مریم أفضل أم فاطمه علیهما السلام ؟
ثم یقول : وإذا کان لا خلاف بین مریم وفاطمه حول هذا الأمر ، فلماذا نختلف نحن فی ذلک ؟ فلفاطمه فضلها ، ولمریم فضلها ، ولا مشکله فی ذلک .
أما نحن فنقول :
أولا : لا شک فی أن الزهراء (علیها السلام) هی أفضل نساء العالمین ، من الأولین والآخرین ، أما مریم فهی سیده نساء عالمها .
وقد روی ذلک عن رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) نفسه ، فضلا عما روی عن الأئمه (علیهم السلام) ( ۱ ) . ویدل على أنها أفضل من مریم کونها سیده نساء أهل الجنه، ومریم من هؤلاء النسوه (۲) .
ویدل على أفضلیتها أیضا ، ما روی عن الصادق (علیه السلام) : لولا أن الله تبارک وتعالى خلق أمیر المؤمنین لفاطمه ما کان لها کفؤ على ظهر الأرض من آدم ومن دونه ( ۳ ) .
وهذا الخبر یدل على أفضلیه أمیر المؤمنین (علیه السلام) أیضا .
ثانیا : إن سؤالنا عن الأفضلیه لا یعنی أننا نختلف فی ذلک ، بل هو استفهام لطلب المزید من المعرفه بمقامات أولیاء الله تعالى التی ورد الحث على طلب المزید منها ، لأنه یوجب مزیدا من المعرفه بالله تعالى . ونحن لو اختلفنا فی ذلک فلیس هو خلاف الخصومه والعدوان ، وإنما هو الخلاف فی الرأی ، الذی یأخذ بیدنا إلى تقصی الحقیقه وازدیاد المعرفه ، وتصحیح الخطأ والاشتباه لدى هذا الفریق أو ذلک .
ثالثا : إن علینا أن ندرک – کل بحسب قدرته – إن کل ما جاء فی کتاب الله تعالى ، وکل ما قاله رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وأوصیاؤه (علیهم السلام) ، وأبلغونا إیاه ، وکل ما ذکر فی کتاب الله العزیز ، لا بد أن نعرفه بأدق تفاصیله إن استطعنا إلى ذلک سبیلا ، وهو علم له أهمیته ، وهو یضر من جهله ، وینفع من علمه . ولا ینحصر ما ینفع علمه بما
یرتبط بالأمور السیاسیه فقط ، أو المالیه ، أو الاجتماعیه ، أو التنظیمیه ، والممارسه الیومیه للعبادات أو ما إلى ذلک . وذلک لأن للإنسان حرکه فی صراط التکامل ینجزها باختیاره وجده ، وبعمله الدائب ، وهو ینطلق فی حرکته هذه من إیمانه ، ویرتکز إلى درجه یقینه ، وهذا الإیمان وذلک الیقین لهما رافد من المعرفه بأسرار الحیاه ، ودقائقها ، وبملکوت الله سبحانه ، وبأسرار الخلیقه ، ومن المعرفه بالله سبحانه ، وبصفاته وأنبیائه وأولیائه الذین اصطفاهم ، وما لهم من مقامات وکرامات ، وما نالوه من درجات القرب والرضا ، وما أعده الله لهم من منازل الکرامه ، کمعرفتنا بأن الله سبحانه هو الذی سمى فاطمه (علیها السلام) ( 4 ) ، وهو الذی زوجها فی السماء قبل الأرض ( ۵ ) ، وبأنها کانت تحدث أمها وهی فی بطنها ( ۶) ، وغیر ذلک . وهذه المعرفه تزید فی صفاء الروح ورسوخ الإیمان ، ومعرفه النفس الموصله إلى معرفه الرب سبحانه .
ومن الواضح : أن مقامات الأنبیاء والأوصیاء والأولیاء ، ودرجات فضلهم قد سمت وتفاوتت بدرجات تفاوت معرفتهم بذلک کله .
غیر أن بعض المعارف قد تحتاج إلى مقدمات تسهل علینا استیعابها ، وتؤهلنا للاستفاده منها بالنحو المناسب ، فتمس الحاجه إلى التدرج فی طی مراحل فی هذا السبیل ، تماما کطالب الصف الأول ، فإنه لا یستطیع عاده أن یستوعب – بالمستوى المطلوب – الماده التی تلقى على طلاب الصف الذی هو فی مرحله أعلى کالطالب الجامعی مثلا ، بل لا بد له من طی مراحل تعده لفهم واستیعاب ذلک کله تمهیدا للانتفاع به .
