التزکیه والعمل الاجتماعی
یمکن أن نحصر الآراء والتوجهات حول التزکیه وارتباطها بالعمل الاجتماعی فی ثلاثه آراء واتجاهات..
– الإتجاه الأول: تفضیل العمل على التزکیه
یرى أصحاب هذا الاتجاه، اعطاء الأولویه للعمل الاجتماعی، وإذا کان لابد من التزکیه فان لا یکون على حساب العمل لأهمیته فی بیان ونشر أحکام الثقلین.
وبعباره أخرى غن هؤلاء یعتقدون أن التزکیه غیر ضروریه کضروره النشاط الاجتماعی، وهنا تطرح على أصحاب هذا الاتجاه مجموعه من التساؤلات منها..
أولاً: هل یضمن هؤلاء (خلوص) عملهم ونشاطهم الاجتماعی أم لا یضمنون ذلک؟! وإذا کان الجواب انهم یضمنون ان عملهم خالص لله عزوجل ۱۰۰% ولا توجد فی عملهم ونیاتهم أیه شائبه یمکن أن تقدح فی نشاطهم.
فهل هذا الضمان موجود لمرحله ما قبل العمل أم بعدها أم فی أثنائه؟
ثانیاً: مَن یملک حق تقدیم أو اعطاء الأولویه للعمل الاجتماعی على التزکیه اهل هو العامل أم الثقلان؟!
ثالثاً: هل المطلوب من الانسان إتیان العمل الاجتماعی والغکثار منه کیفما کان أم اشترط فیه الجوده والإتقان، وإذا کان الجواب أن المطلوب فی العمل الاجتماعی هو الجوده والإتقان. فهل الجوده والإتقان تکفیان فی دفع العمل الاجتماعی إلى مستوى قبوله عنده سبحانه وتعالى أم لابد من ملاحظه الکیف النفسانی المشتمل على نظافه الدافع، وشفافیه النیه وعدم اشتماله على الاحقاد والبغض والعداوه للمؤمنین؟!
إن هؤلاء یشتبهون فی تقدیم العمل الاجتماعی على التزکیه، أو فی اعطاء الأولویه له علیها، حیث إن النفس الإنسانیه وهی تتحرک فی المجتمع، لا تصادف أمامها إکلیلاً من الورود الوردیه، وتمشی على أرض فرشت بالریاحین، کلا.. فهی تواجه وتصادف حالاتٍ مختلفهً من النفسیات من جهه ومن الممارسات الفردیه والاجتماعیه من جهه أخرى، ومن الظواهر الحسن وغیر الحسنه من جهه ثالث، وتصادف أیضاً أناساً یقفون أمامها بشده وقسوه، مستخدمین ما أتوا من وسائل لإسقاطها وإهانتها، والتحدث علیها بسوء، وهتک حرمتها، بل وقد یصل الأمر إلى السب والشتم والاتهام، بل وقد یصل الحال أن یصطدم بانسان لَبَّسَ أفعاله القبیحه لباس الشرعیه، فی هتکه لحرمات المؤمنین أو فی تبریر مواقفه! وهذه من أعظم المصائب وأخطرها، والتجارب الاجتماعیه المدونه فی تاریخ البشریه تثبت أن مثل هذه الأسالیب المریضه کثیره الورود وخاصه بین العاملین الذین تکثر بینهم الاختلافات، وتتحول إلى خلافات، فإذا واجهت النفس الانسانیه مثل هذه الحالات المریضه وهی فی تحرکها للعمل الاجتماعی، فإذا لم تکن متسلحه بسلاح التقى والورع وبعباره اخرى لم تکن متلبسه بلباس التزکیه فإما هی تنعزل عن الساحه، وهذا أمر غیر مرغوب فی نفسه إلا لأجل أهداف أخرى، وإما أن تنحو منحى المرضى، وتصبح مثلهم شرسه، لا تعرف سوى الفتک..
(مَن لم یکن ذئباً أکلته الذئاب).
والذی یستطیع أن یلجم تمرد النفس وهیجانها، لیس إلا (تزکیه النفس)..
