المصلح المنتظر
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنکُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُم فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا یَعْبُدُونَنِی لَا یُشْرِکُونَ بِی شَیْئًا وَمَن کَفَرَ بَعْدَ ذَلِکَ فَأُوْلَئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [۲] .
رسالات السماء و المصلح المنتظر
اتفقت رسالات السماء اجمع ، على البشاره بالمصلح المنتظر ، الذی یقیم العدل ، و ینسف الجود ، و یطهّر الأرض من فساد ینموها ، و یطبّق أرجاءها ، و یثقل مناکبها بما تکسب أیدی الناس .
اتفقت رسالات السماء أجمع على البشاره بهذا المصلح المنتظر ، حتّى ما حُرّف من هذه الأدیان عن وجهته الصحیحه ، و لعبت به الأهواء و الآراء ، و اتفق معها کثیر من الأدیان الأخرى التی وضعها ابن الأرض و نسبها افتراءً إلى وحی السماء .
اتفقت رسالات السماء على ذلک ، فکلّها تُبَشرّ ، و کلّها تنتظر ، و أکثرها یصف خروج هذا المصلح العظیم ، و یذکر ملامحه ، و یشیر الى سیرته ، و صفات الزمان الذی یخرج فیه .
و ستر الاتفاق بین الأدیان على هذا الأمر ، و التعاقد الکامل بینهما على ذکره و التأکید علیه : أن هذا المصلح المنتظر هو أمل الأدیان الذین یحقّق لها غایتها ، و یتمّ أشواطها ویطبّق مناهجها ، ویقیم عدل الله على جدید الأرض ، فلا میل و لا جور و لا عسف .
و هو أمل الإنسانیه الذی تسمو به عن موارد الهون ، و یأخذ بیدها إلى الخیر الأعلى ، و یجزّ أیدی العابثین بمقدّراتها ، ویدکّ صروح المتحکمین فی شؤونها ، المستهزئین بقیمها و مُثُلها . أمل الإنسانیه و رجاؤها الذی یشدّ قلب الضعیف ، و یطامن من غلواء القوى ، ویهذّب شذوذ المنحرف .
و هو أمل الحیاه الذی یقوّم أودها . ویوحّد أنظمتها ، ویقود سیرتها ، نعم . و لو لا هذا الأمل المرجو أن تبلغه الأدیان وتبلغه الانسانیه و الحیاه فی یوم من الأیام ، لکانت الحیاه نَکَداً من النّکَد ، وشراً مستطیراً من الشر ، و عبءً ثقیلاً على الأحساء ، و ما حیاه شیء یعیش محطّم الأمل ، مقطوع الرجاء ، مجذوذ الغایه؟ .
للأدیان غایه واحده
إن الأدیان التی أنزلتها السماء کافه تهدف إلى غایه واحده ، هی إقامه السدد التام فی هذه الأرض ، العدل فی الفرد ، و العدل فی المجتمع ، والعدل فی الأخلاق ، والعدل فی المعامله ، والعدل فی الحکم .
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَیِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْکِتَابَ وَالْمِیزَانَ لِیَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ … ﴾ [۳] .
هذه الغایه التی من أجلها أرسلت الرّسل ، وأنزلت الکتب ، ووضعت الشرائع والمناهج الموازین: ﴿ … لِیَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ … ﴾ [۴] .
لیقوم الناس کلّهم بالعدل فی کلّ مجالات العدل ، لیقوم الفرد منهم والأمه ، و الرئیس والمرؤوس ، و السائس و المسوس ، بهذه الوظیفه و یرتفعوا إلى هذه القمّه .
لهذا ألأمر أنزلت الأدیان ، وعلى هذا تتابعت ، یقفو بعضها بعضاً ، ویشدّ بعضها أزر بعض ، وعلى هذا ﴿ وَتَمَّتْ کَلِمَتُ رَبِّکَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِکَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ ﴾ [۵] .
