شرائط الظهور
ویشترک هذان المفهومان : الشرائط والعلائم ، بأنهما معاً مما یجب تحققه قبل الظهور ، ولا یمکن أن یوجد الظهور قبل تحقق کل الشرائط والعلامات . فان تحققه قبل ذلک ، مستلزم لتحقق المشروط قبل وجود شرطه أو الغایه قبل الوسیله … کما أنه مستلزم لکذب العلامات التی أحرز صدقها وتوافرها .
إذن ، فلا بد أن یوجدا معاً قبل الظهور ، خلال عصر الغیبه الکبرى ، أو ما قبل ذلک ، على ما سنعرف . ویتدرج وجودها بشکل متساوق حتى یتم ، فیتحقق الظهور عند ذلک . ولا یمکن تأخره عن تمامیه الشرائط ولا عن تمامیه العلامات .
فان تخلف الظهور عن شرائطه یلزم منه تخلف المعلول عن العله . أو بعباره أدق : یلزم عدم قیام المهدی (ع) بوظیفته الاسلامیه وحاشاه .. وفشل التخطیط الالهی فی نهایه المطاف . على ما سنوضح تفصیلاً فیما یلی من البحث . وإن تخلف الظهور عن مجموع العلامات المحرزه الصحه لزم کذبها ، بصفتها علامات ، وهو خلاف إحراز صحتها ، على أقل تقدیر .
وبالرغم من نقاط الاشتراک هذه ، فان بینهما من نقاط الاختلاف ، والفروق ، لا بد لنا من بیانها بشکل یتضح الفرق بین المفهومین بشکل أساسی :
الفرق الأول :
إن إناطه الظهور بالشرائط اناطه واقعیه ، واطته بالعلامات اناطه کشف واعلام .
وهذا هو الفرق الأساسی المستفاد من نفس مفهوم اللفظین : الشرط والعلامه . فان معنى الشرط فی الفلسفه ، ما کان له بالنتیجه علاقه علیّه وسببیه لزومیه . بحیث یستحیل وجوده بدونه .
وهذا هو الذی نجده على وجه التعیین فی شرائط الظهور . فاننا سنرى أن انعدام بعض الشرائط یقتضی انعدام الظهور أساساً بحیث لا یعقل تحققه . وانعدام بعضها الآخر یقتضی فشله ومن ثم عدم إمکان نشر العدل الکامل المستهدف فی التخطیط الالهی الکبیر . إذن فلا بد أولاً من اجتماع الشرائط ، لکی یمکن تحقق الظهور ونجاحه .
أما العلامه ، فلیس لها من دخل سوى الدلاله والاعلام والکشف عن وقوع الظهور بعدها ، مثالها مثال هیجان الطیور الدال على وقوع المطر أو العاصفه بعده من دون إمکان أن یقال : ان العاصفه لا یمکن ان تقع بدون هیجان الطیور . بل یمکن وقوعها ، بطبیعه الحال .وإن کان قد لا تنفک عن ذلک فی کل عاصفه .
وهذا هو الذی نجده فی علامات الظهور ، فانه یمکن تصور حدوثه بدونها . ولا یلزم من تخلفها انخرام سبب أو مسبب … غیر ما أشرنا إلیه من کذب الدلیل الدال على کونها من العلامات . وهو مما لا یمکن الاعتراف به بعد فرض استحاله الکذب على النبی (ص) والأئمه (ع) ، وکفایه الدلیل للاثبات التاریخی .
ومعه ، فتنبثق ضروره وجودها قبل الظهور ، بصفتها دلیلاً کاشفاً عن وقوعه ، لا بصفتها ذات ارتباط واقعی لزومی ، کما کان الحال فی شرائط الظهور .
نعم ، ینبغی أن نأخذ بنظر الاعتبار ، نقطه واحده ، وهی أن بعض العلامات ، کوجود الدجال وقتل النفس الزکیه ، مربوطه ارتباطاً عضویاً بالشرائط . بمعنى أن هذه العلامات من مسببات ونتائج عصر الفتن والانحراف الذی هو سبب التمحیص الذی هو سبب إیجاد أحد شرائط الظهور ، على ما سنوضح . إذن یکون بین هذا القسم من العلامات وبین بعض الشرائط علاقه سببیه لزومیه … فیکون لها فی نهایه الشوط ، نفس المفهوم الذی للشرائط .
غلا أن هذا لا ینافی ما قلناه ، باعتبار أمرین مقترنین :
الأمر الأول :
عدم وقوع العلامه فی سلسله علل الظهور . بل هی من معلومات ونتائج بعض علل الظهور . فلا تکون بذلک من العلل ، وإن کان وجودها لزومیاً قبل الظهور .
