التطور والإبداع عن الشیعه الإمامیه

0

تقدیس العقل:
أ ـ قال الإمام أبو عبد الله الصادق (علیه السلام): حجه الله على العباد النبی والحجه فیما بین العباد وبین الله العقل…)(۱).
ب ـ قال الإمام أبو جعفر (علیه السلام) : لما خلق الله العقل، قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتی وجلالی ما خلقت خلقا أحسن منک، إیاک آمر، وإیاک أنهى، وإیاک أثیب، وإیاک أعاقب(۲)).
ج ـ قال الإمام أبو عبد الله (علیه السلام): إن أول الأمور ومبدأها وقوتها وعمارتها التی لا ینتفع شیء إلا به العقل الذی جعله الله زینه لخلقه، ونورا لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنهم مخلوقون وأنه المدبر لهم، وأنهم المدبرون، وأنه الباقی، وهم الفانون واستدلوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه فی سمائه وأرضه، وشمسه وقمره، ولیله ونهاره، وبان له ولهم ـ أی للعقل و للعباد ـ خالقا ومدبرا لم یزل، ولا یزول، وعرفوا به الحسن من القبیح وأن الظلمه فی الجهل، وأن النور فی العلم، فهذا ما دلهم علیه العقل.
وقیل للإمام: فهل یکتفی العباد بالعقل دون غیره؟
فأجاب:
إن العاقل لدلاله عقله الذی جعله الله قوامه، وزینته، وهدایته علم أن الله هو الحق، وأنه هو ربه، وعلم أن لخالقه محبه وأن له کراهه، وأن له طاعه، وأن له معصیه، فلم یجد عقله یدله على ذلک وعلم أنه لا یوصل إلیه إلا بالعلم وطلبه، وأنه لا ینتفع بعقله إن لم یصب ذلک بعلمه، فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الذی لا قوام إلا به(۳).
وکثیر من أمثال الأحادیث أدلى بها أئمه أهل البیت (علیهم السلام) فی فضل العقل وأهمیته، ولا إشکال فی أن فاقد العقل غیر مکلف، بما فرض الله على عباده من واجبات، وما نهاهم عنه من اقتراف المحرمات.
حجیه العقل:
وتؤمن الشیعه الإمامیه بحجیه العقل، وأنه أحج الأدله الأربعه التی یستنبط منها الفقهاء الأحکام الشرعیه، وهی الکتاب المجید والسنه المقدسه والإجماع ودلیل العقل، أن له مسرحا کبیرا فی استنباط الأحکام الشرعیه، والتی منها:
البراءه العقلیه:
ونعنی بها قبح العقاب بلا بیان، وهذه القاعده یتمسک بها عند فقد النص أو إجماع له أو لتعارض النصین، ومن مواردها الشبهه الحکمیه الوجوبیه کما فی الشک بین الوجوب وغیر الحرمه، ویلحق بها الشبهه الموضوعیه وهی التی کان الحکم فیها معلوما من الوجوب أو الحرمه، وحصل الاشتباه أنه من أفراد الوجوب أو الإباحه مثلا، وقد تعرضت کتب الأصول إلى تفصیل ذلک، وبیان الاختلاف الواقع فی هذه المسأله بین أقطاب هذا الفن.
وعلى أی حال فإن البراءه العقلیه من المسائل ذات الأهمیه البالغه فی البحوث الفقهیه والأصولیه.
الاستصحاب:
وهو إبقاء ما کان على ما کان، ومن جمله الأدله على حجیه حکم العقل بالأخذ بالحاله السابقه ما لم یثبت خلافها، وفیه مباحث مهمه عرضت لها کتب الأصول، وأطاله البحث فیه وفی البراءه یخرج هذا الکتاب عن موضوعه.
التعادل والتراجیح:
وهو ما کان أحد الدلیلین فی عرض الآخر، وفی مدلولیهما تعارض وتمانع، بحیث لا یوجد الملاک إلا فی أحدهما دون الآخر بخلاف باب التزاحم، وهو ما کان الملاک موجودا فی کلیهما ولکن المکلف لا یتمکن من امتثالها فی زمان واحد کإنقاذ الغریقین فی وقت واحد.
