الإمام السابع : أبو الحسن موسى بن جعفر الکاظم (علیه السلام)
لاقى من المحن ما تنهد لهولها الجبال فلم تحرک منه طرفا ، بل کان ( علیه السلام ) صابرا محتسبا کحال آبائه وأجداده ( علیهم السلام ) . یعرف بأسماء عدیده منها : العبد الصالح ، والکاظم ، والصابر ، والأمین .
قال ابن الصباغ : روى عبد الأعلى عن الفیض بن المختار قال : قلت لأبی عبد الله جعفر الصادق ( علیه السلام ) : خذ بیدی من النار ، من لنا بعدک ؟ فدخل موسى الکاظم وهو یومئذ غلام ، فقال ( أی الصادق ( علیه السلام ) ) : " هذا صاحبکم فتمسک به " ( 1 ) .
قال الشیخ المفید : هو الإمام بعد أبیه ، والمقدم على جمیع بنیه ، لاجتماع خصال الفضل فیه ، وورود صحیح النصوص وجلی الأقوال علیه من أبیه بأنه ولی عهده والإمام القائم من بعده ( ۲ ) .
وقد تولى منصب الإمامه بعد أبیه الصادق ( علیه السلام ) فی وقت شهدت فیه الدوله العباسیه استقرار أرکانها وثبات بنیانها ، فتنکرت للشعار الذی کانت تنادی به من الدعوه لآل محمد – علیه وعلیهم السلام – فالتفتت إلى الوارث الشرعی لشجره النبوه مشهره سیف العداء له ولشیعته تلافیا من تعاظم نفوذه أن یؤتی على أرکان دولتهم وینقضها ، فشهد الإمام الکاظم ( علیه السلام ) طیله سنی حیاته صنوف التضییق والمزاحمه ، إلا أن ذلک لم یمنعه ( علیه السلام ) من أن یؤدی رسالته فی حمایه الدین وقیاده الأمه ، فعرفه المسلمون آیه من آیات العلم والشجاعه ، ومعینا لا ینضب من الحلم والکرم والسخاء ، ونموذجا عظیما لا یدانى فی التعبد والزهد والخوف من الله تعالى .
جوانب من سیرته العطره ( علیه السلام ) : ولقد أفرد الباحثون والمحققون مصنفات کثیره فی سیره هذا الإمام العظیم ، کفتنا عن التعرض لها هنا فی هذه العجاله ، إلا أننا سنحاول فی هذه الصفحات التعرض لجوانب مختاره من تلک السیره العطره :
ـــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الفصول المهمه : ۲۳۱ .
( ۲ ) لاحظ للوقوف على تلک النصوص الکافی ۱ : ۳۰۷ – ۳۱۱ ، إثبات الهداه ۳ : ۱۵۶ – ۱۷۰ فقد نقل فی الأخیر ۶۰ نصا على إمامته . ( * )
۱ – روى الخطیب فی تاریخ بغداد بسنده قال : حج هارون الرشید فأتى قبر النبی ( صلى الله علیه وآله ) زائرا ، وحوله قریش ومعه موسى بن جعفر ، فلما انتهى إلى القبر قال : السلام علیک یا رسول الله یا بن عمی – افتخارا على من حوله – فدنا موسى بن جعفر فقال : " السلام علیک یا أبه " فتغیر وجه الرشید وقال : هذا الفخر یا أبا الحسن حقا ! ( ۱ ) .
2 – ذکر الزمخشری فی ربیع الأبرار : أن هارون کان یقول لموسى بن جعفر : یا أبا الحسن خذ فدکا ( ۲ ) حتى أردها علیک ، فیأبى ، حتى ألح علیه فقال : " لا آخذها إلا بحدودها " قال : وما حدودها ؟ قال : " یا أمیر المؤمنین إن حددتها لم تردها " ، قال : بحق جدک إلا فعلت ، قال : " أما الحد الأول فعدن " فتغیر وجه الرشید وقال : هیه ، قال : " والحد الثانی سمرقند " فأربد وجهه ، قال : " والحد الثالث إفریقیه " فاسود وجهه وقال : هیه ، قال : " والرابع سیف البحر مما یلی الخزر وإرمینیه " ، قال الرشید : فلم یبق لنا شئ ، فتحول فی مجلسی ، قال موسى ( علیه السلام ) : " قد أعلمتک أنی إن حددتها لم تردها " . فعند ذلک عزم على قتله ( ۳ ) .
