الشیعه والعدل
والاختلاف فی مصدر عدله نابع عن الاختلاف فی مسأله أُخرى وهی مسأله التحسین والتقبیح العقلیین أو الشرعیین، فذهبت الشیعه الاِمامیه إلى أنّ العقل قادر على أن یدرک حسنَ الأفعال وقبحها، ویستقلَّ بالبعث إلى الفعل الحسن، والزجرِ عن الفعل القبیح، کالعدل والظلم فکل إنسان إذا جرّد نفسه عن کل شیء یرى فی صمیم ذاته حسنَ الأول وقبحَ الثانی، ومثله مجازاه الإحسان بالإحسان أو بالسوء، والعمل بالمیثاق ونقضه فیستقلّ بحسن الأولیین وقبح الأخیرین ولأجله قالوا بأنّ التحسین والتقبیح عقلیان لا شرعیان.
ولو حکم الشارع بحسن شیء أو قبحه فقد حکم العقل به قبله، لأنّه رسول باطنی، وحکم الشرع مؤکّد لحکم العقل ولیس حکماً تأسیسیاً.
هذا هو موقف الشیعه فی مسأله التحسین والتقبیح العقلیین وعلى ذلک بنت أُصولاً کلامیه لا تقبل النقاش، وإلیک تلک الأصول:
۱ـ لا جبر ولا تفویض:
طرحت مسأله الجبر والتفویض فی أواسط القرن الأوّل بین المسلمین فصاروا إلى أقوال وأوجدت فجوه سحیقه بین المسلمین ولم تزل آثارها إلى یومنا هذا.
فمن قائل بالجبر وانّه سبحانه هو الخالق لفعل الإنسان والموجد له ولیس للإنسان أیّ دور فی أفعاله وأعماله، وإنّما هو ظرف لظهور إرادته سبحانه فی أعماله وأفعاله.
وإنّما ذهب القائل إلى هذا القول لأجل أنّه فسّر التوحید بالخالقیه بالمعنى الباطل وزعم أنّ معناه سلب الأثر عن العلل والعوامل الطبیعیه، وعند ذاک یتجلّى الإنسان فی مجال الأفعال کالظرف لیس له دور ولا تأثیر فی أفعاله وأعماله.
ولا شک أنّ تفسیر التوحید بالخالقیه بهذا المعنى باطل، لما عرفت من تصریح الذکر الحکیم بدور العلل الطبیعیه فی نمو الأزهار والأشجار ـ مضافاً إلى أنّ القول بالجبر ینافی عدله سبحانه ـ فکیف یکون هو الخالق لعمل الإنسان ولا یکون له دور فیه، لکن هو المسؤول عن العمل؟!
إنّ للقول بالجبر سبباً آخر وهو تفسیر القضاء والقدر ـ الذی لا غبار فی صحتهما ـ بالمعنى السالب للاختیار عن الإنسان، وسیوافیک أنّ القضاء والقدر حقّ ولکنّهما لا یسلبان الاختیار عن الإنسان.
فهذا وذاک صارا سببین لنشوء القول بالجبر بین کثیر من المسلمین حیث صیّرهم مکتوفی الأیدی أمام الحوادث والطوارئ.
فکما أنّ الجبر یخالف عدله سبحانه فکذلک التفویض ینافی توحیده، لأنّ معنى القول بالتفویض کون الإنسان مستقلاً فی فعله وعمله عن اللّه سبحانه، وبذلک یصبح العمل إلهاً ثانیاً لاستغنائه عن اللّه، مضافاً إلى أنّه کیف یمکن الجمع بین فقر الإنسان فی ذاته، وغناه فی فعله عنه مع أنّ الفعل أثر الذات، والفعل متوقّف على ذات الفاعل وهو الواجب مفیض الوجود، فیکون الفعل ـ بالتالی ـ متوقفاً على الواجب؟
والصحیح أنّه لا جبر ولا تفویض بل أمر بین أمرین، ومعناه أنّ الإنسان فی فعله یعتمد على قدرته سبحانه ومواهبه فبذلک یکون للواجب دور فی عمله، وبما أنّه إنسان موجود مختار فی أعمال القدره والسلطنه فی أیّ جانب من جوانب حیاته، یکون هو المسؤول عن عمله لا غیره فالعمل نتاج المواهب الإلهیه وإعمال السلطنه من ناحیه العبد. ولتقریب ذلک المعنى أمثله کثیره مسطوره فی الکتب الکلامیه.
