الإمامه المبکره للإمام المهدی عجل الله فرجه ـ (القسم الثانی)

0

وفی مقام الجواب، نقول: هناک ست نقاط، یشکل ضمُ بعضها إلى البعض الآخر دلیلاً دامغاً على امتلاک الإمام لتلک المؤهلات وأنه کان إماماً ــ بحق ــ وهو فی سن الصبا. والنقاط هی:
 
أولاً: إنّ الإمامه عند الشیعه لیست مرکزاً من مراکز السلطان التی تنتقل بالوراثه من الأب إلى الابن ویدعمها النظام، کإمامه الخلفاء الفاطمیین وخلافه الخلفاء العباسیین، وإنّما کانت تکتسب ولاء قواعدها الشعبیه الواسعه عن طریق التغلغل الروحی والإقناع الفکری لتلک القواعد بجداره هذه الإمام لزعامه الإسلام وقیادته على اُسس روحیه وفکریه.
 
ثانیاً: إنّ هذه القواعد الشعبیه ثبتت منذ صدر الإسلام واتسعت وازدهرت واتسعت على عهد الإمامین الباقر والصادق (علیهما السلام)، وأصبحت المدرسه التی رعاها هذان الإمامان، وفی داخل هذه القواعد تشکل تیار فکری واسع فی العالم الإسلامی یضم المئات من الفقهاء والمتکلمین والمفسرین والعلماء فی مختلف ضروب المعرفه الإسلامیه والبشریه المعروفه وقتئذ، حتى قال الحسن بن علی الوشاء: (أدرکت فی هذا المسجد ـ مسجد الکوفه ـ تسعمائه شیخ، کل یقول حدثنا جعفر بن محمد)(۱).
 
ثالثاً: إنّ الشیعه ـ أیدهم الله ونصرهم ـ من الطوائف الإسلامیه التی تتشدد جداً فی شروط الإمام، فهم یشترطون أن یکون الإمام أکمل أهل زمانه وأعلمهم وأشجعهم…
 
رابعاً: إنّ الاعتقاد بإمامه أهل البیت صلوات الله علیهم لم یکن أمراً سهلاً ویسیراً ولم یکن أمراً سالماً من المشاکل والعذاب والألم. بل الذی کان یعتقد بإمامه أهل البیت کان یدفع ضریبه ضخمه فی ماله ودمه وفی کل ما یتعلق به.
 
خامساً: إنّ الأئمه الذین دانت هذه القواعد لهم بالإمامه لم یکونوا معزولین عنها ولا متقوقعین فی بروج عالیه شأن السلاطین مع شعوبهم، ولم یکونوا یحتجبون عنهم إلاّ أن تحجبهم السلطه الزمنیه بسجن أو نفی.
 
سادساً: إنّ الخلافه المعاصره للأئمه (علیهم السلام) کانت تنظر إلیهم وإلى زعامتهم الروحیه بوصفها مصدر خطر کبیر على کیانها ومقدراتها، وعلى هذا الأساس بذلت کل جهودها فی سبیل تفتیت هذه الزعامه وتحملت فی سبیل ذلک الکثیر من السلبیات وظهرت أحیاناً بمظهر القسوه والطغیان حینما اضطرها إلى تأمین مواقعها إلى ذلک وکانت حملات الاعتقاد والمطارده مستمره للأئمه أنفسهم على الرغم مما یخلف ذلک من شعور بالألم أو الاشمئزاز عند المسلمین وللناس الموالین على اختلاف درجاتهم.(۲)
 
فإذا أخذنا هذه النقاط الست بعین الاعتبار، وهی حقائق تاریخیه لا تقبل الشک، أمکن أن نخرج بنتیجه مهمه حاصلها: أنّ ظاهره الإمامه المبکره کانت ظاهره واقعیه ولم تکن وهماً من الأوهام; لأنّ الإمام الذی یبرز على المسرح وهو صغیر، ویعلن عن نفسه إماماً فکریاً وروحیاً للمسلمین، ویدین له بالولاء کل ذلک التیار الواسع، لابدَّ أن یکون على قدر واضح وملحوظ، بل وکبیر من العلم والمعرفه، وسعه الاُفق، والتمکن من الفقه والتفسیر والعقائد؛ لأنّه لو لم یکن کذلک لما أمکن لتلک القواعد الشعبیه أن تقتنع بإمامته، مع ما تقدم من أنّ الأئمه کانوا فی مواقع تتیح لقواعدهم التفاعل معهم. فهل ترى أنّ صبیاً یدعو إلى إمامه نفسه وینصب منها علماً للإسلام وهو على مرأى ومسمع من جماهیره قواعده الشعبیه، فتؤمن به، وتبذل فی سبیل ذلک الغالی من أمنها وحیاتها بدون أن تکلف نفسها اکتشاف حاله وبدون أن تهزها ظاهره الإمامه المبکره لاستطلاع حقیقه الموقف وتقییم هذا الصبی الإمام؟!
 
وافرض أنّ الناس لم یتحرکوا لاستطلاع الموقف فهل یمکن أن تمر المسأله أیاماً وشهوراً، بل أعواماً دون أن تنکشف الحقیقه على الرغم من التفاعل المستمر بین الصبی الإمام وسائر الناس؟ وهل یمکن أن یکون صبیاً حقاً فی فکره وعلمه ثمّ لا یبدو ذلک من خلال ذلک التفاعل الطویل؟
 
وإذا افترضنا أنَّ القواعد الشعبیه لإمامه أهل البیت لم یتح لها أن تکشف واقع الأمر فلماذا سکتت الخلافه القائمه ولم تعمل لکشف الحقیقه إذا کانت فی صالحها؟ وما کان أیسر ذلک على السلطه القائمه لو کان الإمام الصبی صبیاً فی فکره وثقافته کما هو المعهود فی الصبیان.
 
التفسیر الوحید لسکوت الخلافه المعاصره عن اللعب بهذه الورقه هو أنّها أدرکت أنّ الإمامه المبکره ظاهره حقیقیه، ولیس شیئاً مصطنعاً، والحقیقه أنّها أدرکت ذلک بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلک الورقه فلم تفلح. والتاریخ یحدثنا عن محاولات من هذا القبیل کالذی حصل للإمام الجواد (علیه السلام)، مع قاضی القضاه یحیى بن أکثم فی زمن خلافه المأمون العباسی.
 
فتحصل من البحث: أنّ ظاهره الإمامه المبکره کانت بارزه فی حیاه أهل البیت علیهم السلام ابتداء من الإمام الجواد علیه السلام، حیث تولى منصب الإمامه وهو ابن ثمان سنوات، وبعده الإمام الهادی علیه السلام تولى الإمامه وهو ابن تسع سنوات، ثم المهدی الموعود أرواحنا له الفداء تولى الإمامه وهو ابن خمس سنوات أو أربع وسته أشهر، وقد اثبتوا من خلال تجارب میدانیه کفاءتهم فی لهذا المنصب الإلهی المقدس.
 
ـــــــــــــ
(۱) بحار الأنوار ۷: ۲۱۳، الطبعه الثانیه المصححه، مؤسسه الوفاء ـ بیروت.
(۲) انظر: بحث حول الإمام المهدی، السید محمد باقر الصدر: ص۹۴٫ (بتصرف).

Leave A Reply

Your email address will not be published.