الأمر الثانی :
ورودها فی الأخبار کعلامه ملفته للنظر إلى وجود الظهور . وهی – بلحاظ هذه الزاویه بالتعیین – لم یلحظ فیها سوى الکشف والدلاله على الظهور … سواء کانت من علله أو لم تکن . ولیس کذلک حال الشرائط ، فانها ، غیر معروفه النتائج للناس وغیر ملفته لنظرهم على الاطلاق ، على ما سنذکر .
إذن ، فکل ما ینتج من هذا التسلسل فی التفکیر ، هو ضروره وجود العلامات قبل الظهور ، وهو أمر صحیح ومشترک بین العلامات والشرائط . وأما أنه ینتج تحویل هذه الأمور من کونها علامات إلى کونها شرائط فلا .
الفرق الثانی :
إن علامات الظهور ، عباره عن عده حوادث ، قد تکون مبعثره ، ولیس من بد من وجود ترابط واقعی بینهما ، سوى کونها سابقه على الظهور … الأمر الذی برَّر جعلها علامه للظهور ، فی الأدله الاسلامیه .
وأما شرائط الظهور ، فان لها- باعتبار التخطیط الالهی الطویل – ترابط سببی ومسببی واقعی ، سواء نظرنا إلى ظرف وجودها قبل الظهور ، أو نظرنا إلى ظرف انتاجها بعد الظهور . على ما سنوضح فیما یلی ، بعد هذا الفصل .
الفرق الثالث :
إن العلامات لیس من بد أن تجتمع أصلاً فی أی زمان . بل یحدث أحدها وینتهی ، ثم یبدأ الآخر فی زمان متأخر … وهکذا . کما أنها قد تجتمع صدفه أحیاناً . فهی حوادث مبعثره فی الزمان کما أنها مبعثره بحسب الربط الواقعی.
وأما الشرائط ، فلا بد أن تجتمع فی نهایه المطاف ، فانها توجد تدریجیاً ، إلا أن الشرط الذی یحدث یستمر فی البقاء، ولا یمکن – فی منطق التخطیط الالهی – أن یزول . فعندما یحدث الشرط الآخر ، یبقى مواکباً للشرط الأول، وهکذا تتجمع الشرائط وتجتمع فی نهایه المطاف … فی اللحظه الأخیره من عصر الغیبه الکبرى .
ومن هنا الفرق الآتی .
الفرق الرابع :
إن علامه الظهور ، حادثه طارئه ، لا یمکن – بطبعها – أن تدوم ، مهما طال زمانها . بخلاف شرائط الظهور ، وبعض أسبابها ، فأنها بطبعها قابله للبقاء ، وهی باقیه فعلاً ، بحسب التخطیط الالهی ، حتى تجتمع کلها فی یوم الظهور .
الفرق الخامس :
إن العلامات تحدث وتنفذ بأجمعها قبل الظهور . فی حین أن الشرائط لا توجد بشکل متکامل إلا قبیل الظهور أو عند الظهور . ولا یمکن أن تنفد ، وإلا لزم انفصال الشرط عن مشروطه والنتائج عن المقدمات … وهو مستحیل .
والسر فی ذلک کامن فی الفرق بین النتائج المتوخاه من وراء کلا المفهومین .
فان العلامات بصفتها دلالات وکواشف عن الظهور ، فان وظیفتها سوف تنتهی عند حدوثه ، ولا یبقى لها أی معنى بعده . وأما الشرائط فحیث أنها دخیله فی التسبب إلى وجود یوم الظهور ، وإلى تحقق النصر فیه … فلا بد أن تجتمع فی نفس ذلک العهد ، حتى تکوّن بمجموعها الشرط الکامل للنجاح . إذ مع تخلف بعضها تتخلف النتائج المطلوبه ، لا محاله .
الفرق السادس :
إن شرائط الظهور دخیله فی التخطیط الالهی ، ومأخوذه بنظر الاعتبار فیه … باعتبار توقف الیوم الموعود علیه . بل أننا عرفنا : أن البشریه کلها من أول ولادتها وإلى یوم الظهور ، کرّسها التخطیط الالهی ، لایجاد یوم الظهور .
وأما العلامات ، فلیس لها أی دخل من هذا القبیل …. بل کل انتاجها ، هو اعلام المسلمین وتهیئه الذهنیه عندهم لاستقبال یوم الظهور . وجعلهم مسبوقین بحدوثه فی المستقبل أو بقرب حدوثه .
الفرق السابع :
إن علامات الظهور ، یمکن بالانتباه أو بالفحص والتدقیق ، التأکد مما وجد منها وما لم یوجد … باعتبارها حوادث یمکن تحدیدها والاشاره إلیها . ومن هنا انبثقت دلالتها للمسلمین على قرب الظهور .