ومن جمله المرجحات فی باب التعارض أن یتفق أحد الدلیلین مع حکم العقل ویشذ الآخر عنه فی مثل ذلک یؤخذ بما رجحه العقل، وحکم على طبقه.
وعلى أی حال فإن کثیرا من المباحث الأصولیه تدخل تحت إطار حکم العقل کمقدمه الواجب، وکالأمر بالشیء هل یقتضی النهی عن ضده، وغیر ذلک مما بحثت عنه بالتفصیل کتب الأصول.
فتح باب الاجتهاد:
والشیء الذی تمیزت به الشیعه الإمامیه عن بقیه المذاهب الإسلامیه هو فتح باب الاجتهاد، فقد دلل ذلک على أصاله فقههم وتفاعله مع الحیاه، وتطوره واستمراره فی العطاء لجمیع شؤون الإنسان، وأنه لا یقف مکتوفا أمام الأحداث المستجده التی یبتلی بها الناس، وذلک فی کثیر من المسائل التی عدم فیها النص ولم تکن موجوده فی العصور السابقه کالتلقیح الصناعی، وغرس الأعضاء، وصعود الإنسان إلى الکواکب، ووسائل البنوک والسرقفلیه، وغیر ذلک من الأمور التی لا یوجد لها حل على غیر مائده فقه أهل البیت (علیهم السلام).
ومن الجدیر بالذکر أن کبار علماء الأزهر قد أدرکوا مدى الحاجه الملحه إلى فتح باب الاجتهاد، ومتابعه الشیعه فی هذه الظاهره، وفیما یلی أراء بعضهم:
السید رشید رضا:
قال السید رشید رضا وهو من أعلم مشایخ الأزهر: ولا نعرف فی ترک الاجتهاد منفعه ما، وأما مضاره فکثیره، وکلها ترجع إلى إهمال العقل، وقطع طریق العلم، والحرمان من استغلال الفکر، وقد أهمل المسلمون کل علم بترک الاجتهاد ، فصاروا إلى ما نرى….(۴))
عبد المتعال الصعید:
وممن أنکر قف باب الاجتهاد عبد المتعال الصعدی وهو من أعلام مصر ومن شیوخ الأزهر قال: وإنی أستطیع أن احکم بعد هذا بأن منع الاجتهاد قد حصل بطریقه ظالمه، وبوسائل القهر والإغراء بالمال، ولا شک أن هذه الوسائل لو قدرت بغیر المذاهب الأربعه التی نقلها الآن لما بقی لها جمهور یقلدها… فنحن إذا فی حل من التقیید بهذه المذاهب الأربعه التی فرضت علینا بتلک الوسائل الفاسده، وفی حل من العود إلى الاجتهاد فی أحکام دیننا لأن منعه لم یکن إلا بطریق القهر، والإسلام لا یرضى إلا بما یحصل بطریق الرضا والشورى بین المسلمین(۵).
الدکتور عبد الدائم:
ومن المنکرین لإقفال باب الاجتهاد الدکتور عبد الدائم البقری الأنصاری قال: منع الاجتهاد وهو سر تأخر المسلمین، وهذا هو الباب المرن الذی عندما قفل تأخر المسلمون بقدر ما تقدم العالم فأضحى ما وضعه السابقون لا یمکن أن یغیر أو یبدل لأنه لاعتبارات سیاسیه منع الولاه والسلاطین الاجتهاد حتى یحفظوا ملکهم، ویطمئنوا إلى أنه لن یعارضهم معارض، وإذا ما عارضهم أحد ـ لأنه لا تخلو أمه من الأمم إلا وفیها المصلح النزیه، والزعیم الذی لا یخشى فی الحق لومه لائم فلن یسمع قوله لأن باب الاجتهاد قد أغلق، لهذا جمد لتشریع الإسلامی الآن، وما التشریع إلا روح الجماعه وحیاه الأمه، وإنی أرجع الفتنه الشعواء التی حصلت فی عهد الخلیفه عثمان، والتی کانت سببا فی وقف الفتح الإسلامی، حیث تحولت فی عهده الحرب الخارجیه إلى حرب داخلیه ـ أرجع ذلک ـ إلى أن عثمان کان من المحافظین، وقد شرط ذلک على نفسه عندما وافق عبد الرحمن بن عوف على (لزوم الإقتداء بالشیخین فی کل ما یعنی بدون اجتهاد) عند انتخابه خلیفه، ولم یوافق الإمام علی على ذلک حینئذ قائلا: ( إن الزمن قد تغیر فکان سبب تولی عثمان الخلافه هو سبب سقوطه)(۶).