(قد أفلح مَن زکاها).
بالحکمه العلمیه من جهه، وبالحکمه العملیه من جهه أخرى، وما لم تُشکّل التزکیه سیاجاً على النفس الأماره، فإن انفلاتها أمر لا مهرب منه، ولأجل ضمان عدم الانفلات، وعدم التعدی على حدود الله عزوجل فی الأفراد والمجتمعات، لابد من التزکیه المانحه للنفس الرقابه الصارمه، والتذکیر الدائم بسطوه الله عزوجل وقدرته على الوقوف أمام مسار ارادها لانسان المتمرده الطاغیهوبذلک یخسر المرء دنیاه وآخرته.
ثم إن القول بتقدیم العمل الاجتماعی على التزکیه، موحٍ للوهله الأولى بادعاء أصحاب هذا الاتجاه بالعصمه لسلوکهم وأفعالهم من أی خطأ، ولا أظنّ أنّ هؤلاء یسبغون على أنفسهم هذه الصبغه العلیا، وإذا کان إعطاؤهم للعمل الاجتماعی الأولویه على التزکیه ناشئاً من اعطائه أهمیه أکثر منها، فإن أول ما یمکن أن یرد على هؤلاء: مَن یتحمل تبعات الأخطاء والاشتباهات الصادره على المؤمنین، الحامله فی طیاتها مختلف أشکال وأسالیب الأذیه؟!
فهل یمکن الاستمرار فی عمل قد تبین فیه سخط الله بالمخالفات القطعیه لأوامره ونواهیه؟!
فعلیه لابد من تصفیه الباطن وتزکیه النفس، قبل التفکیر فی العمل الاجتماعی، وإذا ما دخل المرء فی هذا الخط الخطیر، الذی هلک فیه الکثیر من المؤمنین وتاریخ العمل الاجتماعی خیر شاهد على ذلک منذ أن التحمت الأفراد وشکلت مجتمعاً، فقدْ فَقَدَ بعضهم کما حصل فی کثیر من الأزمنه والمواقع مکانتهم الولائیه، وماتوا على غیراه.
إن على المرء أن ینتبه إلى نفسه وتمردها، ویراقبها أشد لامراقبه، ولا یعطی لنفسه مجالاً للغفله، کی لا یفقد أثر عمله الطیب، ویأتی یوم القیامه حاملاً وزره، ووزر غیره، نادماً علىم ا فعل، وحینها لا ینفعه الندم، بل ویرى الذی قد اتخذه عدواً فی الدنیا، وحاربه وقاطعه واتهمه بمختلف التهم، واغتابه وشتمه، ونمّ علیه، وبذل کل الجهود لإسقاطه، یمشی بفخر واعتزاز، وفرحه وسرور، نحو حوض الکوثر، لیسقیه سید الوصیین أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) شربه الولایه، ویدخله فی جنه الخلد التی وعد بها المتقون.
والحق أن العمل الاجتماعی لا یسجل فی الصحیفه أبیض إلا إذا اقترن بالتقى، والورع، بل ولا یمکن أن ینجح إلا بهما، وإلا أصبح وبالاً على صاحبه.
إن العمل الاجتماعی رغم جمال لفظه، وانشداد النفس إلیه، إلا أنه یحتل من الخطوره العظیمه موقعاً لا یتجاوزه العامل إلا بتقوى الله، فإذا أصبح مَن حوله ذئاباً، فإن علیه التمسک بالتقوى، کی لا یصبح مثلهم فعلیه أن یکون ملاکاً بل وأفضل منهم، فیسلک مسلک الأنبیاء والمرسلین والأوصیاء، الذین کلّما رماهم ذئاب الانس بالقاذورات السلوکیه، کانوا لا یرمونهم إلا بالورود القدسیه طلباً لهدایتهم.
– الإتجاه الثانی: تفضیل التزکیه العالیه على العمل
إن أصحاب هذا الإتجاه یرون عدم ضروره العمل الاجتماعی أصلاً، أو یرون ضرورته إلا انهم یرون انه لا یصلح الدخول فیه إلا بعد إتمام جمیع فصول التزکیه.
