التجاره مع الله فی الشهر الفضیل
شهر الرحمه.. تُفتح فیه أبواب الجنه، وتُغلق فیه أبواب النار، وتُصفد فیه الشیاطین. إنه شهر کریم اختصّ الله سبحانه نفسه بالإثابه على صومه، ففی الحدیث القدسی الصحیح: "کل عمل ابن آدم له إلا الصیام فإنه لی وأنا أجز به".
– تجاره رابحه:
والمؤمن الحصیف، الکیّس، الفطن، هو من یفطن إلى الاستفاده القصوى من ثواب الله فی کل زمان ومکان بصفه عامه، وفی شهر رمضان بصفه خاصه، فالمؤمن الفطن دائم التجاره مع الله سبحانه عملاً بقوله جل شأنه: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّکُمْ عَلَى تِجَارَهٍ تُنْجِیکُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِیمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِکُمْ وَأَنْفُسِکُمْ ذَلِکُمْ خَیْرٌ لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * یَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَیُدْخِلْکُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاکِنَ طَیِّبَهً فِی جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِکَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِیبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِینَ) (الصف/ ۱۰-۱۳).
وإن کان ثواب الأعمال فی رمضان لیس کثوابها فی غیره، فحری بکل مؤمن أن یحرص على الأعمال الصالحات، بل وعلى إتقانها حتى یفوز بالثواب العظیم، والأجر الجزیل من صاحب النعم الجواد الکریم، رب العرش العظیم، مالک الملک.
– خطه عمل:
کیف نتاجر مع الله فی هذا الشهر الکریم؟!
ضع لنفسک خطه عمل تتصف بالتدرج فی العبادات، وتتصف بالمرونه أیضاً، بمعنى أن تقود نفسک، ولا تشق علیها وتجهدها فی بدایه الشهر، فتملّ وتتفلت منک فی أوسطه، ولا تطیعک فی آخره، فتخسر خسراناً مبیناً، حیث تحرم الثواب العظیم فی لیله هی خیر من ألف شهر.
ولنتصور سویاً ما تشتمل علیه هذه الخطه:
أولاً: المعرفه
یجب على کل مسلم مکلف بالصیام أن یعرف حقیقه وفرائض الصوم وأحکامه وشروطه:
مشروعیه الصیام: لقد فرض الله عز وجل الصیام على المسلمین کما فرضه على الأمم السابقه، قال تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ کَمَا کُتِبَ عَلَى الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (البقره/ ۱۸۳).
والفرض هو صوم شهر رمضان من کل عام هجری، ویحدد بدایه الشهر برؤیه الهلال، ویحدد یوم الصوم بطلوع الفجر الصادق حتى غروب الشمس.
والصیام فرض على کل مسلم (ذکراً کان أم أنثى) بشرط: أن یکون بالغاً، عاقلاً، قادراً على الصوم (لا یعجزه مرض، أو سفر، أو حیض أو نفاس للمرأه).
فرائض الصوم: النیه، والإمساک عن الطعام والشراب، والجماع، وتعمُّدٍ القَیء.
ما یفطر به الصائم: ما وصل عمداً إلى الجوف والرأس، والحُقْنَه فی أحد السبیلین، والقیء عمداً، والوَطءُ عمداً فی الفَرْج، والإنزال عن مباشره، والحیض، والنِّفاس، والجنون، والرِّده.
ما یستحب للصائم: تعجیل الفِطر، وتأخیر السُّحور، وترک الهُجْرِ من الکلام.
آداب الصیام.. ومنها:
غضّ البصر: فهو برید الزّنا، والنظره سهم مسموم من سهام الشیطان یوجهها لقلب المسلم، لا لعظامه ولا لحمه، ولا لفکره، ولکن لقلبه.
حفظ اللسان عن الفحش، والجفاء، والنمیمه، والجدال، والنفاق وشُغله بذکر الله والطاعات، إنّ اللسان مورد المهلکات کما أخبر بذلک رسول الله (ص) معاذ بن جبل حین سأله: أوَ مؤاخذون بما نتکلم یا رسول الله؟ قال: "ثکلتک أمّک یا معاذ، وهل یکب الناس على مناخرهم یوم القیامه إلا حصائد ألسنتهم".
کفّ السمع عن السماع المحرّم: مثل: الغیبه.. حتى لا یکون مع الذین قال الله فیهم: (سَمَّاعُونَ لِلْکَذِبِ أَکَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائده/ ۴۲)، ولیعرف المسلم أنه مسؤول عن سمعه وبصره وفؤاده، یقول تعالى: (…إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ کُلُّ أُولَئِکَ کَانَ عَنْهُ مَسْئُولا) (الإسراء/ ۳۶).
کفُّ بقیه الحواس والجوارح عن الآثام: بما فی ذلک شهوه البطن التی تدفع المسلم عند الإفطار إلى ملء بطنه، وفی هذا شرّ کبیر له قد یحرمه أجر الصلاه فی جماعه، وقد یحرمه أجر صلاه القیام.
أن یکون قلبه معلّقاً بین الخوف والرجاء فی رحمه الله وقبول الصوم.
ثانیاً: التسلح بالإراده
إن الإراده القویه لا تبنى بالتمنی، ولا بالکلام، وإنما تبنى بالأفعال، والصمود وتحدی الصعاب، ومواجهه المشکلات، فمن یأخذ نفسه بالحزم، ویعمل بجد على إکسابها إراده صلبه قویه، علیه بالدخول الفعلی فی مواجهه معها، وتعویدها الصبر على کبائر الأعمال، وتجنیبها سفاسف الأمور، والصوم یعد من أقوى الأسلحه التی یستعملها المسلم فی تقویه إرادته، حیث التحدی الأکبر لشهوه البطن، والفرج، والتحدی الأکبر لقهر الشیطان بتحمل الجوع والعطش، وتجنب الشهوه والغریزه، وکف الأذى والبطش، والکلام، والنظر.. کل ذلک قربه، وطاعه وعباده لله سبحانه وتعالى.
وسبحان الله الذی أکرم أمه الإسلام بأفضل الصیام وأوسطه، حیث یقوّی الإراده ویُعوِّد المسلم الصبر کما قال رسول الله (ص): "الصوم نصف الصبر والصبر نصف الإیمان".
ثالثاً: العمل الصالح المتواصل
إن العمل الصالح خلال شهر رمضان سواء کان عملاً تتکسب منه رزقک، أو عملاً یدخل فی نطاق المعاملات أو العبادات.. کل ذلک العمل یتطلب من صاحبه الإتقان والتقى، کی یقبل عند الله سبحانه وتعالى.. یقول سبحانه: (…إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ) (المائده/ ۲۷).
ومن صور العمل الصالح فی رمضان:
إطعام الطعام: قال (ص): "من فطر صائماً کان له مثل أجره من غیر أن ینقص من أجر الصائم شیء".
السعی على قضاء مصالح الناس: فالسعی فی مصالح الناس وقضاء حوائجهم أفضل من بعض العبادات.