رحیل الإمام الجواد (علیه السلام)
وتتسارع التقاریر إلى الحاکم الجدید بتحرک الإمام أبی جعفر (علیه السلام) وسط الأمّه الإسلامیه . وعلى أساس ذلک قَرَّر المعتصم العباسی – و بمشوره مستشاریه و وزرائه ، و منهم قاضی القضاه ابن أبی دؤاد الإیادی ، المعروف ببغضه لأهل البیت (علیهم السلام) ، و الذی کان یسیطر على المعتصم ، و قراراته و سیاسته – أن یبعث بکتاب إلى والیه على المدینه المنوره ، محمد بن عبد الملک الزیَّات ، فی عام ( ۲۱۹ هـ ) ، بحمل الإمام الجواد (علیه السلام) ، و زوجته أم الفضل ، بِکُلِّ إکرام وإجلال ، و على أحسن مرکب إلى ( بغداد ) .
فلم یکن بُدّ للإمام (علیه السلام) من الاستجابه لهذا الاستدعاء ، الذی یُشَمُّ منه الإجبار و الإکراه . و قد أحسَّ الإمام (علیه السلام) بأنَّ رحلته هذه هی الأخیره ، التی لا عوده بعدها . لذلک فقد خَلَّف ابنه أبا الحسن الثالث ، و هو الإمام الهادی (علیه السلام) فی ( المدینه ) ، بعد أن اصطحبه معه إلى ( مَکَّه ) لأداء مراسم الحجّ . و أوصى له بِوَصایاه ، و سَلَّمه مواریث الإمامه ، وأشهد أصحابه بأنَّه (علیه السلام) إمامهم من بعده .
و تستمر الاستعدادات لترحیل الإمام (علیه السلام) إلى بغداد ، و یَستمْهِلهُم الإمام (علیه السلام) لحین إنتهاء الموسم . و فعلاً ، یؤدی الإمام الجواد (علیه السلام) مراسم الحج ، و یترک ( مَکَّه ) فور أداء المناسک معرجاً على مدینه الرسول (صلى الله علیه وآله)، لِیُخلِّف (علیه السلام) فیها ابنه الوصی الوریث .
یبدو أن الإمام الجواد (علیه السلام) خرج من ( المدینه ) مُتَّجهاً إلى ( بغداد ) غیر زائرٍ جَدَّه المصطفى (صلى الله علیه وآله) ، و کأنَّه (علیه السلام) أراد بهذه العملیه التعبیر عن احتجاجه على هذا الاستدعاء ، و أن خروجه من مدینه جَدِّه (صلى الله علیه وآله) إنّما هو مکره علیه . و یواصل الإمام (علیه السلام) رحلته إلى المصیر المحتوم ، و قد أخبر أحد أصحابه بأنه غیر عائدٍ من رحلته هذه مَرَّه أخرى .
فروى محمد بن القاسم ، عن أبیه : ( لمَّا خرج – الإمام الجواد (علیه السلام) – من ( المدینه ) فی المره الأخیره ، قال (علیه السلام) : ( مَا أطْیَبکِ یا طیْبَه !! ، فَلَسْتُ بِعَائدٍ إِلیکِ ) .
و بُعَید هذا فقد أخبر الإمام (علیه السلام) أصحابه فی السنه التی تُوفِّی فیها بأنه (علیه السلام) راحل عنهم هذا العام . فعن محمد بن الفرج الرخجی ، قال : ( کتب إلیَّ أبو جعفر (علیه السلام) قائلاً : ( اِحملوا إلیَّ الخُمْس ، فإنِّی لستُ آخذه منکم سوى عامی هذا ) .
وصول الإمام (علیه السلام) :
و أخیراً ینتهی به (علیه السلام) المسیر إلى ( بغداد ) ، عاصمه الدوله العباسیه ، مَقَرُّه (علیه السلام) ، و مثواه الأخیر الأبدی ، و دخلها للیلتین بَقِیَتا من المحرم سنه ( ۲۲۰ هـ ) . و ما أن وصل (علیه السلام) إلیها ، و حطَّ فیها رحاله ، حتى أخذ المعتصم یدبِّر ، و یعمل الحیله فی قتل الإمام (علیه السلام) بشکل سرِّی ، و لذلک فقد شکَّل مُثلَّثاً لتدبیر عملیه الاغتیال بکلِّ هدوء .
