حرمه المؤمن وکرامته

0

 وکفى للمؤمن عزّاً أن یکون الله جلَّ جلاله العظیم الجبَّار ولیَّه فی تسدیده وتأییده.‏ یقول سبحانه فی محکم التنزیل: (اللّهُ وَلِیُّ الَّذِینَ آمَنُواْ یُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ).‏ وبعد ولایه الله للمؤمن، جعل المؤمنین جمیعاً أولیاء لبعضهم البعض، فهم کالجسد الواحد، قال تعالى:‏ (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیَاء بَعْضٍ یَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنکَرِ وَیُقِیمُونَ الصَّلاَهَ وَیُؤْتُونَ الزَّکَاهَ وَیُطِیعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ). ومن فضله سبحانه، أنْ منَّ على المؤمن، بأن جعل عزَّته من عزَّته عزَّ وجلَّ، ولیس وراء هذه الکرامه کرامه.‏ قال جلَّ جلاله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّهُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِینَ وَلَکِنَّ الْمُنَافِقِینَ لَا یَعْلَمُونَ).‏ وأمر سبحانه بالتواضع بین المؤمنین حباً لهم، فقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَکَ لِمَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ) (سوره الشعراء المبارکه: الآیه: ۲۱۵).‏ الکرامات الخاصه بالمؤمنین:‏ کما أنَّ المؤمن لیس کغیره فی عزَّته وکرامته وحرمته وآخرته، کذلک کانت له مزایا وکرامات یختصّ بها دون غیره من البشر، والمتأمِّل فی شریعه الله تعالى وتفاصیل الأحکام الفقهیه یرى أنَّ للمؤمن أحکاماً تخصُّه فی سائر المجالات، فی الطهاره، والزواج، والدفن، والسلام، والمال، والحدود ،وحرمه المال والنَّفس وقضاء الحاجه، وهذا فضلٌ من الله تعالى.‏ فهو الَّذِی له شأنٌ عند خالقه، وعند أهلِ السَّموات والأرض وتُجلِّله الرَّحمه بمجرَّد أنْ یتعامل مع الآخرین بصفته الإیمانیَّه.‏ رُوی عن أبی عبد الله الصَّادق (علیه السّلام) قولُه: (إنَّ المؤمن لیزهر نورُهُ لأهل السَّماء کما تَزهر نجومُ السَّماءِ لأهل الأرض).‏ وفی نصٍ أنَّهُ (علیه السّلام) سُمع یقول: (لیس لأحدٍ على الله ثوابٌ على عمل، إلاَّ للمؤمنین).‏ وفی فضل المؤمنین یقول (علیه السّلام): (إذا التقى المؤمنان کان بینهما مائهُ رحمه، تسعُ وتسعون لأشدِّهما حبّاً لصاحبه).‏ ویقول (علیه السّلام): (إنَّ المؤمنَیْن لیلتقیان فیتصافحان، فلا یزال الله علیهما مقبلاً بوجهه، والذنوب تتحاتّ عن وجوههما حَتَّى یفترق).‏ فضح المؤمن وأذیَّته یقربِّ من الکفر:‏ من جمله الکرامات المجعوله للمؤمن عدم جواز التجسُّس علیه وأذیَّته، أو فضحه فی خصوصیَّاته الَّتِی لا یُرید لأحدٍ أن یطَّلع علیه، لذلک کان الدخول إلى بیت المؤمن، أو التصرُّف بماله، أو أغراضه، أو الاطِّلاع على حاله بحاجه إلى إذنٍ صریح منه، وإلاَّ حَرُمَ ذلک.‏ قال الله العزیز الحکیم: ( وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا یَغْتَب بَّعْضُکُم بَعْضاً).‏ وفی النصِّ الشریف: (أقرب ما یکون العبد إلى الکُفْر أنْ یکون الرَّجُل مواخیاً للرَّجُل على الدِّین، ثمَّ یحفظ زلاَّته وعثراته لیضعه بها یوماً ما).‏ عن سیِّدنا المصطفى (صلى الله علیه وآله وسلّم) قولُه: (ومَنْ عیَّر مؤمناً بشیءٍ لم یمتْ حَتَّى یرکبه).‏ التبرُّؤ من المؤمن یُؤدِّی إلى الکفر:‏ قضى الله تعالى المحبَّه والولایه بین المؤمنین، وهذا یبقى ویستمر مهما وقع بینهما من سوء تفاهم أو خلاف… وعلى کُلِّ حال لا یجوز لمؤمن أن یتبرَّأ من رباط الأخوَّه الَّذِی جعله الله بینهما.‏ فالمؤمنون أخوهٌ متحابون، أمَّا مَنْ اتَّهم أخاه بالعداوه، نعوذ بالله تعالى، فهذا معرَّضٌ لذهاب إیمانه.‏ یقول الله عزَّ ذکره: (وَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِی الأَرْضِ جَمِیعاً مَّا أَلَّفَتْ بَیْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـکِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَیْنَهُمْ).‏ ویقول سبحانه: (فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).‏ وفی الحدیث الشریف: (ما من مؤمنَیْن إلاَّ وبینهما حجاب، فإنْ قال له: لستَ لی بولی فقد کفر، فإنْ اتَّهمه فقد انماث الإیمانُ فی قلبه، کما ینماث الملحُ فی الماء).