه الکثیر الکثیر من مبادئ منهاج البطون، واستحاله الدفاع عنه وعن سلوک واضعیه، ویصفون أعمال الخلفاء بالصواب والخطأ، ویخصصون منهاجهم للدراسه العلمیه بغیه الاستفاده من تجارب الماضی لتجنب أخطائه وهناته. ولم یکن هنالک ما یمنع من ذلک عند شیعه الخلفاء إذا کان القصد من البحث والدراسه إضفاء صفه الکمال على المنهاج التربوی والتعلیمی لدوله البطون وکیل المدیح له!
ولکنها تفاجأ بمن یقول: لقد أخطأ الخلیفه الأول بکذا وأخطأ الخلیفه الثانی بکذا، وأخطأ الخلیفه الثالث بکذا وکذا، وأخطأ معاویه بکذا وکذا وکذا، وأخطأ (أمیر المؤمنین) یزید! عندما هدم الکعبه وقتل ابن الرسول وأحفاده فی کربلاء.. الخ وأخطأ عمرو بن العاص والمغیره بن شعبه بکیت وکیت.. وجن جنونها، فالقول بأن النبی الأعظم، حاشا له، قد أخطأ أخف وطأه على نفوسهم ومسامعهم من القول بأن الخلیفه الأول أو الثانی أو الثالث قد أخطأ! ذلک فکروا وقدروا وخرجوا بحل مضمون یقضی بعقوبات صارمه بحق الباحثین، فصار الطعن فی أی واحد من الخلفاء أو فی أی واحد من الصحابه الکرام کفراً بواحاً! فمن طعن بأبی بکر أو بعمر أو بعثمان أو بمعاویه أو بمروان بن الحکم الذی لعنه الرسول أو بعمرو بن العاص أو بالمغیره بن شعبه، أو بأی صحابی على الإطلاق، فهو کافر من جمیع الوجوه لا یواکل ولا یشارب، ولا یعلى علیه ولا یدفن فی مقابر المسلمین! ولاح للقوم أنهم قد أضفوا الحصانه التامه على الخلفاء وعلى منهاجهم التربوی والتعلیمی! وقال بعضهم بضروره قتل الطاعن، وقال آخرون: یستتاب فإن لم یتب یقتل، وقال آخرون بعدم جواز لمسه إذا مات بل یدفع بخشبه ویوارى فی حفرته (۱).
____________
(۱) راجع الصارم المسلول لابن تیمیه ص ۵۷۵، نقلاً عن القاضی (أبو یعلى).
وغنی عن البیان أن هذه الحصانه التی أضیفت على الخلفاء وعلى أعوانهم وعلى منهاجهم التربوی والتعلیمی، وتلک العقوبات التی اخترعت لمعاقبه منتهکی تلک الحصانه لم ترد فی کتاب الله ولا فی سنه رسول الله، إنما اخترعها علماء أو موالون الدوله البطون حسب عقلهم ومبلغهم من العلم، وهی خارجه تماماً عن إطار التشریع الإلهی! فعبد الله بن أبی یقول علناً: (لئن رجعنا إلى المدینه لیخرجن الأعز منها الأذل)، وهو یقصد بالأذل رسول الله، ومع هذا لم یقتله النبی، وقال للذی اقترح علیه قتله: (کیف یقال بأن محمداً یقتل أصحابه؟) وعند عوده النبی من غزوه تبوک، واکتشافه للمتآمرین على قتله، قال بعض أصحابه: لماذا لا تقتلهم یا رسول الله؟ فقال: إنی أکره أن تقول العرب أن محمداً بعد أن انتهت حربه مع المشرکین أخذ یقتل أصحابه! بل ماذا قال الرسول لعمر بن الخطاب یوم قال له عمر وجهاً لوجه: (أنت تهجر ولا حاجه لنا بوصیتک) فهل عده الرسول کافراً؟ هل أمر بألا یدفن فی مدافن المسلمین؟ أو أن لا یؤاکل ولا یشارب؟ ولکن لا تعجب، فمحمد یمثل الدین الحنیف بکل سماحه وروحه ومعانیه ; وشیعه البطون ومخترعو الحصانه والعقوبات یمثلون المیول الإنسانیه والعواطف البشریه المتناقضه، وهم یریدون أن یجعلوا الإسلام العظیم فی حجم عقولهم ومبلغهم من العلم وأن یمرروا هذا الدین من خلالها تماماً کمن یرید أن یدخل الجمل فی سم الخیاط، فتعالى الله عما یصفون!