العلامه العبیدی:
قال العلامه العبیدی: (الاجتهاد مجلبه الیسر، والیسر من أکبر مقاصد الشارع، وأبدع حکم التشریع بالاجتهاد، یتلاطم موج الرأی فینفذ جوهر الحقیقه على الساحل، الحوادث لا تتناهى، والعصور محدثات، فإذا جمدنا على ما قیل، فما حیلتنا فیما یعرض من ذلک القبیل؟ سد باب الاجتهاد اجتهاد، فقل للقائل به إنک قائل غیر ما تفعل(۷)).
جمال الدین الأفغانی:
وما أبدع ما قاله جمال الدین الأفغانی: قال: بأی نص سد باب الاجتهاد، وأی إمام قال: لا ینبغی لأحد من المسلمین بعدی أن یجتهد أو لیتفقه فی الدین، أو أن یهتدی بهدى القرآن وصحیح الحدیث أو أن یجد، ویجتهد بتوسیع مفهومه، والاستنتاج على ما ینطبع على العلوم العصریه، وحاجیات الزمن، وأحکامه، ولا ینافی جوهر النص، إن الله بعث محمد رسولا بلسان قومه العربی لیعلمهم ما یردی إفهامهم ولیقیموا منه ما یقوله لهم:
ولا ارتیاب بأنه لو فسح فی أجل أبی حنیفه ومالک والشافعی وأحمد وعاشوا إلى الیوم لداموا مجتهدین مجدین یستنبطون لکل قضیه حکما من القرآن والحدیث، وکلما أزداد تعمقهم زادوا فهما وتدقیقا، نعم إن أولئک الفحول من الأئمه ورجال الأمه اجتهدوا، وأحصنوا فجزاهم الله خیر الجزاء، ولکن لا یصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بکل أسرار القرآن، وتمکنوا من تدوینها فی کتبهم(۸).
أحمد أمین:
قال أحمد أمین: وقد أصیب المسلمون بحکمهم على أنفسهم بالعجز، وقولهم: بإقفال باب الاجتهاد لأن معناه لم یبق فی الناس من تتوفر فیه شروط المجتهد، ولا یرجى أن یکون ذلک فی المستقبل، وإنما قال: هذا القول بعض المقلدین لضعف ثقتهم بأنفسهم، وسوء ظنهم بالناس(۹).
إن الإسلام ـ والحمد لله ـ قد نعى على الفکر والجمود، ودعاه إلى التطور والإبداع فی میادین الفکر والعلم، ولیس من الحکمه فی شیء ولا من المنطق إقفال باب الاجتهاد ، وفرض باب التقلید.. إنه لیس فی فتح باب الاجتهاد واستحاله، ولا مخالفه لنصوص الکتاب السنه، وأما إقفاله فقد کان فی وقت خاص فرضته الحکومات القائمه فی تلک العصور لمصالح سیاسیه تعود لها بالنفع حسبما أدلى به المحققون(۱۰).
وعلى أی حال فإن فتح باب الاجتهاد عند الشیعه آیه على تطورهم الفکری، ومسایرتهم للزمن فیما یحدث فیه من أحداث لم تکن موجوده ولا منصوص على حکمها فی میادین التشریع الإسلامی فهی تعالج على ضوء الأصول العلمیه التی ینتهی إلیها الفقیه عند فقد النص أو إجماله أو تعارضه.