ـــــــــــــــــــــ
( ۱ ) وفیات الأعیان ۵ : ۳۰۹ .
( ۲ ) قریه بالحجاز بینها وبین المدینه یومان وقیل ثلاثه ، أفاءها الله تعالى على رسوله ( صلى الله علیه وآله ) صلحا سنه سبع من الهجره ، وأعطاها رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) إلى ابنته فاطمه الزهراء سیده نساء العالمین ( علیها السلام ) ، وکانت ملکا لها فی حیاته تستفید من خیراتها ، إلا أن أبا بکر حرمها منها ، فاغتاظت منه الزهراء وحاججته فی ذلک الأمر لکنه أبى ، وبقیت فدک هکذا حتى ردها الخلیفه الأموی عمر بن عبد العزیز إلى أبناء فاطمه ( علیها السلام ) ثم نزعها منهم یزید ابن عبد الملک ، فلم تزل فی أیدی الأمویین حتى ولی العباسیون فدفعها أبو العباس السفاح إلى الحسن ابن الحسن بن علی بن أبی طالب ، ثم أخذها المنصور ، ثم أعادها ولده المهدی ، ثم أخذها موسى الهادی ، إلى أن ولی المأمون فأعادها إلیهم .
( ۳ ) ربیع الأبرار ۱ : ۳۱۵ . ( * )
3 – کان یصلی نوافل اللیل ویصلها بصلاه الصبح ثم یعقب حتى تطلع الشمس ویخر لله ساجدا ، فلا یرفع رأسه من الدعاء والتحمید حتى یقرب زوال الشمس . کان یدعو کثیرا فیقول : " اللهم إنی أسألک الراحه عند الموت ، والعفو عند الحساب " ، ویکرر ذلک . وکان من دعائه ( علیه السلام ) : " عظم الذنب من عبدک ، فلیحسن العفو من عندک " . وکان یبکی من خشیه الله حتى تخضل لحیته بالدموع . وکان أوصل الناس لأهله ورحمه . وکان یتفقد فقراء المدینه فی اللیل ، فیحمل إلیهم الزنبیل فیه العین والورق والأدقه والتمور ، فیوصل إلیهم ذلک ولا یعلمون من أیه جهه هو ( ۱ ) .
4 – فی تحف العقول للحسن بن علی بن شعبه : قال أبو حنیفه : حججت فی أیام أبی عبد الله الصادق ( علیه السلام ) فلما أتیت المدینه دخلت داره فجلست فی الدهلیز أنتظر إذنه ، إذ خرج صبی فقلت : یا غلام أین یضع الغریب الغائط من بلدکم ؟ قال : " على رسلک " ، ثم جلس مستندا إلى الحائط ، ثم قال : " توق شطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، وأفنیه المساجد ، وقارعه الطریق ، وتوار خلف جدار ، وشل ثوبک ، ولا تستقبل القبله ولا تستدبرها ، وضع حیث شئت " فأعجبنی ما سمعت من الصبی فقلت له : ما اسمک ؟ فقال : " أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب " فقلت له : یا غلام ممن المعصیه ؟ فقال : " إن السیئات لا تخلو من إحدى ثلاث : إما أن تکون من الله ولیست من العبد ، فلا ینبغی للرب أن یعذب العبد على ما لا یرتکب ، وإما أن تکون منه ومن العبد – ولیست کذلک – فلا ینبغی للشریک القوی أن یظلم الشریک الضعیف ، وإما أن تکون من العبد – وهی منه – فإن عفا فکرمه وجوده ، وإن عاقب فبذنب العبد وجریرته " . قال أبو حنیفه : فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله واستغنیت بما سمعت .
ــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الإرشاد : ۲۹۶ . ( * )
وروى ابن شهرآشوب فی المناقب نحوه إلا أنه قال : " یتوارى خلف الجدار ویتوقى أعین الجار " ، وقال : فلما سمعت هذا القول منه نبل فی عینی ، وعظم فی قلبی . وقال فی آخر الحدیث : فقلت : { ذُرِّیَّهً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍُ } ( ۱ ) . ( ۲ )
5 – روى أبو الفرج الأصفهانی : حدثنا یحیى بن الحسن قال : کان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما یکره بعث إلیه بصره دنانیر . وکانت صراره ما بین الثلاثمائه وإلى المائتین دینار ، فکانت صرار موسى مثلا . وقال : إن رجلا من آل عمر بن الخطاب کان یشتم علی بن أبی طالب إذا رأى موسى بن جعفر ، ویؤذیه إذا لقیه ، فقال له بعض موالیه وشیعته : دعنا نقتله ، فقال : " لا " ثم مضى راکبا حتى قصده فی مزرعه له فتواطأها بحماره ، فصاح : لا تدس زرعنا . فلم یصغ إلیه وأقبل حتى نزل عنده ، فجلس معه وجعل یضاحکه ، وقال له : " کم غرمت على زرعک هذا " ؟ قال : مائه درهم . قال : " کم ترجو أن تربح " ؟ قال : لا أدری . قال : " إنما سألتک کم ترجو " . قال : مائه أخرى . قال : فأخرج ثلاثمائه دینار فوهبه له ، فقام فقبل رأسه ، فلما دخل المسجد بعد ذلک وثب العمری فسلم علیه وجعل یقول : الله أعلم حیث یجعل رسالته . وکان بعد ذلک کلما دخل موسى خرج وسلم علیه ویقوم له ، فقال موسى لجلسائه الذین طلبوا قتله : " أیما کان خیرا ما أردتم أو ما أردت " ( 3 ) .
ـــــــــــــــــــ
( ۱ ) آل عمران : ۳۴ .
( ۲ ) تحف العقول ۳۰۳ ، المناقب لابن شهرآشوب ۴ : ۳۱۴ .
( ۳ ) مقاتل الطالبیین : ۴۹۹ – ۵۰۰ ، تاریخ بغداد ۲۸ . ( * )
6 – حکی أن الرشید سأله یوما : کیف قلتم : نحن ذریه رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) وأنتم بنو علی ، وإنما ینسب الرجل إلى جده لأبیه دون جده لأمه ؟ فقال الکاظم ( علیه السلام ) : " أعوذ بالله من الشیطان الرجیم { بسم الله الرحمن الرحیم . . . وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ * وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى وَإِلْیَاسَ . . . } ولیس لعیسى أب إنما ألحق بذریه الأنبیاء من قبل أمه ، وکذلک ألحقنا بذریه النبی من قبل أمنا فاطمه الزهراء ، وزیاده أخرى یا أمیر المؤمنین : قال الله عز وجل : { فَمَنْ حَآجَّکَ فِیهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءکُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءکُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ . . . } ولم یدع ( صلى الله علیه وآله ) عند مباهله النصارى غیر علی وفاطمه والحسن والحسین وهما الأبناء " ( 1 ) .
7 – أما علمه والحدیث عنه فقد روى عنه العلماء فی فنون العلم ما ملأ الکتب ، وکان یعرف بین الرواه بالعالم . وقد روى الناس عنه فأکثروا ، وکان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لکتاب الله ( ۲ ) .
وفاته : وقد اتفقت کلمه المؤرخین على أن هارون الرشید قام باعتقال الإمام الکاظم ( علیه السلام ) وإیداعه السجن لسنین طویله مع تأکیده على سجانیه بالتشدید والتضییق علیه .