إنها لکبیره حقاً أن یخترع العالم أو المحب، أو الإنسان أحکاماً من عند الله ثم یلحقها بشرع الله، ویدعی أنها جزء من دین الله لیرغم أنوف الذین یختلفون معه فی الرأی، ولیخضع الجنس البشری لعقله وفهمه، ولیجبرهم على التفکیر بطریقته والوصول إلى ما وصل إلیه! والسؤال الذی یطرح نفسه: هل هذه الحصانات جائزه حقاً؟ وهل یملک العلماء الذین اخترعوا هذه الحصانات والعقوبات سلطه فرضها وصلاحیه ذلک؟ وعلى فرض أنهم ملکوا السلطه والصلاحیه فهل یحق لهم ضم القوانین التی اخترعوها إلى القانون الإلهی؟ والإیجاد للناس بأن قوانینهم تلک قوانین إسلامیه؟ فتعالى الله عما یصفون!
تسمیه الأمور بأسمائها هی الطریق الأوحد لوحده المسلمین
وحده المسلمین فرض على جمیع المسلمین، والعمل على تحقیقها واجب دینی على کل مسلم ومسلمه. وشیعه الخلفاء هم الأکثریه الساحقه من المسلمین، فإذا أرادوا حقاً العمل على أداء فریضه وحده المسلمین، والقیام بهذا الواجب الدینی، فعلیهم أن یسموا الأمور بأسمائها الحقیقیه ویتوجب علیهم أن یسلموا:
۱ – بأن نظام دوله الخلافه التاریخیه قد سقط نهائیاً بسقوط آخر سلاطین بنی عثمان، ومن المشکوک فیه تمکن هذا النظام من العوده إلى المسرح السیاسی العالمی ثانیه. والأهم أنه لیس لأحد من الخلفاء سلطان على معاش أی مسلم أو رزقه، ما یجعل الشعور بالخوف والرهبه من الخلفاء ضرباً من ضروب الأوهام الکامنه فی اللاوعی!
۲ – بأن النظام السیاسی الإسلامی الذی أنزله الله على عبده وطبقه، خلال عهد دوله النبوه المبارک، لیس هو نظام الخلافه التاریخی، فالخلافه تعنی خلافه النبی، فإذا کان نظام الخلافه هو النظام السیاسی الإسلامی کما تزعم شیعه الخلفاء، فما هو النظام السیاسی الذی طبقه النبی؟ وهل یجوز للمسلمین أن یتجاهلوا عصر دوله النبی، ومفاهیمها وبناها الدستوریه، وأن یتمسکوا بمفاهیم دوله الخلافه وبناها؟ وهل یجوز لهم أن یقتدوا بالخلفاء ویتخذونهم قدوه لهم، ویترکوا رسول الله وقد أمروا بأن یجعلوه قدوتهم وأسوتهم الحسنه؟ فهذه مخالفات صریحه للنصوص الشرعیه القاطعه! قد یقال إن الخلفاء قد اقتدوا برسول الله ونحن نقتدی بهم! والجواب إنه لو کان جمیع الخلفاء قد اقتدوا حقاً برسول الله لما آلت الأمور الإسلامیه إلى ما آلت إلیه!! ثم إن الرسول والخلفاء قد انتقلوا إلى جوار ربهم، فبدلاً من تقلید الخلفاء والاقتداء بهم لماذا لا نقلد الرسول ونقتدی به ألیس هو الأولی؟ ألیس هو الأصل؟ نحن لا ندعو إلى تجاهل تجربه دوله الخلافه، لکن هذه التجربه لا ینبغی أن تغنی عن (تجربه النبوه) أو تحل محلها! فلیس هنالک ما یمنع من دراسه تجربه الخلفاء، والاستفاده مما کان صالحاً منها ونبذ ما کان طالحا على ضوء المعارف التی اتضحت، وبالمقاییس الشرعیه المجرده ومن دون مواقف وأفکار ومیول مسبقه! وفی هذا السیاق فإننا نطلب من شیعه الخلفاء أن یفرقوا بین دوله النبوه ودوله الخلافه، وأن یتوقفوا عن تسویق الدولتین معاً، واعتبار هما وجهین لشئ واحد مع أن دوله النبوه شئ ودوله الخلافه شئ آخر!