مُثلَّث الاغتیال :
على الرغم من تعدد الروایات فی کیفیه شهاده الإمام الجواد (علیه السلام) ، إلا أنَّ أغلبها تُجمِع على أن الإمام (علیه السلام) اغتیل مسموماً . و أنَّ مثلث الاغتیال قد تمثَّل فی زوجته زینب المُکنَّاه بـ ( أم الفضل ) ، و هی بنت بنت المأمون . و هی المباشر الأول التی قَدَّمت للإمام عنباً مسموماً ، و تمثَّل أیضاً فی أخیها جعفر ، و المدبر و المساعد لهم على هذا الأمر هو المعتصم بن هارون . فقد ذکر ذلک غیر واحد من المؤرخین ، و منهم المؤرخ الشهیر المسعودی ، حیث یقول : ( لما انصرف أبو جعفر (علیه السلام) إلى ( العراق ) ، لم یزل المعتصم و جعفر بن المأمون یُدبِّران ، و یعملان على قتله (علیه السلام) .
فقال جعفر لأخته أم الفضل – و کانت لأمّه و أبیه – فی ذلک ، لأنه وقف على انحرافها عنه ، و غِیرتها علیه ، لتفضیله أم أبی الحسن ابنه علیها ، مع شِدَّه محبتها له ، و لأنها لم تُرزَق منه ولد ، فأجابت أخاها جعفراً . و قال غیره : ( ثم إنَّ المعتصم جعل یعمل الحیله فی قتل أبی جعفر (علیه السلام) ، و أشار إلى ابنه المأمون زوجته بأن تُسِمَّه ) . لأنَّه وقف على انحرافها عن أبی جعفر (علیه السلام) ، و شِدَّه غیرتها علیه ، لتفضیله أم أبی الحسن ابنه علیها ، و لأنه لم یرزق منها ولد ، فأجابته إلى ذلک .
شهاده الإمام الجواد (علیه السلام) :
رُوِی أنَّ مثلث الاغتیال ( المعتصم ، و جعفر ، و أم الفضل ) ، کانوا قد تشاوَرُوا ، و تعاونوا على قتل الإمام (علیه السلام) ، و التخلّص منه بعد قدومه إلى ( بغداد ) ، بل ما استُدعِی (علیه السلام) إلاَّ لهذا الغَرَض .
و فی ذلک یقول المؤرخ علی بن الحسین المسعودی : ( و جعلوا – المعتصم بن هارون ، و جعفر بن المأمون ، و أخته أم الفضل – سُمّاً فی شیء من عنب رازقی ، و کان یعجبه (علیه السلام) العنب الرازقی ، فلمَّا أکلَ (علیه السلام) منه نَدمَتْ ، و جعَلَتْ تبکی ) .
فقال (علیه السلام) لها : ( مَا بُکَاؤک ؟!! ، و الله لَیَضربنَّکِ اللهُ بِفَقر لا یَنجَبِر ، و بَلاء لا یَنْسَتِر ) .
فَبُلیت بِعِلَّه فی أغمض المواضع من جوارحها ، و صارت ناسوراً ینتقض علیها فی کلِّ وقت . فأنْفَقَت مالها ، و جمیع ملکها على تلک العِلَّه ، حتى احتاجت إلى رفد الناس . و تردَّى جعفر فی بئر فَأُخرِج میتاً ، و کانَ سکراناً . و لما حضرت الإمام (علیه السلام) الوفاه ، بعد أن سرى السُّمَّ فی بدنه الشریف ، نص على أبی الحسن الهادی (علیه السلام) ، و أوصى إلیه . وک انت شهادته (علیه السلام) فی آخر ذی القعده ۲۲۰ هـ . و حُفِر للجثمان المقدَّس قبرٌ ملاصقٌ لقبر جدِّه الإمام الکاظم (علیه السلام) ، فی مقبره قریش بـ( بغداد ) ، فَوَارَوهُ (علیه السلام) فیه . و انطفأت بشهادته (علیه السلام) شُعلَه مشرقه ، من الإمامه و القیاده الواعیه ، المفکره فی الإسلام .