الفتنه الغربیه والشرقیه على المسلمین
والمعنى الخاص: الأحداث والأوضاع التی تؤدی إلى افتتان المسلمین عن دینهم . وهذا المعنى هو المقصود بالفتن التی أنذر منها النبی (صلى الله علیه وآله) .
وقد روى الصحابه والتابعون على اختلاف مذاهبهم أحادیث عدیده حذَّر فیها النبی (صلى الله علیه وآله) من الفتن من بعده ، وکان الصحابی الجلیل حذیفه بن الیمان رضی الله عنه معروفاً بین الصحابه بأنه خبیر بأحادیث الفتن، لأنه کان یهتم بسؤال النبی (صلى الله علیه وآله) عنها ویحفظ ما یقوله . ولذا نجد کثیراً من أحادیث الفتن فی المصادر مسنداً إلى حذیفه عن النبی (صلى الله علیه وآله) أو عن أمیر المؤمنین (علیه السلام) حیث کان حذیفه من خاصه أصحابه أیضاً ، وکان رحمه الله یقول: ( ما من صاحب فتنه یبلغون ثلاث مئه إنسان إلا لو شئت أن أسمیه باسمه واسم أبیه ومسکنه إلى یوم القیامه . کل ذلک مما علمنیه رسول الله (صلى الله علیه وآله) ) .
وکان یقول: ( لو حدثتکم بکل ما أعلم ما رقبتم بی اللیل! )
أی لقتلتمونی فوراً وما انتظرتم بی إلى اللیل . (مخطوطه ابن حماد ص۱- ۲) ، وهذا یدل على أن الأمه بعد وفاه النبی (صلى الله علیه وآله) قد دخلت فی الفتنه .
وقد بلغ من اهتمام المسلمین بأخبار الفتن أنها غلبت عند بعضهم أحیاناً على أخبار المهدی (علیه السلام) وظهوره ، لأن النبی (صلى الله علیه وآله) أخبر أن الأمه لاتخرج من الفتنه إلا على یده ، فعقد لها أصحاب الموسوعات الحدیثیه أبواباً وفصولاً بعنوان(الفتن أو الملاحم والفتن) أی الأحداث والمعارک المهمه التی أخبر النبی (صلى الله علیه وآله) بوقوعها .
کما ألف عدد من الرواه والعلماء مؤلفات خاصه باسم الفتن ، والملاحم ، وما شابه ، جمعوا فیها الأحادیث الوارده فیها .
وتتفاوت الأحادیث فی تعداد الفتن التی حذرا النبی (صلى الله علیه وآله) الأمه منها ، فیذکر بعضها أن عددها خمس فتن ، ویذکر بعضها أنها أربع أو ست أو سبع وأکثر، ولعل السبب فی اختلاف الرواه أو الروایات فی عددها أن النبی (صلى الله علیه وآله) کان فی بعض المقامات یعدد الفتن الداخلیه ویصفها ، وفی بعضها یعدد الفتن الخارجیه ویصفها ، أویذکر الفتن بحسب أنواعها وتأثیرها على المسلمین .
والذی یهمنا هنا لیس البحث فی تعدادها وبدایتها وتطبیقها على تاریخ المسلمین ، بل معرفه الفتنه الأخیره منها ، التی یتفق الجمیع على أنها تنجلی بظهور المهدی (علیه السلام) ، والتی تنطبق أوصافها وأحداثها الوارده فی الأحادیث الشریفه على الفتنه الغربیه التی عظم بلاؤها واشتدت وطأتها على شعوب الأمه فی مطلع هذا القرن ، حیث غزانا الغربیون فی عقر دیارنا ، وسیطروا علىمقدراتنا وشؤوننا ، وشارکهم الشرقیون فغزوا قسماً من بلادنا ، وأزالوا منها معالم الإسلام ، وضموها إلى دولتهم .
وهذه نماذج من الأحادیث الشریفه .
عن النبی (صلى الله علیه وآله) قال: ( لتأتین على أمتی أربع فتن: الأولى تستحل فیها الدماء . والثانیه تستحل فیها الدماء والأموال . والثالثه تستحل فیها الدماء والأموال والفروج . والرابعه صماء عمیاء مطبقه ، تمور مور السفینه فی البحر ، حتى لایجد أحد من الناس ملجأ . تطیر بالشام ، وتغشى العراق ، وتخبط الجزیره بیدها ورجلها . یعرک الأنام فیها البلاء عرک الأدیم ، لا یستطیع أحد أن یقول فیها مه مه ! لا ترفعونها من ناحیه إلا انفتقت من ناحیه أخرى) . (الملاحم والفتن ص۱۷ ).
