التقیه فی نظر الشیعه

0

 
 

 

وتکلم عنها الفقهاء، وأهل التشریع فی الشرق والغرب بعنوان: هل یجوز التوصل إلى غایه مشروعه من طریق غیر مشروع؟، وبعنوان: المقاصد والوسائل .

 

 

 

وتکلم عنها علماء الأصول من السنه والشیعه بعنوان: تزاحم المهم والأهم، واتفقوا بکلمه واحده على أن الأهم مقدم على المهم، ارتکاباً لأقل الضررین، ودفعاً لأشد المحذورین، وتقدیماً للراجح على المرجوح، وغیرها من العناوین .

 

 

 

وهذه العناوین وما إلیها تحکی التقیه کما هی عند الإمامیه، ولا تختلف عنها إلا فی الأسلوب والتعبیر، وکانت التقیه وما زالت دیناً یدین به کل سیاسی فی الشرق والغرب، حتى المخلص الأمین .

 

 

 

وإذا سأل سائل: ما دام الأمر کذلک فلماذا عَبَّر الشیعه بلفظ التقیه ؟!، ولم یُعبِّروا بلفظ المقاصد والوسائل، أو الغایه تبرر الواسطه ؟! فنقول: إن العِبره بالمعنى لا باللفظ، وقدیماً قال العارفون: النقاش فی الاصطلاحات اللفظیه لیس من دَأبِ المحصلین .

 

 

 

التقیه فی القرآن:

 

 

 

إن علماء الشیعه یأخذون – دائماً أو غالباً – ألفاظهم ومصطلحاتهم الشرعیه من نصوص الکتاب والسُّنه .

 

 

 

فقد عبَّر القرآن الکریم عن هذا المعنى بماده الاتقاء، کما فی قوله الله تعالى: (لا یَتَّخِذُ المُؤمِنُونَ الکَافِرِینَ أَولِیَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِینَ وَمَن یَفْعَلُ ذَلِکَ فَلَیسَ مِنَ اللهِ فِی شیءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُم تُقَاهً) آل عمران: ۲۸، فالآیه صریحه فی النهی عن اتخاذ الکافرین أولیاء، إلا فی حال الخوف واتقاء الضرر والأذى .

 

 

 

ونستدلُّ بقوله تعالى: (مَنْ کَفَرَ بِاللهِ بَعدَ إِیمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُکْرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَانِ) النحل: ۱۰۶ .

 

 

 

فقال المفسرون فیها: إن المشرکین آذوا عمار بن یاسر، وأکرهوه على قول السوء فی رسول الله (صلى الله علیه وآله)، فأعطاهم ما أرادوا .

 

 

 

فقال بعض الأصحاب: کَفَر عَمَّار، فقال النبی (صلى الله علیه وآله): (کلا، إن عماراً یغمره الإیمان من قِرنِه إلى قَدمِهِ) .

 

 

 

وجاء عمار وهو یبکی نادماً آسفاً، فمسح النبی (صلى الله علیه وآله) عینیه، وقال له: (لا تبکِ، إن عادوا لک فَعُدْ لهم بما قلتَ) .

 

 

ونستدلُّ أیضاً بقوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ یَکتُمُ إِیمَانُهُ) غافر: ۲۸، فَکَتْمُ الإیمان وإظهار خلافه لیس نفاقاً وریاء کما زعم من نعت التقیه بالنفاق والریاء .

 

 

ونستدلُّ أیضاً بقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَیدِیکُمْ إِلَى التَهْلُکَهِ) البقره: ۱۹۵٫

 

 

 

التقیه فی أحادیث النَّبی (صلى الله علیه وآله):

 

 

 

ونستدلُّ من السُّنه الشریفه بحدیث: (لا ضَرَرَ وَلا ضِرَار)، وأیضاً بحدیث: (رُفع عن أمتی تسعه أشیاء: الخطأ والنسیان، وما استکرِهُوا علیه، وما لا یعلمون، وما لا یطیقون، وما اضطرُّوا إلیه، والطیره، والحسد، والوَسوَسه فی الخُلق)، والحدیثان مرویَّان فی کتب الصحاح عند السُّنه .

 

 

 

وقول الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله): (وما اضطُرُّوا إلیه)، صریح الدلاله على أن الضرورات تُبِیح المحذورات .

 

 

 

التقیه فی روایات أهل السنه:

 

 

 

قال الغزالی: إن عِصمه دَم المسلم واجبه، فمهما کان القصد سَفکُ دمِ مسلمٍ قد اختفى من ظالمٍ فالکذب فیه واجب (إحیاء علوم الدین: ج۳ / باب ما رُخِّص فیه من الکذب) .

