حصار الإنسان المعاصر

0

حصار التکاثر بالأشیاء.. حصار الآله.. حصار النظم الشمولیه.. حصار المادیه.. حصار الإغراء والتفکک والإنحلال.. حصار التلوث البیئی بأصنافه کافه.. حصار القلق والإکتئاب..
وکل واحد من هذه الأنماط یعمل منشاره فی الإنسان المعاصر فیسوقه إلى التعاسه والشقاء.. ویقوده إلى الدمار..
الأمراض النفسیه ازدادت سعاراً.. وقاموسها أصبح ینوء بحالات متکاثره سرطانیاً.. والأوجاع الجسدیه، الموقوته والمزمنه، أصبحت هی القاعده وغیرها الإستثناء.. وإلى عهد قریب کانت حالات ضغط الدم، والحسّاسیه، وإلتهاب القولون، وإنسداد الشرایین، وآلام المفاصل والإنزلاق الغضروفی، وأوجاع القلب والرأس.. والجلطات والذبحات.. وغیرها، وغیرها، حالات محدوده لا تکاد تذکر.. والآن، فإن معظم الناس فی مشارق الأرض ومغاربها یعانون من واحد أو أکثر من هذه الأمراض.
لقد توافرت للإنسان المعاصر کل سبل التیسیر المادی والخدمی، ولکنه لیس بسعید، لأنّه على المستوى النفسی فی دائره الروح یعانی من إهمال منقطع النظیر، حضارته المعاصره تمنح جسده ما یرید، ولکنها لا تکاد تستجیب لمطامحه وأشواقه وخبراته النفسیه والروحیه، إنّ الإنسان المعاصر یعانی من واحده من أبشع حالات التضحّل والتفکیک فی عمقه الإنسان، ومن ثمّ فهو یتعرض بالضروره للضیاع فیما یذکرنا بالمقوله المعروفه: "ماذا لو ربح الإنسان العالم وخسر نفسه؟".
فی کتاب "أریک فروم" "الإنسان بین الجوهر والمظهر" یطرح المؤلف هذا التساؤل الخطیر: نتملّک أم نکون؟ وکأنّه بذلک یختصر المعضله بکلمات قلائل.. فالذی یحدث الآن على مستوى العالم أنّ الحضاره المعاصره تفتح المجال للإنسان على مصراعیه لکی یتملک، لکنها تضیّق الخناق علیه، وتسدّ السبل أمامه إذا حاول "أن یکون".
و"الدین" هو صوت الخلاص، وسبیل التحرّر والفکاک من کابوس الحصار.. "الدین" هو المنهج والصراط للتحقق بالسویه الإنسانیه.. "الدین" هو وحده القادر على تعدیل الوقفه الخاطئه، والعوده بالمعادله البشریه إلى وضعها الطبیعی: أن یصبح هدفنا أوّلاً هو أن نکون.. أمّا التملک فالمفروض أن یأتی تالیاً، خلافاً تماماً لما یحدث الآن فی الخبره الحضاریه المعاصره.
هذا التکاثر المجنون بالأشیاء.. هذا السعی المحموم للإقتناء.. هذا النزوع المادی والإندفاع باتجاه مطالب الجسد.. هذه الآلیه الطاغیه التی تخترق مفاصل الحیاه وشرایینها، وتزداد سعاراً یوماً بعد یوم.. هذا التلوث المخیف الذی یخترق معادلات الأرض، ویملأ سماءها بالدخان والسموم..
وبموازاه ذلک کله، یتعرض الإنسان لأبشع صیغ القسر والإستلاب من خلال النظم التی تتحکم برقابه، فما یزداد إلا تعاسه وشقاءً.. ویوماً بعد یوم یفقد بعده الإنسانی ویضیع..
الحصار یحیط بالإنسان من جهاته الأربع، ویمنعه من أن "یکون".. ومن أجل ذلک یصیر الدین ضروره من الضرورات.. لأنّه مرکب الخلاص الوحید إذا أرید للبشریه ألا تتعرض للغرق.. وللإنسان أن یکون.

Leave A Reply

Your email address will not be published.