فالأدیان ـ کافه ـ تهدف إلى هذه الغایه ، و هی تمدّ أبصارها إلى مؤمّل منتظر یحقّق لها هذا الهدف ، لأنها توقن أنها من وضع الله ( عز و جل ) و تصمیم حکمته ، وغایه الله لابدّ وأن تتحقق فی یوم من الأیام .
الإنسانیه فطرت على التکامل الهدف
وإن الإنسانیه قد فُطرت على التسامی والتکامل فی صفاتها وسماتها ، وقد أعدّت لذلک جمیع قواها ، وأهلّت له جمیع طاقاتها ، فهی تهدف إلى الکمال الأعلى فی کل ناحیه من نواحیها ، وهی تسیر قُدُماً إلى هذا الهدف ما أمکنها السیر ، و ترتفع ما أمکنها الارتفاع .
ولکن العوائق التی نثرتها الأهواء ، والمزالق التی بثّتها الشهوات والشبهات طول الطریق ، هی على تصدّها عن الغایه ، فهی فی کفاح دائم ، وصراع عنیف شدید ، بین ما تقتضیه الفطره وما تصنعه البئه ، و هی تطمح ببصرها إلى مًصلح ینقذها من هذه الاسواء و الأدواء .
وإن الحیاه تحکمها أنظمه رتیبه تسموها ـ إذا هی اتُّبعت ـ إلى خیر ما یمکن ، و توجّه کلّ شیء فیها إلى أفضل ما یستطاع ، بل وإلى خیر ما ینبغی أن یکون .
ولکن الحواجز التی أقامها الإنسان المنحرف فی وجه هذه الظُنن ، و السدود التی وضعها فی سبیلها ، هی التی أعاقت السیر ، و أبعدت الغایه ، و فرقت المسیره ، و ربما قادتها إلى دّرْک سحیق .
فالحیاه تنظر إلى أنظمتها الرتیبه ، والى غایتها الرفیعه ، وإلى انحراف هذا المخلوق الذی أشاع فیها الفوضى وکدّر الصفاء ، وهی تطمح إلى المصلح الذی یزیل الحواجز وینسق السّدود ، ویقود المسیره ، و یحقق بحکمه الإلهیه غایتها العلیا من خلق الحیاه وجعل الأنظمه .
إن رسالات السماء لتؤمل وتنتظر ، وإن الإنسانیه لتؤمل و تنظر ، وإن الحیاه لتؤمل وننتظر ، واذا لم یکن هذا المؤمّل الذی تنتظره الأدیان ، وتنتظره الانسانیه وتنتظره الحیاه من خلفاء محمد ( صلى الله علیه و آله ) رسول الإنسانیه و نبی الحیاه ، فمن یمکن أن یکون؟ .
وإذا لم یکن هو البقیه من أهل البیت الذین اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهیراً ، فمن یمکن أن یکون؟ .
و إذا لم یکن هو البقیه من أولى القربى الذین فرض الله حبّهم ، وأوجب حقّهم ، فمن یمکن أن یکون؟! .
اتفقت الأدیان على البشاره بالمصلح المؤمل ، و لکن الإسلام دین الله الخالد أصرح الأدیان قولاً فی ذلک ، و أکثرها بیاناً و اشدّها تثبیتاً ، لأن المصلح المنتظر اخر خلفائه ، وختام قادته .
و هو أکثرها قولاً وارفعها صوتاً فی ذلک ، لأن الأمر یرتبط بالإمامه إحدى عقائده وأحد أسسه .
و هو أکثرها قولاً وأرفعها صوتاً فی ذلک ، لأن الأمر یرتبط بالإمامه إحدى عقائده واحد أسسه .
وهو أکثرها قولاً وأرفعها صوتاً فی ذلک ، لأن الأمر یرتبط بمستقبل أمنه ومصیرها وثباتها على الحق ورسوخها فی الإیمان .