وأما الشرائط ، فقد قلنا اجمالاً أنه من المتعذر تماماً التأکد من اجتماعها .
وذلک ، لأن منها : حصول العدد الکافی من المخلصین الممحصین فی العالم . وهذا مما لا یکاد یمکن التأکد منه لأحد من الناس الاعتیادیین . لأنه لا یمکن أن نعلم فی الأشخاص المخصلین أنهم وصلوا إلى الدرجه المطلوبه من التمحیص أو لا . ونشک فی حدوث العدد الکافی فی العالم منهم على استمرار . فیبقى العالم بحصول هذا الشرط منغلقاً تماماً . وإنما نعرف حصوله بحصول الظهور نفسه ، فان حصوله یکشف عن وجود سببه وشرطه قبله لا محاله .
فهذه هی الفروق بین علامات الظهور وشرائطه . ویمکن اعتبار الفرق الأول فرقاً فی المفهوم والمعنى . واعتبار الفروق الأخرى فروقاً فی الخصائص والصفات .
الجهه الثانیه :
ما هی وکم هی شرائط الظهور ؟!
ونحن إذ نتکلم عن شرائط الظهور ، إنما نرید بها الشرائط التی یتوقف علیها تنفیذ الیوم الموعود ، ونشر العدل الکامل فی العالم کله فیه … ذلک الیوم الذی یعتبر ظهور المهدی (ع) الرکن الأساسی لوجوده ، ومن ثم یتحدد ظهوره علیه السلام بنفس تلک الشرائط . بالرغم من أن فکره الغیبه والظهور ، إذا لاحظناها مجرده ، لن نجدها منوطه بغیر إراده الله عز وجل مباشره . ولکن الله تعالى أراد أن یتحدد الظهور بنفس هذه الشرائط ، لأجل انجاح الیوم الموعود . لأن المهدی (ع) مذخور لذلک ، فیکون بین الأمرین ترابط عضوی وثیق .
وإذا نظرنا إلى هذا المستوى الشامل ارتفعت الشرائط إلى ثلاثه :
الشرط الأول :
وجود الأطروحه العادله الکامله التی تمثل العدل المحض الواقعی ، والقابله التطبیق فی کل الأمکنه والأزمنه ، والتی تضمن للبشریه جمعاء السعاده والرفاه فی العاجل ، والکمال البشری المنشود فی الآجل .
إذن بدون مثل هذه الأطروحه یکون العدل الکامل منتقیاً ، وغیر ممکن التطبیق . والعدل الجزئی الناقص ، لا یمکن أن یکون مجدیاً أو مؤثراً فی سعاده البشریه لوجود جوانب النقص المفروضه فیه ، تلک الجوانب التی یمکن أن تتأکد وتبرز ، فتقضی على مثل هذا العدل فی یوم من الأیام .
کما أن العدل الناقص ، لا یمکن أن یکون مستهدفاً لله عز وجل ، ومخططاً له من قبله تعالى … فان خطط له ، هوالعباده الکامله التی لا تتحقق إلا بالعدل الکامل . وخاصه بعد أن عرفنا أن البشریه کلها قد عملت فی التمهید لذلک الهدف الالهی ، فهل من الممکن أن یخطط الله تعالى استغلال جهود البشریه ومآسیها لایجاد العدل الناقص ؟ وهل ذلک إلا الظلم الشنیع للبشر ، جل الله تعالى عنه علواً کبیراً .
إذن ینتج من هذا الشرط ثلاثه أمور :
الأمر الأول :
أن الهدف فی الحقیقه هو تطبیق الأطروحه العادله الکامله التی لا تحتوی على ظلم أو نقص .
الأمر الثانی :
أن تکون هذه الأطروحه ناجزه عند الظهور . إذ مع عدمها یومئذ ، ینتقی التطبیق بانتقائها ، ویتعذر العدل المنشود فی الیوم الموعود .
الأمر الثالث :
أن تکون هذه الأطروحه معروفه ولو بمعالمها الرئیسیه ، قبل البدء بتطبیقها . لما عرفنا فی الحدیث عن التخطیط الالهی من أن تطبیقها یتوقف على مرور الناس بخط طویل من التجربه والتمحیص علیها ، لیکونوا ممرنین على تقبلها وتطبیقها ، ولا یفجؤهم أمرها ویهولهم مضمونها ویصعب علیهم امتثالها ، فیفسد أمرها ویتعذر نجاحها ، کما هو واضح .
الشرط الثانی
وجود القائد المحنک الکبیر الذی له القابلیه الکامله لقیاده العالم کله
ویتم الکلام حول هذا الشرط ضمن نقطتین :
النقطه الأولى :
یرجع هذا الشرط بالتحلیل إلى شرطین :
أحدهما : اشتراط وجود القائد للثوره العالمیه . حیث لا یمکن تحققها من دون قائد .