قال ابن کثیر : فلما طال سجن الإمام الکاظم ( علیه السلام ) کتب إلى الرشید : " أما بعد یا أمیر المؤمنین إنه لم ینقض عنی یوم من البلاء إلا انقضى عنک یوم من الرخاء ، حتى یفضی بنا ذلک إلى یوم یخسر فیه المبطلون " ( 3 ) .
ـــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الفصول المهمه : ۲۳۸ ، والآیتان من سورتی الأنعام ۸۴ ، وآل عمران ۶۱ .
( ۲ ) المفید ، الإرشاد : ۲۹۸ ، ولاحظ جوانب من حکمه ووصایاه فی الکافی ۱ : ۱۳ – ۲۰ ، تحف العقول : ۲۸۳ .
( ۳ ) البدایه والنهایه ۱۰ : ۱۸۳ . ( * )
ولم یزل ذلک الأمر بالإمام ( علیه السلام ) ، ینقل من سجن إلى سجن حتى انتهى به الأمرإلى سجن السندی بن شاهک ( ۱ ) ، وکان فاجرا فاسقا ، لا یتورع عن أی شئ تملقا ومداهنه للسلطان ، فغالى فی سجن الإمام ( علیه السلام ) وزاد فی تقییده حتى جاء أمر الرشید بدس السم للکاظم ( علیه السلام ) ، فأسرع السندی إلى إنفاذ هذا الأمر العظیم ، واستشهد الإمام ( علیه السلام ) بعد طول سجن ومعاناه فی عام ۱۸۳ ه .
ولما کان الرشید یخشى رده فعل المسلمین عند انتشار خبر استشهاد الإمام ( علیه السلام ) ، لذا عمد إلى حیله ماکره للتنصل من تبعه هذا الأمر الجلل ، فقد ذکر أبو الفرج الأصفهانی وغیره ( ۲ ) : أن الإمام الکاظم لما توفی مسموما أدخل علیه الفقهاء ووجوه أهل بغداد ، وفیهم الهیثم بن عدی وغیره لیشهدوا على أنه مات حتف أنفه دون فعل من الرشید وجلاوزته ، ولما شهدوا على ذلک أخرج بجثمانه الطاهر ووضع على الجسر ببغداد ونودی بوفاته .
ودفن فی بغداد فی الجانب الغربی فی المقبره المعروفه بمقابر قریش المشهوره فی أیامنا هذه بالکاظمیه .
فالسلام علیه یوم ولد ویوم استشهد سجینا مظلوما مسموما ، ویوم یبعث حیا .
ــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) قال أبو الفرج الأصفهانی فی مقاتل الطالبیین : ۵۰۲ : لما اعتقل الرشید الإمام الکاظم ( علیه السلام ) أمر بإرساله إلى البصره لیسجن عند عیسى بن جعفر المنصور ، وکان على البصره حینئذ ، فحبس عنده سنه ، ثم کتب إلى الرشید : أن خذه منی وسلمه إلى من شئت ، وإلا خلیت سبیله ، فقد اجتهدت أن آخذ علیه حجه فما أقدر على ذلک ، حتى أنی لأتسمع علیه إذا دعا لعله یدعو علی أو علیک ، فما أسمعه یدعو إلا لنفسه ، یسأل الله الرحمه والمغفره . فوجه الرشید من تسلمه ، وحبسه عند الفضل بن الربیع فی بغداد ، فبقی عنده مده طویله ، ثم کتب إلیه لیسلمه إلى الفضل بن یحیى ، فتسلمه منه ، وطلب منه أن یعمد إلى قتل الإمام کما طلب من عیسى بن جعفر فلم یفعل ، بل عمد إلى إکرام الإمام ( علیه السلام ) والاحتفاء به ، ولما بلغ الرشید ذلک أمر به أن یجلد مائه سوط ، ثم أخذ الإمام منه وسلمه إلى السندی بن شاهک لعنه الله ، وکانت نهایه حیاه الإمام الطاهره على یده الفاجره .
( ۲ ) مقاتل الطالبیین : ۵۰۴ . ( * )