وفی روایه: ( إذا ثارت فتنه فلسطین تردد فی الشام تردد الماء فی القربه ، ثم تنجلی حین تنجلی وأنتم قلیل نادمون ) . (ابن حماد ص۶۳) وسیأتی ذلک فی دور الیهود فی عصر الظهور .
وفی روایه: ( تطیف بالشام ، وتغشى العراق ، وتعرک الجزیره ) (ابن حماد: ص۹)
وفی روایه أخرى: ( ثم تکون فتنه کلما قیل انقطعت تمادت ، حتى لایبقى بیت إلا دخلته ولا مسلم إلا صکته ، حتى یخرج رجل من أهل بیتی). (ابن حماد: ص۱۰)
ونلاحظ فی هذا الحدیث الشریف والأحادیث الکثیره المشابهه عده صفات لهذه الفتنه ، التی هی الأخیره بحسب کل الروایات:
أولاً: أن أخبارها بلغت حد التواتر الإجمالی فی مصادر الشیعه أو السنه ، بمعنى أنه قد رواها رواه عدیدون بالمعنى وإن اختلفت ألفاظ روایاتهم ، بحیث یحصل العلم للمتأمل أن مضمون هذه الأخبار قد صدر عن النبی (صلى الله علیه وآله) وأهل بیته (علیهم السلام) .
ثانیاً: أنها فتنه عامه تشمل کل أمور المسلمین الأمنیه والثقافیه والإقتصادیه حیث تستحل فیها المحارم کلها کما فی حدیث آخر أیضاً ، فهی (صماء عمیاء) أی لا تسمع حتى تدفع بالکلام ، ولا ترى فتمیز بین أحد وآخر ، بل تشمل الجمیع وتطبق علیهم ، وتدخل کل بیت وتصک بضربتها شخصیه کل مسلم ، وتموج بمجتمع المسلمین موجاً شدیداً کمور السفینه فی البحر المضطرب ، ولا یجد أحد ملجأ من خطرها على دینه ودین أسرته ، ولا ملجأ من ظلم الحکام ومن وراءهم .
ثالثاً: أن شرها وبدایه موجها یترکز على بلاد الشام (تطیر بالشام) أی تبدأ من بلاد الشام ، التی سموها بلد الإشعاع وزرعوا فیها إسرائیل ، وفی روایه (تطیف بالشام) أی تحیط ببلاد الشام ، ثم تمتد إلى بقیه بلاد المسلمین .
بل أطلقت إحدى الروایات الشریفه علیها اسم (فتنه فلسطین) التی یترکز موجها على أهل بلاد الشام أکثر من غیرهم .
رابعاً: أن هذه الفتنه تتمادى زمناً طویلاً ولاینفع معها أنصاف الحلول ، لأنها فتنه حضاریه أعمق من حلول الترقیع والصلح ، ولأن موج المقاومه فی الأمه وموج عداوه العدو یفتق الحلول من ناحیه أخرى: ( لاترقعونها من ناحیه إلا انفتقت من ناحیه أخرى) وفی روایه: (لاترتقونها من جانب إلا انفتقت أو جاشت من جانب آخر) والمعنى واحد ، لأن حلها یکون فقط بحرکه التمهید للمهدی (علیه السلام) فی الأمه ، ثم بظهوره المبارک أرواحنا فداه .
وقد صرحت العدید من روایاتها بأنها متصله بظهور المهدی (علیه السلام) وأنها آخر الفتن ، وبعض روایاتها وإن وردت مطلقه لم یصرح فیها بأنها الفتنه التی قبل ظهور المهدی (علیه السلام) ، ولکنها ذکرت أنها الفتنه الأخیره ، ووصفتها بنفس الصفات . فتکون هی المقصوده لا محاله ، حملاً للمطلق على المقید .
هذه الصفات الأساسیه فی هذه الفتنه ، وصفات أخرى وردت فی أحادیث أخرى ، لایمکن تطبیقها على أی فتنه داخلیه أو خارجیه تعرضت لها الأمه من صدر الإسلام إلى عصرنا هذا ، سوى الفتنه الغربیه . فهی لاتنطبق على الفتن الداخلیه فی صدر الإسلام وبعده ، ولا على فتنه الغزو المغولی ، ولا على فتنه الغزو الصلیبی فی مراحل حملاته التاریخیه التی بدأت قبل نحو تسع مئه سنه ، وکانت فی مد وجزر متباعدین .