ثانیهما : أن یکون لهذا القائد قابلیه القیاده العالمیه .
أما اشتراط وجود القائد ، فقد برهنا علیه فی بحث سابق عن أهمیه القیاده فی التخطیط الالهی . وکل ما نرید إضافته هنا ، هو التعرض إلى :
قیاده الجماعه :
فإن البدیل المعقول الوحید لقیاده الفرد ، هو قیاده الجماعه . فإذا استطعنا مناقشه قیاده الجماعه وإبطاله ، یعنی الأخذ بقیاده الفرد ، والإیمان بها کسبب وحید رئیسی لنجاح الیوم الموعود .
فان حال الجماعه لا یخلو من أحد ثلاثه أشکال :
الشکل الأول :
أن یکون کل فرد قابل لقیاده منفرداً فضلاً عن الاجتماع .
الشکل الثانی :
أن یکون کل فرد ناقصاً غیر قابل لهذه القیاده ، ولکن الرأی العام المتفق علیه بینهم ، قابل لهذه القیاده .
الشکل الثالث :
أن یکون کل فرد ناقصاً ورأیهم العام ناقصاً أیضاً .
أما الشکل الأول ، فلا شک أنه لا بد من اسقاطه عن نظر الاعتبار ، لعدم تحققه فی أی ظرف من ظروف التاریخ وعدم تحققه فی المستقبل أیضاً ما دامت البشریه . ولم یدّعه أحد من المقنتین أو المتفلسفین أو الاجتماعیین أصلاً.
فإذا توقف الیوم الموعود على مثل هذا الشکل ، کان غیر ممکن التطبیق إلى الأبد ، وهو خلاف اجماع أهل الأدیان السماویه المعترفه بالیوم الموعود .
على أن افتراض : أن مجموع الأفراد إذا کانوا قابلین للقیاده منفردین ، کانوا قابلین لها مجموعین … افتراض غیر صحیح ، لأن ممارسه القیاده الجماعیه تصطدم بتنافی الآراء وتضادها ، بخلاف القیاده الفردیه . وتنازل البعض أو الأقلیه عن آرائهم بازاء الآخرین ، طبقاً للمفهوم الدیمقراطی الحدیث … یعنی التنازل عن عدد من الآراء الکبیره القابله لقیاده العالم – کما هو المفروض فی هذا الشکل الأول – وهو خساره عظیمه وظلم مجحف .
وأما الشکل الثالث : فلا شک من ضروره اسقاطه عن الاعتبار أیضاً ، فان اجتماع الناقصین لا یمکن أن یحقق کمالاً.فإذا کان رأیهم المتفق علیه ناقصاً ، کانت قیادتهم ناقصه ، وتعذر علیهم تطبیق الأطروحه العادله الکامله ، بطبیعه الحال .
فإن قال قائل : إن هذا النقصان نسبی وغیر محدد المقدار . فلعله یکون بمقدار ، لا یکون مانعاً من المقصود .
قلنا له : کلا . فان النقصان بالنسبه إلى کل مبدأ حیاتی ، راجع إلى الاخلال بمتطلباته . فالنقص المقصود هنا ، هو النقص المؤدی إلى الاخلال بمتطلبات الأطروحه الکامله . ومعه یکون فرض النقصان مساوقاً مع عدم تطبیق تلک الأطروحه لا محاله .
وأما الشکل الثانی : فهو ممکن بحسب التصور . بأن یکون رأی الفرد ناقصاً غیر قابل للاداره والقیاده . ولکن یکون الرأی العام المتفق علیه قابلاً لها .
إلا أننا یجب أن نلاحظ أن قیاده العالم وتطبیق الأطروحه الکامله من الدقه والأهمیه ، تفوق بأضعاف مضاعفه قیاده أی دوله فی العالم مهما کانت واسعه وکبیره . ومن هنا کان للرأی العام لأجل أن یکون کاملاً وقابلاً لهذه القیاده ، أن یکون کل فرد من مکوِّنیه بالرغم مما علیه من نقصان ، ذو درجه علیا من الوعی والشعور بالسمؤولیه والتدقیق فی الأمور ، بحیث یتحصل بانضمامه إلى غیره ذلک الرأی العام المتفق علیه ، القابل للقیاده . وهذه الصفه لم تصبح غالبه فی الأفراد على طول الخط التاریخی الطویل لعمر لابشریه تجاه أی مبدأ من المبادئ فضلاً عن العدل الکامل . وفی دوله محدوده ، فضلاً عن أفراد البشریه فی دوله عالمیه .