ویرد على القسم الأول من هذا الاتجاه مجموعه من الإیرادات نکتفی بواحده منها..
إن مَن یرى عدم ضروره العمل الاجتماعی، فإنه مطالب بتفسیر معقول لعمل الأنبیاء والمرسلین والأوصیاء!
والذی یرى ضروره إتمام فصول التزکیه ثم الدخول إلى العمل الاجتماعی، فإنه أمام عده تساؤلات..
أولاً: هل یقول هؤلاء أن العمل الاجتماعی مطلوب فیه الوصول إلى درجه العصمه، إذ تعتبر العصمه أعلا مرتبه من مراتب السیر والسلوک إلى الله؟!
ثانیاً: وأظن ان هؤلاء لا یرون الوصول إلى العصمه عله لممارسه العمل الاجتماعی، إذاً فما معنى ضروره إتمام جمیع المراحل المتعلقه بالتزکیه؟!
ثالثاً: وإذا کان هناک حد للتزکیه، ثم یؤهل السالک للدخول إلى المجتمع، فمن یحدد هذا الحد، أألله أم غیره؟!
رابعاً: ان مفاد ادعاء هؤلاء أن ینصرف الناس کلهم إلى تزکیه نفوسهم، فمن یمسک المجتمع إذا ما عاث فیه الفاسقون فساداً؟!
خامساً: ما موقع الفریضه الإسلامیه المفروضه من قبل الله على کلّ مسلم ومسلمه عند هؤلاء، وهی فریضه الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، التی تأتی فی عرض الفرائض الاسلامیه، ولربما أهمیتها أشد وأکبر من بقیه الفرائض الدینیه؟!
إن هؤلاء فی الحقیقه طلبوا العزله لتزکیه النفس، ولکنهم عزلوا الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر من قاموس التزکیه.
فخرجوا من إشکال لیقعوا فی إشکال أشد.
– الإتجاه الثالث: الجامع للاتجاهین
ورغم قله أصحاب هذا الاتجاه إلا أنه هو الموفق والمؤید والمهدی منذ بدء مراحل الدعوه إلى الله وإلى یومنا هذا.
یرى أصحاب هذا الاتجاه، إن الذی یحدد الاطار العام والخاص للسلوک الإنسانی هو طبیعه السیر والسلوک إلى الله، وما یتطلب من الانسان فی مسیرته التکاملیه، ومن الطبیعی ان الذی یضع برنامج السیر والسلوک، والعمل الاجتماعی هو الله سبحانه وتعالى وتکفل الثقلان بیان الأوامر الإلهیه، ولا أحد یملک القابلیه والقدره لتحدید ما تریده السماء، وما یریده الله على النحوین التفصیلی والغجمالی إلا هُما.
ولو رجعنا إلى النصوص والخطابات الصادره من الثقلین، لوجدناهما تؤکدان على أن طریق السیر والسلوک والعروج إلى مدارج الکمال یحتاج إلى تنقیه الباطن. من کل فطر ضال أو منحرف، ومن کل عقیده ضالّه أو منحرفه. ومن کل سلوک باطنی ضال أو منحرف، ویحتاج أیضاً إلى موافقه السلوک الظاهری والشکلی تعلیمات الشریعه المقدسه، بغض النظر عن ضروره ایجاد قناعه شخصیه فی الالتزام وعدم ضرورتها.
ومن المعلوم أن السلوک الظاهری والشکلی لا یمکن أن یتم إلا بسلامه الاعتقاد وصفاء الفکر من الشبهات، وبهذا یکون مرجع سلامه السلوک الشکلی الظاهری إلى السلوک الباطنی.
ولو نظرنا إلى حقیقه المتطلبات السماویه بالنسبه إلى باطن الانسان، لوجدناها ترید منه أن یعرج إلى الله بخلع کلّ ما لیس لله، وباخلاء البیت القلبی من کلّ ما سوى الله، وبهذا یتحقق الهدف الذی خلق لأجله هذا الکائن وعلى معطیات ذلک یحاسب یوم القیامه، فلاحظ أن مدار کل شیء فی هذا الوجود. هو (التوحید)، هو (الله).