المرجعیه العامه:
ونعرض بصوره موجزه إلى المرجعیه العامه التی یتقلدها أکبر الفقهاء عند الشیعه الإمامیه، وهی من أهم المراکز الحساسه فی العالم الإسلامی، وفیما یلی ذلک.
معنى المرجعیه:
أما المرجعیه فمعناها النیابه العامه عن إمام العصر قائم آل محمد ومستند ذلک إلى أن الإمام أوکل بعد غیبته الکبرى إلى الفقهاء المجتهدین قضایا المسلمین ومسائل الدین، وقلدهم وسام النیابه العامه عنه لیحکموا بین الناس بما أنزل الله تعالى، وألزم المسلمین بأخذ أحکام دینهم منهم، والرجوع إلیهم فیما شجر بینهم من خلاف، ولیس للمسلمین بأی حال الرد علیهم ومخالفتهم فیما صدر منهم من الفتیا حسبما دلت علیه الأخبار الوارده عنه.
صفات المرجع:
ویجب أن تتوفر فی المرجع العام جمیع الصفات الکریمه النزعات الشریفه من العلم والشجاعه ونکران الذات والدرایه بما تحتاج إلیه الأمه، وقد نص الفقهاء على بعض الشروط الأولیه التی یجب أن یتصف بها المرجع وسائر المجتهدین الذین یتصدون للفتیا والقضاء بین المسلمین وهی:
۱ ـ الذکوره:
ولا بد أن یکون المرجع ذکرا کما هو شرط فی القاضی وإمام الجماعه، فلا یجوز للمرأه أن تتصدى لهذه المناصب الخطیره لا للحط من شأنها والاستهانه بمرکزها، وإنما لعجزها الذاتی، وعدم قدرتها على تحمل هذه المسؤولیه، وأداء وظائفها على الوجه الصحیح فهی بحسب تکوینها السیکولوجی عاجزه عن القیام بمثل هذه المناصب.
۲ ـ العقل:
وهو من الشروط الأولیه فی المرجع وغیره بل هو شرط فی توجه التکلیف إلیه، وعند فقده فهو أحد الذین رفع القلم عنهم کما دل علیه حدیث الرفع.
۳ ـ الإیمان:
ویجب أن یکون المرجع مؤمنا ومسلما فإذا فقد ذلک وکان فی أرقى مراتب الاجتهاد فلا یجوز تقلیده ولا مرجعیته ولا الترافع إلیه، وإذا حکم بحکم فهو غیر نافذ على الإطلاق.
۴ ـ العداله:
إما العداله فهی من العناصر الأساسیه فی المرجعیه ونعنی بها أن تکون عند المرجع ملکه تصده عن اقتراف الذنوب واقتراف الجرائم، وأن یتحلى بتقوى الله وطاعته، ویجعل الله تعالى نصب عینیه فی جمیع تصرفاته وشؤونه، فلا ینساب وراء العواطف والأهواء، فلا یقدم قریبا على بعید ولا قوما على آخرین، ویکون المثل الأعلى للتقوى فی هدیه وسلوکه کالأئمه الطاهرین.
۵ ـ الاجتهاد:
ویجب فی المرجع الأعلى أن یبلغ أسمى مرتب الاجتهاد وقد عرف بأنه استنباط الحکم الشرعی من مدارکه المقرره، وعلى ضوئها یفتی الفقیه فیما یعرض علیه من المسائل الشرعیه المتعلقه بالعبادات والمعامله والأمور المستحدثه، وقد عرضت کتب الفقه بصوره موضوعیه وشامله إلى تعریف الاجتهاد، وبیان أنواعه من المطلق والمتجزئ، ما یتعلق بها من بحوث کما ألفت فیها بعض الدراسات الحدیثه.
هذه بعض الشروط التی یجب أن تتوفر فی المرجع العام، فإذا فقد بعضها فلیس له أن یتصدى لهذا المنصب الخطیر الذی تناط به مصلحه الأمه.
انتخابه:
أما انتخاب المرجع العام، وتعیینه قائدا عاما للأمه فهو بید أهل الخبره من الفقهاء والعلماء المتحرجین فی دینهم فهم الذین ینتخبونه للمرجعیه بعد إطلاعهم التام على تقواه وورعه وطاقاته العلمیه التی تظهر فی بحوثه ومؤلفاته.