حدیث الثقلین و المصلح المنتظر
أیّها الأعزه :
یقول الرسول الکریم ( صلى الله علیه و آله ) فی حدیثه المتواتر الذی لا یختلف فیه المسلمون: ( أنی مخلّف فیکم الثقلین کتاب الله و عترتی أهل بیتی ، ما إن تمسّکتم بهما لن تضلّوا بعدی ابداً ، و إنهما لن یفترقا حتى یردا علیّ الحوض ) .
و هذا الحدیث من إراقات النّبوه ، و أنوارها الباهره الخالده ، ما بقی الدهر وما بقی الفکر الصحیح ، وهو ینیر لنا آفاقاً کثیره فی الإمامه والعصمه والحجه الدائمه الباقیه .
إن الرسول ( صلى الله علیه و آله ) فی حدیثه هذا یعرّفنا أنه لابدّ لکتاب الله فی کل زمان من قربن من العتره لا یفارقه ولا ینفصل عنه ، معصوم کعصمه الکتاب ، محفوظ کحفظه ، مصون کصیانته ، لن تضل الأمه ابداً ما إن تمسّکت به ، وسارت على رشده ، ولن تتمسّک بالکتاب إلاّ اذا استمسکت لأنهما لن یفترقا ابداً فی صدر و لا ورد ، و لا مبدأ و لا غایه ، و لا وجهه ولا زمان ، حتى یراد على الرسول الحوض .
و إذن فلا بد للکتاب فی هذا الزمان من قرین من العتره ، معصوم کعصمه الکتاب ، مصون کصیانته لأنهما کما یقول الرسول ( صلى الله علیه و آله ) لن یفترقا حتى یراد علیه الحوض .
فإذا کان الخلفاء المعصومون من عتره الرسول ( صلى الله علیه و آله ) اثنى عشر نقیباً ، و هو الذی أثبته البراهین التی لا تقبل الإرتیاب ) .
. . و إذا کان أمد الخلیفه الحادی عشر منهم ( صلوات الله علیهم ) قد انتهى فی أواسط القرن الثالث للهجره ، فلابد وأن یکون الخلیفه الثانی عشر موجوداً مصوناً ، لا یفارق الکتاب ولا یفارقه الکتاب ، کما یقول جده الرسول الکریم .
وقد شاءت الحکمه أن لا تظهر هذا المصلح الا بعد أن یُکمل الإنسان خبطه ، ویلمس الخطر المحدق به جمیع تجاربه ، وبعد أن یوقن ـ حق الیقین ـ أن تجاربه ومحاولاته لا تثمر له إلاّ خساراً و دماراً .
هنالک ینبثق النور ، وتنجلی الظُلمه ، ویبدو الحق ویزهق الباطل .
﴿ وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّهً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ * وَنُمَکِّنَ لَهُمْ فِی الْأَرْضِ وَنُرِی فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا کَانُوا یَحْذَرُونَ ﴾ [۶] صدق الله العظیم [۷] .
———————-
[۱] القران الکریم : سوره القصص ( ۲۸ ) ، الآیه : ۵ و ۶ ، الصفحه : ۳۸۵ .
[۲] القران الکریم : سوره النور ( ۲۴ ) ، الآیه : ۵۵ ، الصفحه : ۳۵۷ .
[۳] القران الکریم : سوره الحدید ( ۵۷ ) ، الآیه : ۲۵ ، الصفحه : ۵۴۱ .
[۴] القران الکریم : سوره الحدید ( ۵۷ ) ، الآیه : ۲۵ ، الصفحه : ۵۴۱ .
[۵] القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۱۱۵ ، الصفحه : ۱۴۲ .
[۶] القران الکریم : سوره القصص ( ۲۸ ) ، الآیه : ۵ و ۶ ، الصفحه : ۳۸۵ .
[۷] کتاب من أشعه القرآن للعلامه الفقید آیه الله الشیخ محمد أمین زین الدین ( رحمه الله ) تحت عنوان : المصلح المنتظر .