‏ وعن أبی عبد الله الصَّادق(علیه السّلام): (لو قال الرَّجُل لأخیه أُفٍّ لک، انقطع ما بینهم، قال: فإذا قال له: أنت عدوّی فقد کفر أحدهم، فإنْ اتَّهمه انماث الإیمانُ فی قلبه، کما ینماث الملح فی الماء).‏ من حقّ المؤمن على أخیه النصیحه والنُّصْره:‏ من الواجب الشرعی نصرهُ المؤمن عند حاجته لذلک، وعنده، لا یجوز خذلانه أو التغاضی على ما هو فیه وترکه یُواجِهُ وحید، کذلک تجب النصیحه، ومَنْ أهمل ذلک، تصدَّى الله تعالى للانتقام منه جزاءً لإهماله أخیه.‏ ورد فی الحدیث الشریف أنَّ النَّبی (صلى الله علیه وآله وسلّم) سأل ربَّه، قال: (یا ربِّ ما حالُ المؤمن عندک؟ قال: یا مُحَمَّد، مَنْ أهان لی ولی، فقد بارزنی بالمحاربه، وأنا أسرع شیءٍ إلى نُصْره أولیائی).‏ عن الإمام الصَّادق (علیه السّلام)، قال: (ما من مؤمن یخذل أخاه وهو یقدر على نصرته إلاَّ خذله الله عزَّ وجلَّ فی الدُّنْیا والآخره).‏ وقال: (أیُّما مؤمن مشى مع أخیه فی حاجه ولم یُناصِحْه، فقد خان الله ورسوله).‏ حرمه المؤمن لا توصف:‏ یشرح الإمام الخمینی علیه الرَّحمه والرِّضوان الحدیث الَّذِی یُصرِّحُ أنَّ المؤمن لا یوصف، وذلک لحرمته وعظمته.‏ (والمؤمن لا یوصف، وإنَّ المؤمن لَیَلْقى أخاه فیُصافحه، فلا یزال الله ینظر إلیهم، والذنوب تتحات عن وجوههم، کما یتحات الورق عن الشجر).‏ فیقول: (المؤمنون لا یعرفون شیئاً عن نوارنیَّه إیمانهم، ما داموا فی الدُّنْیا وعالَمِ الطَّبیعه.‏ إنَّنا ونحن فی هذه الدُّنیا نُقارن آلاء وآلام الآخره مع المحیط الَّذِی نعیش، فنظن أنَّ عطایا الله مثلاَّ کعطایا ملوک الدُّنیا أو أکثر بقلیل… مع أنَّ شیئاً من لذَّات الآخره لا یُقاس بِکُلِّ لذَّات الدُّنْی.‏ ومن هذا الباب لا یُمکن أنْ یُقاس ما ذُکر عن کرامه المؤمن فی هذا الحدیث وفی غیره بأیِّ مقیاس أو میزان…‏ فالعنایه الربَّانیَّه هی الَّتِی تُحکِّمُ الوُدَّ والمحبَّه بین المؤمنین، وتُجدِّد عهد الأُخُوَّه فیه سبحانه وتعالى).‏ انتهى کلامه، رُفع فی الجنَّه مقامه.‏ وفی حرمه المؤمن الَّتِی لا توصف ولا یعرفُ قَدْرها أحدٌ من البشر، ورد فی الحدیث الشریف:‏ (إنَّ لله عزَّ وجلَّ فی الأرض حرماتٍ، حرمه کِتَاب الله، وحرمهَ رسول الله، وحرمهَ أهل البیت، وحرمهَ الکعبه، وحرمهَ المسلم).‏ ‏ ومضات: الحرمه هی الحقّ الواجب المراعاه والتعظیم، وهی التحرُّج عن المخالفه والمجاسره.‏ قال الله جلَّ جلاله: (ذَلِکَ وَمَن یُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَیْرٌ لَّهُ ).‏ نصوص مبارکه تتعلَّق بالموضوع:‏ نظر النَّبِیّ(صلى الله علیه وآله وسلّم) إلى الکعبه فقال:‏ (مرحباً بالبیت، ما أعظمک وأعظم حرمتک على الله، والله للمؤمن أعظم حرمهً منک، لأنَّ الله حرَّم منک واحده، ومن المؤمن ثلاثه: ماله ودمه وأن یُظنَّ به ظنُ السّوء).‏ وعنه أیضاً (صلى الله علیه وآله وسلّم):‏  (ما استفاد امرؤ مسلم فائده بعد فائده الإسلام مثل أخ یستفیده فی الله).‏ (إنَّ المؤمن یُعرف فی السَّماء، کما یَعْرف الرَّجُلُ أهلَه وولده، وإنَّهُ لأکرم على الله عزَّ وجلَّ من مَلَک مقرَّب).‏ (إنَّ الله جَلَّ ثناؤه یقول: وعزَّتی وجلالی ما خلقتُ من خلقی خلقاً أحبَّ إلیَّ مِنْ عبدی المؤمن…).‏ (النَّظر إلى أخٍ تودّه فی الله عزَّ وجلَّ عباده).‏ وعن مولانا الصَّادق (علیه السّلام):‏ (من أتاه أخوه المؤمن فأکرمه فإنَّما أکرم الله عَزَّ وجَلَّ).‏ (من قال لأَخیه مَرحباً کتب الله له مرحباً إلى یوم القِیَامه).‏ (إنَّ المؤمن یخضع له کلّ شیء، ویهابه کلّ شیء، ثمَّ قال: إذا کان مخلصاً لله أخاف الله منه کلّ شیء حَتَّى هوامّ الأرض وسباعها وطیر السَّماء، وحیتان البحر).‏ (المؤمن أعظم حرمه من الکعبه).‏ وعن مولانا الرِّضا (علیه السّلام):‏ (من استفاد أخاً فی الله عزَّ وجلَّ، استفاد بیتاً فی الجنَّه).‏ أکثر التربیه نجاحاً: القدوه الحسنه‏. تربیه نفوس البشر، هی الهدف الأول لبعثه الأنبیاء (علیهم السلام).‏
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.