۳ – لم یعد مقبولاً قول شیعه الخلفاء: إن المنهاج التربوی والتعلیمی الذی اخترعته دوله البطون، وسخرت جمیع مواردها لجعله عقیده للرعیه هو نفسه دین الإسلام الذی أوحاه الله لعبده. ولم یعد مقبولاً لتسویق الاثنین معاً وإظهارهما بمظهر الوجهین للشئ نفسه، مع أن منهاج دوله البطون شئ ودین الله الحنیف شئ آخر.
۴ – کذلک لم یعد مقبولاً قول شیعه الخلفاء: إن النصوص الشرعیه التی أنزلها الله تعالى وأوحاها لعبده وتفسیر الخلفاء وشیعتهم وفهمهم لهذه النصوص شئ واحد، وأن لهما القداسه نفسها، أو أنهما وجهان لشئ واحد، فالنصوص الشرعیه مقدسه لا یأتیها الباطل من بین یدیها ولا من خلفها لأنها من وحی الله تعالى، أما فهم الخلفاء وشیعتهم لهذه النصوص فشئ آخر یحتمل الصواب مثلما یحتمل الخطأ، ولیس من حق الخلفاء ولا من شیعتهم أن یسوقوا النص الشرعی وفهمهم لهذا النص معاً. ولیس من حقهم أن یکلفوا الآخرین بأن یتعاملوا مع النص الشرعی وفهم الخلفاء وشیعتهم لهذا النص بالقدر نفسه من التقدیس والمساواه! وبتعبیر أدق لیس من حق الخلفاء ولا من حق شیعتهم أن یدعوا امتلاک الحقیقه الشرعیه، وأن یفرضوا فهمهم على الناس، أو أن یحولوا بین غیرهم وبین محاوله فهم الحقائق الشرعیه.
۵ – لم یعد مقبولاً التقول بمقولات منها مقوله إن الذین یوالون الخلفاء ویتشیعون لهم ثقه وأمناء على الدین، وإن الذین یوالون أهل بیت النبوه ویتشیعون لهم لیسوا بثقه ولا أمناء على الدین! هذا المقوله جزء لا یتجزأ من المنهاج التربوی والتعلیمی لدوله البطون! هذا المنهاج الذی صار عقیده للأکثریه الساحقه من المسلمین الذین تشیعوا للخلفاء، والذین تشیعوا لأهل بیت النبوه ینتمون إلى دین واحد هو الإسلام، ولهم کتاب واحد هو القرآن، ولهم نبی واحد هو محمد رسول الله، فکیف صارت هذه الفئه ثقه وأمینه على الدین، وتلک الفئه لیست بثقه ولا بأمینه على الدین؟ وأنکى من ذلک أن العامه وبعض المنحرفین من شیعه الخلفاء یزعمون أن شیعه أهل بیت النبوه ملاحده، أو کفره أو زنادقه، أو خارجون على الجماعه إلى آخره من أقوال ترددها أسطوانه تلک التهم الفارغه المختلفه. وإذا کان التقول بهذه التهم مفیداً لمن یتقولون به فی عهد الخلفاء، طمعاً بمرضاه الخلیفه أو استزاده لعطائه، أو لاستمراریه هذا العطاء، فلیس له الآن من ضروره بعد أن سقط نظام الخلافه، وفقدت مفاتیح بیوت الأموال!
وأقصى ما یقال إن شیعه الخلفاء تتلمذوا على أیدی الخلفاء أو تبنوا مواقفهم رغبه أو رهبه، وشیعه أهل بیت النبوه تتلمذوا على یدی أئمه أهل بیت النبوه، وتبنوا مواقفهم. ولنقل إن للخلفاء وشیعتهم رأیاً، وأن لأهل بیت النبوه وشیعتهم رأیاً آخر ضمن إطار الإسلام العظیم، فللاختلاف فی الرأی یسوغ هذا الکم المذهل من الحقد والعداء الذی تکنه شیعه الخلفاء لشیعه أهل بیت النبوه! فشیعه الخلفاء أغلقت قلوبها وأسماعها تماماً عن کل ما هو صادر عن شیعه أهل بیت النبوه بینما هذه القلوب والأسماع مفتوحه على مصراعیها لکل ما یصدر عن الملل والمعتقدات الأخرى!