وإنما تنطبق فقط على مرحلته الأخیره حیث تمکن الغربیون من غزو الأمه غزواً کاملاً ، ودخلت جیوشهم کل بلادها وأسقطوها صریعه فی فتنتهم ، وزرعوا فی قلبها قاعده حلفائهم الیهود .
عن النبی (صلى الله علیه وآله) قال: (والذی نفسی بیده لیلین أمتی قوم ، إذا تکلموا قتلوهم ، وإن سکتوا استباحوهم . لیستأثرن بفیئهم ، ولیطأن حرماتهم ، ولیسفکن دماءهم ، ولیملأن قلوبهم دغلاً ورعباً ، فلا تراهم إلا وجلین خائفین مرعوبین .
عندها یجئ قوم من المشرق وقوم من المغرب یلون أمتی ، فالویل لضعفاء أمتی منهم ، والویل لهم من الله ، لا یرحمون صغیراً ، ولا یوقرون کبیراً ، ولا یتجافون من شئ . جثثهم جثث الآدمیین ، وقلوبهم قلوب الشیاطین). (بشاره الإسلام ص۲۵)
وهذا الحدیث الشریف یکشف عن الترابط بین الظلم الداخلی والإستعمار الخارجی ، ویجعل السبب فی سیطره الکفار الشرقیین والغربیین على الأمه جور حکامها وظلمهم لشعوبهم المسلمه ، وإرهابهم وخنقهم لحریاتهم ، لأن ذلک یجعل الناس ناقمین على حکامهم مشغولین بمصیبتهم بهم عن دفع العدو الخارجی ، فیستغل العدو ذلک ویغزو بلادهم بحجه إنقاذهم من ظلم الحکام ، کما فعل نابلیون فی غزوه لمصر ! فقد وجه رساله إلى المصریین عندما اقتربت سفنه من الساحل المصری یمدح فیها الإسلام ویظهر حبه له ! وأنه إنما جاء لینقذ المصریین من ظلم الممالیک !
ثم واصل سیاسته هذه بعد احتلاله مصر ، حتى أنه لبس الزی المصری وأعلن إسلامه ، واحتفل بعید المولد النبوی !
ثم استعملت بریطانیا وفرنسا وأمریکا وروسیا أسالیب مشابهه ، مدعیه أنها جاءت لتحریر شعوب المسلمین ، وما زالت تستعملها لإدامه سیطرتها على بلاد المسلمین ومقدراتهم .
وعن النبی (صلى الله علیه وآله) قال: ( لایزال بکم الأمر حتى یولد فی الفتنه والجور من لایعرف غیرها، حتى تملأ الأرض جوراً فلا یقدر أحد یقول: الله . ثم یبعث الله عز وجل رجلاً منی ومن عترتی فیملأ الأرض عدلاً کما ملأها من کان قبله جوراً). (البحار:۵۱/ ۶۸ ).
وهذا الحدیث الشریف یدل على أن الفتنه الأخیره تستمر أجیالاً حتى یولد فیها الجیل من أبناء المسلمین لایعرف فکراً غیر فکر الإنحراف عن الدین ، ولاسیاسه غیر سیاسه الظلم والجور . وهو تعبیر دقیق عن الأجواء الثقافه المسیطره ، التی ینشأ الطفل المسلم فی ظلها وهو لایعرف شیئاً عن أجواء الإسلام وثقافته وعدله ، إلا من هیأ الله تعالى له أسباب الهدایه والعصمه .
ومعنى قوله (صلى الله علیه وآله) : (حتى تملأ الأرض جوراً فلا یقدر أحد یقول: الله) أن قوانین الظلم والجور وسیاسات الظالمین الجائرین تشمل کل مرافق الحیاه ومناطقها.
حتى لایقدر أحد أن یقول: نحن مسلمون ربنا الله تعالى ، وهو یأمرنا برفض الظلم والجور .
وعن أمیر المؤمنین (علیه السلام) قال: (إن دوله أهل بیت نبیکم فی آخر الزمان، ولها إمارات فإذا استثارت علیکم الروم والترک ، وجهزت الجیوش . ویتخالف الترک والروم ، وتکثر الحروب فی الأرض). (البحار:۵۲/۲۰۸ ).