۲ـ التکلیف بما لا یُطاق أمر غیر جائز:
إذا قلنا بأنّه سبحانه عادل لا یجور فلا یصحّ على الحکیم تکلیف العبد فوق قدرته، وقولنا إنّه لا یصحّ للّه سبحانه ذلک النوع من التکلیف لا یعنی تحکیم فکرتنا وإرادتنا على اللّه سبحانه بل معناه إنّا نستکشف من التدبر فی صفاته سبحانه وهو کونه حکیماً لا یعبث، وعادلاً لا یجور، إنّه لا یکلّف إنساناً إلاّ بما فی وسعه وقدرته، قال سبحانه: (لا یُکلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها)[سوره البقره: الآیه ۲۸۶].
۳ـ أفعاله سبحانه معلّله بالأغراض:
اتفقت الشیعه ـ بما أنّه سبحانه حکیم لا یعبث ـ على أنّ أفعاله معلّله بالأغراض، ومعنى ذلک أنّ فعله لا ینفکّ عن الغرض، ولیس الغرض غرضاً للفاعل وإنّما هو غرض لنفس الفعل، وکم فرق بین کون الغرض عائداً إلى الفاعل، وبین کون الفعل غیر خال عن الغرض، ومقتضى الحکمه هو الثانی، أی عدم خلو فعله عن الغرض، ومقتضى غناه وکماله المطلق عدم عود الغرض إلى الفاعل.
وأظنّ أنّ النزاع بین الشیعه وأهل السنّه لفظیّ، فإنّ أهل السنّه ینفون أن یکون له سبحانه غرض فی فعله یستکمل به ذاته والشیعه أیضاً یوافقونهم على ذلک ویقولون بأنّه سبحانه هو فوق الکمال ومن هو بهذه المکانه أسمى من أن یطلب غرضاً یستکمل به.
ولکنّ الشیعه تعتقد أنّ الغرض لا ینحصر بالغرض العائد إلى الفاعل بل هناک قسم آخر یخرج به الفعل عن العبثیه ویضفی علیه وصف الحکمه ویکون غرضه سبحانه عائداً إلى المکلّفین، وهذا ما یتراءى من الذکر الحکیم فی موارد مختلفه ویقول: (سَخَّرَ لَکُمْ ما فی السَّمواتِ وما فی الأرض)[سوره لقمان: الآیه ۲۰].
فإنّ خلق السماوات والأرض لم یکن عبثاً، قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقناکُمْ عَبَثاً وأنَّکُمْ إلَینا لا تُرجَعُونَ)[سوره المؤمنون: الآیه ۱۱۵].
وقال سبحانه: (وما خَلَقْنا السَّمواتِ والأرْضَ وما بَیْنَهُما لاعِبِینَ)[سوره الدخان: الآیه ۳۸].
۴ـ القضاء والقدر لا یسلبان الاختیار:
إنّ القضاء والقدر من المفاهیم الإسلامیه الوارده فی الکتاب والسنّه، قال سبحانه: (ما أصابَ مِنْ مُصِیبَهٍ فی الأرضِ ولا فی أنْفُسِکُمْ إلاّ فی کِتابٍ مِنْ قَبلِ أن نَبْـرأَها إنّ ذلکَ على اللّهِ یَسیرٌ)[سوره الحدید: الآیه ۲۲].
وفی السنّه النبویه وأحادیث العتره الطاهره تصریحات بالقضاء والقدر، وهذا ممّا اتّفق علیه المسلمون وإنّما الکلام فی تفسیرهما.
إنّ الیهود ممّن غالت فی التقدیر حتى جعلته إلهاً ثانیاً إلى حدٍّ لیس للّه سبحانه تغییر قضائه وقدره، یقول سبحانه حاکیاً عنهم: (وقالَتِ الیَهودُ یَدُ اللّهِ مَغلولَهٌ غُلَّتْ أَیْدِیهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالوا بَلْ یَداهُ مَبْسُوطَتانِ یُنْفِقُ کَیفَ یَشاءُ …)[سوره المائده: الآیه ۶۴].
فَمن أراد تفسیر القضاء والقدر على نحو یسلبان الاختیار عن الإنسان فقد وقع فی متاهات الجبر فالإیمان بالقضاء والقدر یجب أن یکون بنحوٍ لا یسلب عن الإنسان اختیاره قال سبحانه: (وقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّکُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْیُوَْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْیَکْفُرْ)[سوره الکهف: الآیه ۲۹]. وقال سبحانه: (إنّا هَدَیناهُ السَّبیلَ إمّا شاکِراً وإمّا کَفُوراً)[سوره الإنسان: الآیه ۳].