ولأجل أن یتلبس الانسان ثوب التوحید، ویتحقق بمعارفه الحقه، لابد أن یتم هذا حسب ما رسمه الثقلان وذلک بتزکیه النفس بالحکمتین النظریه والعملیه معاً.
ولو حاولنا أن نقف قلیلاً على الحیاه الاجتماعیه، ومتطلبات العمل الاجتماعی، لوجدناها لا تنفک عن هذا الطلب السامی.
فلو حللنا الحیاه الاجتماعیه، لوجدناها ترجع بروحها وحقیقتها إلى الحیاه الفردیه، فیمکن القول بأن هدف الأفراد کلهم هو الوصول إلى مقام قربه سبحانه وتعالى، والتحقق بأسمائه وصفاته، وبعباره أخرى إن هدف المجتمع الذی یسیر إلیه سیراً تکویناً هو (التوحید)، فالهدف الذی یسیر إلیه المجتمع یتطلب عملاً من سنخه، ولا عمل من سنخیه (التوحید) إلا طهاره الباطن، وإحلال التزکیه فیه.
وأما إذا أردنا التعرف علىط بیعه التفاعل بین التزکیه والعمل الاجتماعی، فنقول: إن الله عزوجل یطالب العبد بالعروج إلى عالم الطهاره، لیتحقق حلمه وهو العیش فی الدنیا فی سعاده، والعیش فی الآخره کذلک، وبمعنى آخر، أن تتحقق له الحیاه الحضاریه.
ووضع له فی عالمه هذا مجموعه من المسائل والقضایا، وبین له أن العروج الحقیقی لا یتحقق إلا بها. وأکد له أن نظر السماء منصب إلى باطن العمل ولیس إلى ظاهره.
(إن الله تبارک وتعالى لا ینظر إلى صورکم ولا إلى أموالکم ـ وفی خبر آخر ـ ولا إلى أقوالکم، ولکن ینظر إلى قلوبکم وأعمالکم).
ثم هیّأ له کلّ أسباب العروج، وحذره من کل أسباب التسافلن ثم أمره بالسیر والسلوک لتحقیق هدف نشأته وخُلقَته.
فلما أن نظر لامؤمن إلى الحیاه، نظر تمعّن وتمحیص، لیختار ما یعود علیه بالسعاده التی یحلمها، وجد نفسه أمام طریقین مهمینن.
الطریق الأول: أن یختار الانعزال عن الناس، ویبتعد عن المغریات التی قد توقعه فی مصائد، مما تفقده بعض مراتب العروج أو قد تعرضه للسخط الإلهی للأبد.
ولکنه بحکم ما وضح له الله من معالم دینه، وبین له سبیل سعادته، وجد نفسه أمام مسأله مهمه تشکل خطوره بحیث تعرضه للمحذور الذی یهرب منه؛ وهو..
انّه شاهد فی شرع الله أمراً قد صدر من جناب الحق، یأمر المؤمن بالالتزام به، وهو (الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر) الذی وضعه سبحانه وتعالى فی عرض بقیه الواجبات والفرائض، وهذا یعنی أن الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر فریضه کبقیه الفرائض الدینیه الشرعیه. فلو ترک هذه الفریضه مع وجود موضوع یفرض علیه عدم ترکها، فإنه فی هذه الحاله سیکون مرتکباً لمخالفه قطعیه، وهذه المخالفه تشکل بالنسبه إلیه حجاباً من الحجب الظلمانیه التی من طبیعتها التکوینیه حجب الفیض الإلهی عنه، وهذا یعنی أنه فی طریقه إلى التسافل ولا یفیده أن یخدع نفسه بواجبات أخرى ظناً منه أنه فی عروج إلیه سبحانه وتعالى.
وأقصى ما یمکن أن یقال فی هذه الحاله، غذا قلنا بعدم ترتب آثار التسافل، هو أن المؤمن یفقد عنصراً أساسیاً من عناصر العروج إلى الله عزوجل، وبالتالی یفقد سعادته التی یطمح إلیها فی الدنیا والآخره.