وقد آن الأوان لشیعه الخلفاء لتسمع وجهه نظر شیعه أهل بیت النبوه، وبسعه صدر، على الأقل کما تسمع من أبناء الملل الأخرى، وآن لها أن تتوقف عن التقول بالتهم الجزافیه الفارغه، وأن تتقی الله فی ما تتقول على إخوان لها فی الدین الإسلامی الحنیف.
۶ – وأخیراً فقد آن الأوان لشیعه الخلفاء لتدرک مدى الظلم الذی ألحقته بأهل بیت النبوه، ولتدرک هزاله تأویلاتها للنصوص الشرعیه التی خصت أهل بیت النبوه بمکانه خاصه وممیزه فی الأمه وعدم منطقیتها. فإذا قیل لشیعه الخلفاء إن ما تواتر عن طریق علمائکم الصادقین هو قول الرسول لعلی: (أنت الولی من بعدی، أو أنت ولی المؤمنین من بعدی) عندئذ تقول شیعه الخلفاء على الفور وبمنتهى الحماس: إن الرسول قد قصد من کلمه (الولی)، وکلمه (ولی) معنى المحب والناصر ولم یقصد إطلاقاً الرئاسه العامه للمسلمین! وإذا قلت لهم: (إن أبا بکر قد ولی أمر المسلمین من بعد الرسول فکان نعم الولی، وأن عمر کان ولی المسلمین من بعد أبی بکر، وأن عثمان کان الولی من بعده، وأن یزید بن معاویه صار ولیاً للمسلمین من بعد أبیه معاویه! عندئذ تقول لک شیعه الخلفاء وبکل حماس:
صدقت، صدقت! فإذا قلت لهم: لماذا دلت کلمه ولی وولی المؤمنین، فی المثال الأول، على معنى المحب والناصر، ودلت الکلمه نفسها على من یتولى الرئاسه العامه للمسلمین فی المثال الثانی؟ عندئذ تجیبک شیعه الخلفاء وبالحماس نفسه: لو کان الرسول یقصد من کلمه الولی، وولی المؤمنین، الرئاسه العامه للمسلمین لما خالفه أبو بکر وعمر والصحابه الکرام! وهکذا صار فعل الخلفاء وأولیائهم قواعد شرعیه تخصص العام والخاص مما أوحى الله لعبده! وإذا قلت لشیعه الخلفاء إن الله جعل الصلاه على آل محمد رکناً من أرکان الصلاه المفروضه على العباد، وهذا وحده برهان قاطع على مکانتهم الممیزه فی الدین والدنیا، عندئذ یجیبونک بحماس:
۱ – إن العبادات ولا تعلل.
۲ – إن هذه فضائل ولیس أحکاماً!
وإذا قلت لهم، إن أهل بیت النبوه أحد الثقلین بالنص الشرعی، فلا یدرک الهدى إلا بالاثنین، ولا یمکن تجنب الضلاله إلا بهما معاً، فکیف تقطعون جمیع أمور دینکم ودنیاکم فی غیابهم وتغییبهم ومن دون علمهم؟ عندئذ یجیبونک بتبرم وبفتور ظاهر: (إن الرسول بشر یتکلم فی الغضب والرضى) فلا ینبغی أن یحمل کلامه کله على محمل الجد (۱)! الخ. من تکل الحجج التی لا یقبلها عقل ولا منطق ولا دین.
وإذا التمسنا عذراً للمتقولین بتلک المقولات فی عهد الخلفاء، فما هو عذرهم الآن بعد أن سقط نظام الخلافه، وفقد الخلفاء القدره على التحکم بمعاشات الناس وأرزاقهم. فهل نتابع عملیه تضلیل المسلمین إکراماً لذکرى الخلفاء أو نتوقف ونعید دراسه کل شئ للوقوف على الحقائق المجرده والمقاصد الشرعیه من النصوص!؟ ویمکن لهذا الجهد المبارک أن ینجح نجاحاً ساحقاً إذا تضافر العقلاء من شیعه الخلفاء مع عقلاء شیعه أهل بیت النبوه، وإذا وعت آذان الطرفین نهج أهل بیت النبوه الذین أحاطوا بالبیان النبوی، وورثوا علم النبوه، وأهلوا للقیاده والمرجعیه معاً.