إنّ تقدیره وقضاءه سبحانه یختلف حسب اختلاف الفاعل، فلو کان الفاعل فاعلاً موجَباً کالنار بالنسبه إلى الحراره، وسقوط الحجر على الأرض فقد قدَّر وقضى بصدور الفعل عن الفاعل عن جبر واضطرار، وأمّا إذا کان الفاعل فاعلاً مختاراً ومسؤولاً أمام اللّه فقد قدَّر وقضى على صدور فعله منه عن إراده واختیار.
فالتقدیر والقضاء عند الشیعه یخالفان الجبر ویؤیدان الاختیار قال سبحانه: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِینَهٍ أو تَرکْتُموها قائِمهً على أُصُولِها فَبإِذنِ اللّهِ وَلِیُخْزِیَ الفاسِقِینَ)[سوره الحشر: الآیه ۵].
۵ ـ تعذیب البریء مخالف لعدله:
اتّفقت الشیعه على أنّه لا یجوز سبحانه أن یعذّب أطفال الکفّار یوم القیامه، وذلک أنّ تعذیبهم بغیر جرم اقترفوه مخالف لعدله وحکمته.
وقد أشرنا أنّ قولنا (لا یجوز) أو (یجوز) لا یعنی تحکیم إرادتنا وفکرتنا على اللّه سبحانه حتى یکون الواجب محکوماً بحکم البشر فإنّ ذلک باطل لا مریه فیه، ولکن المراد هو استکشاف حال الواجب من خلال أوصافه من کونه حکیماً عادلاً فنستکشف من هذین الوصفین أنّه لا یعذّب طفلاً بریئاً سواء أکان طفلاً لمسلم أم لکافر.
۶ـ وجوب المعرفه:
اتّفقت الشیعه على لزوم معرفه اللّه سبحانه لزوماً عقلیاً بمعنى أنّ العقل یحکم بحسن المعرفه وقبح ترکها، لما فی المعرفه من أداء شکر المنعم وهو حسن، وفی ترکها احتمال الوقوع فی الضرر وهو قبیح.
نعم غیر الشیعه لم تلتزم بلزوم معرفه اللّه إلاّ سمعاً ونقلاً، ولکن لم یتبیّن لنا کنه مرادهم فإنّ المفروض أنّ الشریعه بعد لم تثبت فکیف یثبت وجوب المعرفه بحکم الشریعه؟
۷ـ لزوم تکلیف العباد:
إذا کان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث یستقل العقل بالحکم بلزوم إیصال کلّ مکلّف إلى الغایه التی خلق لها، وذلک یتحقق فی مورد الإنسان بالتکلیف.
۸ ـ لزوم بعث الأنبیاء:
إذا کان الإنسان لم یُخلق سُدى بل خلق لغایه، والغایه ممّا لا یدرکها البشر بعقله العادی، ففی ذمّته سبحانه إرسال الرسل لهدایه الناس إلى الغایات المنشوده وإلاّ یلزم أن یکون خلق الإنسان سُدى وعبث.
۹ـ قاعده اللطف:
إنّ قاعده اللطف لها دور فی الکلام الشیعی وتترتّب علیها قواعد وأحکام، وحاصلها أنّه إذا کان الغرض المترتب على التکلیف لا یحصل إلاّ بفعل یقرّب العبد من الطاعه ویبعّده عن المعصیه، کان على اللّه سبحانه القیام بذلک.
وبعباره أُخرى کل ما هو دخیل فی تحقق الرغبه إلى الطاعه والابتعاد عن التمرد والمعصیه فی نفوس الأکثریه الساحقه من البشر یجب على اللّه سبحانه القیام به صوناً للتکلیف عن اللغو یقول سبحانه: (وبَلَوناهُمْ بالحَسَناتِ والسَّیِّئاتِ لَعلَّهُمْ یَرجِعُونَ)[سوره الأعراف: الآیه ۱۶۸]. وقال تعالى: (وما أرْسَلْنا فی قَریَهٍ مِنْ نَبیٍّ إلاّ أخَذْنا أهلَها بالبأْساءِ والضَّرَّاءِ لَعلَّهُمْ یَضَّرَّعُونَ)[سوره الأعراف: الآیه ۹۴].