مسؤولیاته:
أما مسؤولیات مرجع الأمه فإنها شاقه وعسیره ومرهقه، وهذه بعضها:
أ ـ السهر على مصالح العالم الإسلامی من دون فرق بین طوائفه وقومیاته، فهو أب للجمیع، یقوم برعایه شؤونهم ومصالحهم ، ومناجزه على عدوهم.
وکان من بین المواقف المشرفه للمرجعیه العامه فی النجف الأشرف إنها وقفت إلى جانب الشعب اللیبی المسلم حینما تعرض للغزو الإیطالی، وقد دعت المسلمین إلى مناصرتهم والذب عنهم، ومحاربه الغزاه الإیطالیین(۱۱) وحینما احتلت الجیوش البریطانیه العراق هبت المرجعیه العامه فی النجف بقیاده الإمام الشیرازی، الذی أصدر فتواه بوجوب طرد الإنکلیز ومحاربتهم، فکانت ثوره العشرین الثوره الخالده التی زعزعت کیان بریطانیا.. وحینما احتل الصهاینه فلسطین بدعم ومسانده من القوى الاستعماریه فی الغرب التی تکید للمسلمین وللعرب فی اللیل إذا یغشى وفی النهار إذا تجلى، فهب مراجع الشیعه إلى نصره الشعب الفلسطینی المظلوم فأفتوا بالجهاد المقدس ووجوب مناصره الفلسطینیین فی کفاحهم المسلح ضد الصهاینه المجرمین. ولما انطلق الشعب الجزائری المجاهد لإعلان استقلاله وحریته وکرامته، وطرد الاستعمار الفرنسی، وقفت المرجعیه الشیعیه إلى مسانده والذود عنه، وأفتت بلزوم مناصرته.
ولما تعرض العراق للغزو الشیوعی أیام عبد الکریم قاسم انبرى جمیع المراجع والعلماء الإعلام إلى إنقاذ العراق من براثن الشیوعیه، وأفتى الإمام الحکیم (الشیوعیه کفر وإلحاد) فکانت هذه الفتوى الخالده صاعقه على الشیوعیین فزعزعت کیانهم، وجردتهم من القاعده الشعبیه، کما زعزعت الشیوعیه العالمیه، وأفسدت جمیع مخططاتها وأسالیبها فی العالم الإسلامی وغیره من مناطق العالم.
وعلى أی حال فإن المرجعیه الإمامیه مصدر فیض وعطاء لجمیع المسلمین لا تتحیز ولا تتعصب لفئه دون أخرى، وإنما تتبنى بصوره ایجابیه المصلحه العامه لجمیع المسلمین فی جمیع أقالیمهم وأوطانهم.
ب ـ ومن مسؤولیات المرجعیه العامه القیام بشؤون الحوزه العلمیه، والإنفاق علیهم بما یسد حاجتهم ولا یجعلهم فی ضائقه اقتصادیه، فیلحظهم کأبنائه وعیاله، کما تتولى المرجعیه تغذیه الناشئه العلمیه بالفقه ومقدماته لیکونوا مرشدین ومبلغین لأحکام الإسلام فی الأقطار والأقالیم الإسلامیه وغیرها.
وکذلک تقوم المرجعیه بالأنفاق على الفقراء والبؤساء ومساعدتهم والبر بهم، ومن جمله ألوان البر الذی یصدر من المرجعیه مساعده العزاب الفقراء فی زواجهم … هذه بعض مسؤولیات المرجعیه الإمامیه عرضنا لها بصوره موجزه.
انفصال المرجعیه عن الدوله:
والشیء المهم فی المرجعیه الإمامیه أنها منفصله انفصالا تاما عن الدوله وعدم ارتباطها بأی شأن من شؤونها، فلیس للدوله أی سیطره أو سلطان علیها، وإنما هی حره فیما تقول وتفتی، وقد أفتت المرجعیه بکفر الشیوعیین وإلحادهم أیام کانت الدوله فی العرق مسانده لهم.