وکلما قرب الإنسان من الله ، زادت حاجته إلى معارف جدیده تتناسب مع موقعه القربى الجدید ، واحتاج إلى المزید من الصفاء ، والطهر ، وإلى صیاغه مشاعره وأحاسیسه وانفعالاته ، بل کل واقعه وفقا لهذه المستجدات .
وهذا شأن له أصالته وواقعیته ولا یتناسب مع مقوله : هذا علم لا ینفع من علمه ولا یضر من جهله . وإذا کان الإمام الصادق (علیها السلام) لم یترفع عن الخوض فی أمر کهذا ، حین سئل عن هذا الموضوع فأجاب. فهل یصح منا نحن أن نترفع عن أمر تصدى للإجابه عنه الإمام (علیه السلام) دونما اضطرار ، وهو الأسوه والقدوه ؟ ! . إذن . . نحن بحاجه لمعرفه ما لفاطمه (علیها السلام) من مقام عال وکرامه عند الله ، ومعرفه ما لها من فضل على باقی الخلائق ، وبحاجه إلى معرفه أنها سیده نساء العالمین من الأولین والآخرین ، وأنها أفضل من مریم (علیها السلام) ، ومن کل من سواها ، حتى لو کانت مریم (علیها السلام) سیده نساء عالمها .
إننا بحاجه إلى ذلک ، لأنه یعمق ارتباطنا بفاطمه (علیها السلام) ، ویدخل فاطمه إلى قلوبنا ، ویمزجها بالروح وبالمشاعر وبالأحاسیس ، لیزداد تفاعلنا مع ما تقول وما تفعل ، ونحس بما تحس ، ونشعر بما تشعر ، ونحب من وما تحب ، ونبغض من وما تبغض ، ویؤلمنا ما یؤلمها ویفرحنا ما یفرحها ، فیزیدنا ذلک خلوصا وطهرا وصفاء ونقاء ، ومن ثم هو یزید فی معرفتنا بحقیقه ظالمیها والمعتدین علیها ، ویعرفنا حجم ما ارتکب فی حقها ، ومدى سوء ذلک وقبحه .
ـــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع : ذخائر العقبى : ص ۴۳ وسیر أعلام النبلاء : ج ۲ ص ۱۲۶ والجوهره : ص ۱۷ والاستیعاب ( مطبوع بهامش الإصابه ) : ج ۴ ص ۳۷۶ وتاریخ دمشق ( ترجمه الإمام علی بتحقیق المحمودی " : ج ۱ ص ۲۴۷ – ۲۴۸ والمجالس السنیه : ج ۵ ص ۶۳ عن أمالی الصدوق والاستیعاب وشرح الأخبار : ج ۳ ص ۵۶ ومقتل الحسین للخوارزمی : ج ۱ ص ۷۹ ونظم درر السمطین : ص ۱۷۸ و ۱۷۹ ومعانی الأخبار : ص ۱۰۷ وعلل الشرائع : ج ۱ ص ۱۸۲ ، والبحار : ج ۴۳ ص ۳۷ و ج ۳۹ ص ۲۷۸ و ج ۳۷ ص ۶۸ ، ومناقب ابن شهر آشوب . ( * )
( 2 ) راجع الرسائل الاعتقادیه : ص ۴۵۹ عن صحیح البخاری : ج ۵ ص ۳۶ وعن الطرائف : ص ۲۶۲ عن الجمع بین الصحاح السته ومرآه الجنان : ج ۱ ص ۶۱ وضیاء العالمین : ج ۲ ق ۳ ص ۱۹ / ۲۰ و ۲۱ . ( 3 ) راجع الکافی : ج ۱ ص ۴۶۱ والبحار : ج ۴۳ ص ۱۰ و ۱۰۷ وضیاء العالمین " مخطوط " : ج ۲ ق ۳ ص ۱۱ عن عیون المعجزات : وص ۴۸ عن کتاب الفردوس . ( * )
(۴) البحار : ج ۴۳ ص ۱۳ ح ۷ عن علل الشرائع : ج ۱ ص ۱۷۸ ح ۲ .
(۵) ذخائر العقبى : ص ۳۱ وراجع کشف الغمه : ج ۲ ص ۹۸ وکنوز الحقائق للمناوی بهامش الجامع الصغیر : ج ۲ ص ۷۵ والبحار : ج ۴۳ ص ۱۴۱ و ۱۴۵٫
(۶ ) فاطمه الزهراء من المهد إلى اللحد للقزوینی : ص ۳۹ والبحار : ج ۴۳ ص ۲ ونزهه المجالس : ج ۲ ص ۲۲۷ وضیاء العالمین : ج ۲ ق ۳ ص ۲۷ . ۳۸ " مخطوط " . ( * )