فإنّ تعلیل ابتلاء الناس بالسراء والضراء لرجاء رجوعهم للطاعه دلیل على أنّ کل ما یکون سبباً للجوء الناس للطاعه کان علیه سبحانه أن یقوم به لأنّه مقتضى حکمته. والعقل یستقلّ بحسن ذلک.
۱۰ـ لزوم النظر فی برهان مدّعی النبوّه:
یجب النظر فی برهان المدعی إذا ادّعى مسأله تمتّ إلى الدین بصله على وجه یعاقب الإنسان لو لم یعتقد بها أو اعتقد بالخلاف.
إنّ للتحسین والتقبیح العقلیین دوراً عظیماً فی المسائل الکلامیه اقتصرنا على هذه النتائج القلیله ومن أراد التفصیل فعلیه مراجعه الکتب الکلامیه المطوّله(۱).
خاتمه المطاف:
وفی خاتمه هذا الفصل أود أن أطرح مسألتین لهما دویّ فی الأوساط العلمیه، والمسألتان هما عباره عن القول بالبداء والتقیه، فقد وقعا غرضاً للنبال وأخذ المخالف یعترض على الشیعه بالقول بهما غافلاً عن أنّ النزاع بین الطائفتین نزاع لفظی ولو وقف المخالف على الحقیقه، لتجاوب معها وإلیک البیان:
البداء عند الشیعه:
البداء فی اللّغه هو الظهور بعد الخفاء، قال سبحانه: (وبَدا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ یَکُونوا یَحْتَسِبونَ * وبَدا لَهُمْ سَیِّئاتُ ما کَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما کانُوا بِهِ یَستَهْزِءُونَ)[سوره الزمر: الآیه ۴۷ ـ ۴۸].
والبداء بهذا المعنى، لا یطلق على اللّه تعالى بتاتاً، لاستلزامه حدوث علمه بعد جهله بالشیء، تعالى عمّـا یقول الظالمون.
وهذا هو الذی ینسبه متکلمو السنّه إلى الشیعه، وهم براء من تلک النسبه وإنّما أرادوا منه المعنى الثانی الآتی.
و هو أنّ تقدیره سبحانه للحوادث على قسمین:
أ ـ تقدیر قطعی وقضاء مبرم.
ب ـ تقدیر معلّق وقضاء غیر منجّز.
فأمّا القسم الأوّل: فلا یتسرّب إلیه البداء لافتراض کونه تقدیراً حتمیاً وقضاءً مبرماً، وإنّما یتسرّب البداء إلى القسم الثانی وهو القضاء المعلق فهو یتغیّر إمّا بالأعمال الصالحه أو الطالحه قال سبحانه: (إنّ اللّه لا یُغیِّرُ ما بِقَومٍ حتّى یُغَیِّروا ما بِأَنْفُسِهمْ)[سوره الرعد: الآیه ۱۱].
وقال سبحانه: (وَلَوْ أنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقوا لَفَتَحْنا عَلَیهِمْ بَرکاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرضِ ولکنْ کَذَّبُوا فأخْذناهُمْ بِما کانُوا یَکسِبُونَ)[سوره الأعراف: ۹۶].
وقال تعالى: حاکیاً عن شیخ الأنبیاء نوح (علیه السلام): (فَقُلْتُ اسْتغفِروا رَبَّکُمْ إنَّهُ کانَ غفَّاراً * یُرسِلِ السَّماءَ عَلَیکُمْ مِدراراً * ویُمْدِدْکُمْ بِأموالٍ وَبَنینَ ویَجْعَلْ لَکُمْ جَنّاتٍ ویَجْعَلْ لَکُمْ أنهاراً)[سوره نوح: الآیه ۱۰ ـ ۱۲].
فالبداء بهذا المعنى ممّا اتفق علیه المسلمون قاطبه کما اتفقوا على عدم صحه البداء بالمعنى الأول، وأمّا استعمال البداء (بدا للّه) فی هذا المقام مع أنّه بداء لنا من اللّه فهو أشبه بالمجاز وقد استعمل النبیّ (صلّى اللّه علیه وآله) فی حدیث الأقرع والأبرص والأعمى تلک اللفظه، وقال: وبدا للّه عزّ وجلّ أن یبتلیهم(۲) وعلى کلّ تقدیر فلیس النزاع فی اللفظ والتسمیه بل مورده هو المسمى والمقصود.