____________
(۱) راجع سنن الدارمی ۱ / ۱۲۵، وسنن أبی داود ۲ / ۱۲۶، ومسند الإمام أحمد ۲ / ۱۶۲ و ۲۰۷ و ۲۱۶، ومستدرک للحاکم ۱ / ۱۰۵ و ۱۰۶، وجامع بیان العلم وفضله لابن عبد البر ۱ / ۸۵، وکتابنا المواجهه ص ۲۵۳ – ۲۵۴٫
۷ – کل أفراد الأمه المتنورین یدرکون أن الأمه الإسلامیه، قد تفککت، وهی بحاجه ماسه للوحده، وأنها سقطت ولا بد لها من النهوض، وظهرت على المسرح الإصلاحی والثوری أعداد لا حصر لها من الإصلاحیین والثوار على شکل أحزاب أو شیع وکل شیعه من هذه الشیع تقدم برنامجها الخاص مع مزاعمها بأنه أکسید الحیاه، وهدف کل شیعه أن تستولی على السلطه وأن تتفرد بها ثم تفرض برنامجها (أکسید الحیاه) على المسلمین بالقوه والتغلب فظهرت الأحزاب الدینیه العربیه، وظهرت الأحزاب القومیه، وقدم کل حزب من هذه الأحزاب مؤسس الحزب بوصفه المنقذ الوحید للأمه، وما على الأمه إلا أن تلتف حوله لیصل إلى السلطه ویفرض بالقوه برنامجه الإنقاذی! والمثیر للدهشه حقاً أنه لا یوجد من المنقذین رجل واحد من أهل بیت النبوه، أو من بنی هاشم! فکأن القوى السیاسیه الشعبیه ما زالت مسکونه بالعقلیه نفسها التی سادت بعد وفاه النبی، والتی أجمعت على استبعاد أهل بیت النبوه وبنی هاشم استبعاداً کاملاً عن قیاده الأمه! وقد تحققت وحده الهدف، فبطون قریش ومن والاها کانت ترید القیاده لنفسها، والأحزاب الدینیه والعربیه القومیه ترید القیاده لنفسها أیضاً، فالقیاده معشوقه الجمیع وکافه شعارات الإنقاد والإصلاح ما هی إلا من قبیل الوسائل التی تقرب العاشقین من معشوقتهم السلطه أو القیاده! إنه برنامج دوله البطون الضاربه جذوره فی أعماق نفوس الأکثریه الساحقه من المسلمین! واقتلاع هذه الجذور یحتاج إلى جهد جهید وعون من الله کبیر ومن دون اقتلاعها، ستراوح الأمه مکانها. فلا تدرک هدى ولا تتجنب ضلاله.
جلسه الحوار الحادیه عشره والأخیره
قال صاحبنا: لقد قرأت أجوبتکم حول تساؤلاتی المتعلقه بوحده المسلمین، ویمکننی القول، وبکل ارتیاح: إننی الآن قد وقفت على حقیقه التشیع والشیعه من أوثق المصادر، ولا أشعر بأی حرج الآن لو أعلنت وعلى رؤوس الأشهاد،، وبکل وسائل الإعلان، إننی مع بنی هاشم، ومع أهل بیت النبوه، وإننی من حزبهم أو من شیعتهم، لأن طریقهم هی الطریق الأصوب، ومنهاجهم هو منهاج النبوه.
ثم لماذا علی أن أشعر بهذا الحرج التقلیدی؟ فلقد عرف التاریخ القدیم الکثیر من الناس الذین تشیعوا وتحزبوا لمن هم أقل مرتبه، وأدنى مقاماً من أهل بیت النبوه وبنی هاشم، فلقد تشیعت الأکثریه الساحقه من المسلمین وتحزبت لبنی أمیه وبنی مخزوم وبنی عدی وبنی تیم ولرجالات هذه البطون ولم نشعر بالحرج، ولم یلمها أحد بل اعتبرت الأکثریه ذلک من فضائلها ومناقبها.
وفی العصر الحدیث، وجدت أعداد کبیره من المسلمین تتحزب وتتشیع لا بن تیمیه، ولمحمد عبد الوهاب، ولحسن البنا، ولتقی الدین النبهانی، وحتى لمیشیل عفلق وکارل مارکس، ولم تشعر بالحرج ولا لامها أحد لأنها تحزبت أو تشیعت لهذا الرجل أو ذاک، أو لهذا المعتقد أو ذاک تحت شعار عصر الحریه.
ولأن الحریه للجمیع فإننی أعلن تشیعی وتحزبی لأهل بیت النبوه ولبنی هاشم، أسأله تعالى أن یفتح على الأخ الکبیر الذی بذل جهداً ممیزاً وأنقذنی من حیرتی..