الإمام الحسین (علیه السلام) فی سفر الشهداء
فأحب بادئ ذی بدء أن أذکّر أهل إیران أنّهم وأهل مصر شرکاء فی نسب آل البیت، شرکهً قدیمهً أرادها الله، فعبّر عنها رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی حدیثه الذی وردت به صحاح الأخبار : « إذا افتتحتم مصر ، فالله الله فی أهل الذمه أهل المدره السوداء والسحم الجعاد ، فإن لهم نسباً وصهراً » (1) .
__________________
۱ – معجم البلدان للحموی : ۱ / ۲۴۹ ، وانظر : سیره النبی لابن هشام : ۱ / ۳٫
مصر التی تعطرت بأوّل جدّه من جدّات رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، بهاجر أم إسماعیل ، التی غرس الله بها فی أمّ القرى وفی الواد المقدّس النبته الأولى للشجره المبارکه التی أصلها ثابت وفرعها فی السماء.
أریدکم أیها الأحباب أن تتذاکروا نسب رسول الله (صلى الله علیه وآله) المتّصل بإبراهیم (علیه السلام) ، لتعلّموا أنّ إبراهیم الذی خرج مهاجراً إلى الله ومعه زوجته المؤمنه ساره الطاهره ، خرج مهاجراً وعلى لسانه دعوه لا یفتأ یردّدها : ربّ هب لی من الصالحین .. ربّ هب لی من الصالحین .. ربّ هب لی من الصالحین ..
وامتد العمر بإبراهیم ، وجاوز الثمانین ، دون أن یرى الإستجابه بإنجابه ولداً ، حتى إذا دخل مصر هیّأ الله له بتقدیر إلهی عجیب! أن تُضم إلى رکبه الطاهر فتاه مصریه ، یقول الیهود فی مدوّناتهم أنّها جاریه ، ویقول التاریخ الصحیح : أنّ هاجر أمیره فرعونیه من آباء بدأوا یفکّرون بعقولهم فی توحید المعبود ، فکان منهم الموحّد إخناتون الذی له فی جدران معابد مصر أدعیه موحده لله عزّ وجلّ.
إخناتون هذا تنتسب إلیه هاجر ، وإخناتون هذا ملک مصر ، وهاجر أمیره وقعت فی أسر الهکسوس الذین غزوا مصر ، فکانت تبکی لیلها ونهارها وهی ترى الهکسوس یعبدون الأصنام والنجوم ، وتدعو الواحد أن یخلّصها من أسرهم.
فی هذه الظروف دخل إبراهیم (علیه السلام) مصر ودخلت معه ساره ، واستضاف ملک الهکسوس ساره لرغبه شیطانیه فی نفسه! فلمّا عصمها الله منه وشُلّت یده ـ على ما یقول الخبر ـ کلّما مدّ إلیها یداً بالسوء ، فقال لها : أنت إمرأه مبارکه ، وخیّرها أن تطلب شیئاً منه ، فطلبت أن یهبها الجاریه المأسوره هاجر! لأنّها سمعتها باللیل تبکی وتدعو الله الواحد.
من هاجر هذه تحدّر إسماعیل (علیه السلام) ، وهاجر هذه هی التی یشیر إلیها رسول الله (صلى الله علیه وآله) بأنّ لها فی مصر نسباً وصهراً ، لمّا تزوج بماریه القبطیه أمّ ولده إبراهیم الذی اشتد حزنه على موته.
ومن إیران .. ومن أرض فارس تلقّت الشجره الإلهیه المبارکه ، الرحم الطاهر أمّ الإمام زین العابدین علی بن الحسین (علیه السلام) ، ولذلک فإن ذریه الأئمه بعد زین العابدین (علیه السلام) تحمل روح مصر وروح إیران.
ویستطیع الباحث المدقّق أن یقول : إنّ الله تعالى لأنه أراد للأئمه أن یکونوا حججاً على الناس کافّه فقد جمع فی أعراقهم أنساب الأمم الأساسیه على الأرض.
إعلم یا أخی ، إنّ محمداً (صلى الله علیه وآله) لیس عربیاً بالمفهوم القبلی ، بمعنى أنه من العرب العاربه ، بل هو ابن إسماعیل ـ من العرب المستعربه ـ فجدّه إبراهیم البابلی ، وجدته هاجر المصریه ، وزوج إسماعیل من جرهم العربیه.
ولمّا تمّ نسب الإمام السجاد (علیه السلام) بأمّه بنت کسرى اجتمع فی أصلاب الأئمه کل دماء أهل الأرض ، لیکونوا حججاً على أهل الأرض.