ولو أنّ علماء السنّه وقفوا على ما هو المقصود من القول بالبداء للّه لما اعترضوا على الشیعه الإمامیه. وکم من مسائل خلافیه لو طرحت فی جوٍّ هادىَ یسوده روح البحث العلمی بعیدٍ عن التعصب لزالت حواجز الاختلاف ولتقاربت وجهات نظر الطائفتین.
التقیه عند الشیعه:
التقیه من المفاهیم القرآنیه التی وردت فی أکثر من موضع فی القرآن الکریم، والغایه منها هی صیانه النفس والعرض والمال، وذلک فی البیئات التی صودرت فیها الحریات فی القول والعمل، والرأی والعقیده، فلا ینجو المخالف إلاّ بالصمت والسکوت، مرغماً أو بالتظاهر بما یوافق هوى السلطه وأفکارها.
إنّ التقیه سلاح الضعیف وکهف الخائف أمام القوی الغاشم، سلاح من یبتلى بمن لا یحترم دمه وعرضه وماله، لا لشیء إلاّ لأنّه لا یتفق معه فی بعض الأفکار والمبادئ.
وهذا شیء یستسیغه العقل کما ورد فی الشرع، قال سبحانه: (مَنْ کَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إیمانِهِ إلاّ مَنْ أُکْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإیمانِ)[سوره النحل: الآیه ۱۰۶].
وقال سبحانه: (لا یَتَّخِذِ المُؤمِنونَ الکافِرینَ أولِیاءَ مِنْ دُونِ المؤَمِنینَ وَمَنْ یَفْعَلْ ذلکَ فَلَیسَ مِنَ اللّهِ فِی شَیءٍ إلاّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاهً)[سوره آل عمران: الآیه ۲۸].
ولا تختصّ بتقیه المسلم من المشرک والکافر بل تعمّ تقیه المسلم من المسلم الجائر أیضاً.
قال الرازی: إنّ مذهب الشافعی: إنّ الحاله بین المسلمین إذا شاکلت الحاله بین المسلمین والکافرین حلّت التقیه محاماه عن النفس، وقال: التقیه جائزه لصون النفس، وهل هی جائزه لصون المال؟ یحتمل أن یحکم فیها بالجواز لقوله (صلّى اللّه علیه وآله): حرمه مال المسلم کحرمه دمه، وقوله (صلّى اللّه علیه وآله): من قتل دون ماله فهو شهید(۳).
وقال جمال الدین القاسمی: وزاد الحق غموضاً وخفاءً، أمران: خوف العارفین ـ مع قلتهم ـ من علماء السوء وسلاطین الجور وشیاطین الخلق مع جواز التقیه عند ذلک بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، وما برح المحق عدوّاً لأکثر الخلق، وقد صحّ عن أبی هریره أنّه قال فی ذلک العصر الأوّل: حفظت من رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) وعاءین، أمّا أحدهما فبثثته فی الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم(۴).
ولیعلم أنّ التقیه إنّما تتصور فی القضایا الشخصیه أی تقیه شخص من شخص آخر فی بیئته. وأمّا التقیه العامه بأن تصور العقائد أو الأحکام فی الکتب الفقهیه بشکل یوافق عقائد الموافق وفقهه فهذا لیس بصحیح.
فالشیعه لم تتّق ولن تتّق فی محاضراتها وکتبها ومنشوراتها قدر شعره، فمن یتهم الشیعه بالتقیه فی کتمان عقائدها وتحریر فقهها، فقد خبط خبطه عشواء لما عرفت من أنّ التقیه ترجع إلى القضایا الشخصیه. وأین هم من الباطنیّه الذین یخفون کتبهم حتّى عن معتنقیهم، والشیعه الإمامیه لم تزل مجهره بعقائدها بشتى الطرق وأسالیبها.
أضف إلى ذلک أنّ الشیعه قامت لهم دول مختلفه فی فترات کثیره من التاریخ منذ ألف سنه فلماذا تتقی فی تحریر عقائدها ونشر أفکارها وبثِّ فقهها؟!
الهامش
ــــــــــــــــــــــــــ
۱- راجع الإلهیات: ج ۱ ص۲۵۷ ـ ص ۲۶۲ بقلم المؤلف.
۲- صحیح البخاری: ج ۴ ص ۱۷۱٫
۳- مفاتیح الغیب للرازی: ج ۸ ص ۱۳٫
۴- محاسن التأویل: جمال الدین القاسمی ج ۴ ص ۸۲٫