وکلامه (علیه السلام) واضح فی أن فتنه الروم والترک وتحرکهم لغزو بلادنا من أمارات ظهور المهدی (علیه السلام) . وتعبیر (استثارت) تعبیر دقیق ، أی تحرکت ذاتیاً على بلادنا الإسلامیه من أجل التسلط علیها واستثمارها .
وکذلک تعبیر (ویتحالف الترک والروم) وذلک فی صراعهم على تقاسم النفوذ والسیطره بعد أن کانوا متخالفین ولکنهم متفقون فی عدائهم لنا .
(وتکثر الحروب فی الأرض) کما نرى أنه لا تخلو قاره من حرب أو أکثر ، ولا تهدأ حرب حتى تنفتح حرب أخرى أو أکثر ، کل ذلک بسبب استثاره الروم، والیهود وراءهم یشعلون فتیل الحروب کلما استطاعوا.
وعن النبی (صلى الله علیه وآله) قال: ( ینزل بأمتی فی آخر الزمان بلاء شدید من سلطانهم لم یسمع بلاء أشد منه ، حتى تضیق بهم الأرض الرحبه ، وحتى تملأ الأرض جوراً وظلماً حتى لایجد المؤمن ملجأ یلجأ إلیه من الظلم . حتى یبعث الله عز وجل رجلاً من عترتی یملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، کما ملئت ظلماً وجوراً . یرضى عنه ساکن السماء وساکن الأرض. لا تدخر الأرض من بذرها شیئاً إلا أخرجته ، ولا السماء من قطرها إلا صبته علیهم مدراراً ). ( بشاره الإسلام ص ۲۸ ) .
وعن حذیفه بن الیمان عن النبی (صلى الله علیه وآله) قال: ( ویح هذه الأمه من ملوک جبابره کیف یقتلون ویطردون المسلمین إلا من أظهر طاعتهم ! فالمؤمن التقی یصانعهم بلسانه ویفر منهم بقلبه . فإذا أراد الله تبارک وتعالى أن یعید الإسلام عزیزاً قصم ظهر کل جبار عنید ، وهو القادر على ما یشاء ، وأصلح الأمه بعد فسادها .
یا حذیفه لو لم یبق من الدنیا إلا یوم واحد لطول الله ذلک الیوم حتى یملک رجل من أهل بیتی ، یظهر الإسلام ، والله لایخلف وعده وهو على کل شئ قدیر).( بشاره الإسلام ص ۲۹).
وعنه (صلى الله علیه وآله) قال: ( یوشک أن تداعى علیکم الأمم ، تداعی الأکله على قصعتها . وأنتم کثیر ولکنکم غثاء کغثاء السیل . ولینزعن الله من صدور عدوکم المهابه منکم ، ولیقذفن فی قلوبکم الوهن، من حب الدنیا وکراهیه الموت). (الملاحم والفتن ص۱۲۹)
وهی أحادیث واضحه بلیغه علیها نور النبوه ، تصور حاله الأمه مع عدوها المتسلط ، وتبشر بالفرج بظهور المهدی (علیه السلام) .
وعنه (صلى الله علیه وآله) قال: (یستخدم المشرکون المسلمین ویبیعونهم فی الأمصار، ولا یتحاشى لذلک بر ولا فاجر. ولا یزال ذلک البلاء على أهل ذلک الزمان، حتى إذا یئسوا وقنطوا وأساؤوا الظن أن لایفرج عنهم ، إذ بعث الله رجلاً من أطایب عترتی وأبرار ذریتی ، عدلاً مبارکاً زکیاً ، لایغادر مثقال ذره ، یعز الله به الدین والقرآن والإسلام وأهله ، ویذل به الشرک وأهله . یکون من الله على حذر ، لا یغتر بقرابه، ولا یضع حجراً على حجر ، ولایقرع أحداً فی ولایته بسوط إلا فی حد . یمحو الله به البدع کلها ، ویمیت الفتن کلها . یفتح الله به باب کل حق ، ویغلق به باب کل باطل . یرد به سبی المسلمین حیث کانوا ) . ( الملاحم والفتن ص ۱۰۸) .
وهو حدیث یصور حاله استضعاف المسلمین المؤلمه ، وبیعهم وشراءهم وسبیهم فی البلاد . وهی حاله لا تقتصر على المسلمین الذین یعملون عند المشرکین خدماً وموظفین محتقرین ، بل تشمل بیع المشرکین لشعوبنا الإسلامیه وشراءها وتهجیرها وسبیها .
ثم یذکر الحدیث الشریف ظهور المهدی المنقذ أرواحنا فداه ، فجأه فی حاله الیأس والإستضعاف .