وقد استمدت المرجعیه هذه الظاهره من أئمه أهل البیت (علیهم السلام)، فقد کتب المنصور الدوانیقی إلى الإمام الصادق (لم لا تغشانا کما یغشانا سائر الناس؟) فأجابه الإمام: (لیس عندنا من الدنیا ما نخافک علیه، ولا عندک من الآخره ما نرجوک له فعلام نزورک؟ فکتب إلیه المنصور: (إنک تصحبنا لتنصحنا) فرد علیه الإمام: (من أراد الآخره فلا یصحبک ومن أراد الدنیا فلا ینصحک).
وعلى أی حال فإن المرجعیه لا ترتبط بأی حال من الأحوال بالدوله لا اقتصادیا ولا سیاسیا، وإنما هی بمعزل عنها وهذا هو السبب الذی جعل الدوله فی کثیر من الأحیان ناقمه على المرجعیه وعلى علماء الدین.
واردات المرجعیه:
أما واردات المرجعیه فهی بالغه الأهمیه وتکفی لتأسیس دوله، وهذه بعضها:
الخمس:
وهو ضریبه مالیه یدفعها أبناء الطائفه الإمامیه إلى المرجع العام، ومن بنود الخمس ما یفضل من مؤونه الإنسان سنویا من النقود وغیرها من سائر الأعیان، کما یجب الخمس فی الهبه والهدیه، والجائزه، والمال الموصى به، ونماء الوقف الخاص أو العام، والمیراث الذی لا یحتسب.
والخمس ینقسم إلى قسمین: قسم منه إلى الإمام سلام الله علیه، والقسم الآخر یدفع إلى الساده زادهم الله شرفا، وحق الإمام یدفع إلى المرجع العام، وینفقه على مصالح المسلمین، ومن أهم مصارفه إقامه شعائر الدین، ونشر قواعده وأحکامه، ومؤونه أهل العلم الذین یصرفون أوقاتهم فی تحصیل العلوم الدینیه، والدفاع عن الإسلام، ومن المعلوم أن دفع هذا الحق إلى المرجع إنما هو فی زمان غیبه الإمام أما فی زمان حضوره فیتعین الدفع إلیه وهنا مباحث مهمه تعرضت لها کتب الفقه ورسائل المراجع.
الزکاه:
وهی من الضرائب المالیه، وتجب فی الغلات الأربع: الحنطه، والشعیر، والتمر، والزبیب، وفی النقدین: الذهب والفضه، ویجب إنفاقها على فقراء المحله، وإذا طلبها الفقیه تعین إیصالها له.
النذور:
ومن واردات المرجعیه النذور، وهی واردات کثیره یصل بعضها إلى المراجع، وتفصیل النذور ، ومعرفه الصحیح من غیره قد ذکرته کتب الفقهاء ورسائلهم.
ثلث الأموات:
ومما یرد إلى المراجع ما یوصی به المؤمنون من إیصال ثلث أموالهم إلى المرجع لینفقه فی سبیل الله من الخیرات والمبرات، کالصوم والصلاه التی فاتت المیت وغیر ذلک.
ومضافا لهذه الواردات ما یصل إلى المرجع من الهدایا والألطاف وغیرها… وبهذا ینتهی بنا الحدیث عن التطور والإبداع عند الشیعه الإمامیه.
ــــــــــــــــ
۱- أصول الکافی ۱/۲۵
۲- أصول الکافی ۱/۲۶
۳- أصول الکافی ۱/۲۹
۴- الوحده الإسلامیه (ص۹۹)
۵- میدان الاجتهاد (ص۱۴)
۶- الفلسفه السیاسیه للإسلام (ص۳۱)
۷- النواه فی حقل الحیاه (۱۲۴)
۸- خاطرات جمال الدین (ص۱۷۷)
۹- یوم الإسلام (ص۱۸۹)
۱۰- حیاه الإمام محمد الباقر ۱/۲۲۰
۱۱- لمحات اجتماعیه من تأریخ العراق الحدیث

Leave A Reply

Your email address will not be published.