 

 

 

وبعد أن نقل الرازی الأقوال فی التقیه، وهو یفسر قوله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنهُم تُقَاهً) آل عمران: ۲۸، قال: رُوی عن الحسن أنه قال: التقیه جائزه للمؤمنین إلى یوم القیامه، وهذا القول أولى، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمکان .

 

 

 

ونعى الشاطبی الخوارجَ لإنکارِهِم سوره یوسف من القرآن، وقولهم بأن التقیه لا تجوز فی قول أو فعل على الإطلاق والعموم (الموافقات ۴ / ۱۸۰ .

 

 

 

وقال السیوطی: یجوز أکل المیته فی المَخمَصه، وإساغه اللقمه فی الخمر، والتلفظ بکلمه الکفر ولو عَمَّ الحرام قطراً، بحیث لا یوجد فیه حلال إلا نادراً، فإنه یجوز استعمال ما یحتاج إلیه (الأشباه والنظائر: ۷۶ .

 

 

 

وفسَّر أبو بکر الرازی الجصاص – من أئمه الحنفیه – قوله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنهُم تُقَاهً) آل عمران: ۲۸، بقوله: یعنی أن تخافوا تَلَفَ النفس، أو بعض الأعضاء، فَتَتَّقُوهم بإظهار الموالاه من غیر اعتقاد لها، وهذا هو ظاهر ما یقتضیه اللفظ، وعلیه الجمهور من أهل العلم، وقد حدثنا عبد الله، بن محمد، بن إسحاق المروزی، عن الحسن، بن أبی الربیع الجرجانی، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قُتاده، فی قوله تعالى: (لا یَتَّخِذُ المُؤمِنُونَ الکَافِرِینَ أَولِیَاءَ مِنْ دُونِ المُؤمِنِینَ) آل عمران: ۲۳ .

 

 

 

قال: لا یَحِلُّ لِمؤمنٍ أن یتخذ کافراً ولیاً فی دینه، وقوله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنهُم تُقَاهً)، یقتضی جواز إظهار الکفر عند التقیه، وهو نظیر قوله تعالى: (مَنْ کَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعدِ إِیمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُکرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَانِ) النحل: ۱۰۶ .

 

 

 

وهذا القول یدل على جواز التقیه عند أهل السنه: لما فتح رسول الله (صلى الله علیه وآله) خیبر قال له حجاج بن علاط: یا رسول الله إن لی بمکه مالاً، وإن لی بها أهلاً، وأنا أرید أن آتیهم، فأنا فی حِلٍّ إن أنا نِلتُ مِنک وقلتُ شیئاً ؟ فَأذِنَ لَهُ رسول الله أن یقول ما یشاء (السیره الحلبیه ۳ / ۶۱) .

 

 

 

وأخیراً:

 

 

 

إن الذی قاله صاحبُ (السیره الحلبیه) عن النبی (صلى الله علیه وآله)، ونقله الجصاص إلى الجمهور من أهل العلم، هو بعینه ما تقوله الإمامیه .

 

 

 

إذن القول بالتقیه لا یختص بالشیعه دون السنه، ولا ندری کیف استجاز لنفسه من یدعی الإسلام أن ینعت التقیه بالنفاق والریاء وهو یتلو من کتاب الله، وسُنه نبیه (صلى الله علیه وآله) ما ذکرنا من الآیات والأحادیث، وأقوال أئمه السنه وهی غیض من فیض مما استدل به علماء الشیعه فی کتبهم .

 

 

 

وکیف تُنسب الشیعه إلى الریاء وهم یؤمنون بأنه – الریاء – الشِّرک الخفی، ویحکمون ببطلان الصوم والصلاه، والحج والزکاه، إذا شَابَتْها أدنى شائِبه من ریاء ؟!!

 

 

 

 

 

 

منقول من موقع مرکز آل البیت العالمی للمعلومات
   

 وقد مثل فقهاء الشیعه لذلک بأن یصلی الشیعی مُتَکَتِّفاً، أو یغسل رجلیه فی الوضوء بدلاً من مسحهما فی بیئه سُنِّیه متعصِّبه، بحیث إذا لم یفعل لَحِقَه الأذى والضرر، هذی هی التقیه فی حقیقتها وواقعها عند الشیعه وما هی بالشیء الجدید، ولا من البدع التی یأباها العقل والشرع .
فقد تکلم عنها الفلاسفه وعلماء الأخلاق قبل الإسلام وبعده، وأطالوا فی الکلام عنها، ولکن لا بعنوان التقیه، بل بعنوان: هل الغایه تبرر الواسطه ؟، وما إلى ذاک .

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.