وأما الطریق الثانی: إذا وجد الانسان نفسه أمام مسأله یمکن أن تتلخص.. فی الآتی..
فلو لم ینعزل، واختار الدخول إلى المجتمع، فهو أمام مجموعه من المطالبات.
الطلب الأول: تزکیه نفسه.
الطلب الثانی: الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر.
الطلب الثالث: تزکیه مَن یقدر على تزکیته.
الطلب الرابع: أن یعمل ویکد حتى لا یکون عاله على غیره.
الطلب الخامس: أن یتحمل ویصبر على المشاکل الاجتماعیه التی قد تصل به إلى أن یشاهد نفسه نموذجاً مصغراً من حیاه الأنبیاء والأئمه (ع) والصالحین، من حیث انهم تعرضوا للتکذیب، والاهانات، والسب والشتم، والمقاطعه، والتعییر، والنمیمه، والقتل.
فلاحظ الدخول فی معترک العمل الاجتماعی لیس بالأمر الهین، إنه یتطلب نفساً عظیمه، وقویه، ومستوعبه لآفاق الحضاره الانسانیه ولو بشکل إجمالی، کلّی.
ولما أن نظر إلى خالقه ورازقه، الحکیم العلیم، وجد أنه یقدّم له ضمانات إذا ما التزم بالدخول إلى ساحه العمل الاجتماعی.
ومن جمله تلک الضمانات:
۱ ـ ضمن له سبحانه وتعالى أن ینصره..
قال تعالى: (ولینصرن الله مَن ینصره) الحج/ ۴۰٫
فاعتبرت هدایه الناس إلى التوحید الحقیقی، أمراً حقیقته نصرته عزوجل.
وجاء فی کتاب الإمام أمیر المؤمنین (ع) لمالک الأشتر: ( .. وأن ینصر الله سبحانه وتعالى بیده وقلبه ولسانه فإنه جلّ اسمه قد تکفل بنصر مَن نصره وإعزاز مَن أعزّه).
۲ ـ ضمن له أن یهدیه الله عزوجل إلى طرق جدیده کلّما انتهت من فکره ومن بین یدیه طرق الدعوه والتوعیه الاجتماعیه..
قال تعالى: (والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا) العنکبوت/ ۶۹٫
۳ ـ تکفل له أن لا یدع ظالمهُ مهما بلغم ن أمره ما بلغ..
(إن العبد إذا ظلم فلم ینتصر، ولم یکن له مَن ینصره ورفع طرفه إلى السماء فدعا الله، قال الله: لبیک أنا أنصرک عاجلاً وآجلاً).
۴ ـ ضمن له على صبره الأجر من غیر حساب.
قال تعالى: (إنما یوفى الصابرون أجرهم بغیر حساب).
وقد ورد عن أمیر المؤمنین (ع): (.. مَن عمل لله أعطاه الله أجره فی الدنیا والآخره، وکفاه المهم فیهما، وقد قال الله تعالى: (یا عباد الذین آمنوا اتقوا ربکم للذین أحسنوا فی هذه الدنیا حسنه وأرض الله واسعه إنما یوفى الصابرون أجرهم بغیر حساب) فما أعطاهم الله فی الدنیا لم یحسابهم به فی الآخره).
۵ ـ أخبره أنه سبحانه وتعالى یحبّ الصابرین فعلم أنه إذا صبر أصبح حبیب الله عزوجل، قال تعالى: (والله یحب الصابرین) آل عمران/ ۱۴۶٫
۶ ـ وعلم أن محبته سبحانه وتعالى لا تنال إلا بسبوق أمه النبی الخاتم (ص) إلى التوحید، وهذا یعنی أن یعمل فی المجتمع الانسانی وفق معطیات التوحید. وعلم أن تلک المحبه التی تنال هکذا نوع من العاملین من أعلى جرات الحب (أحب المؤمنین إلى الله مَن نصب نفسه فی طاعه الله، ونصح لأمه نبیه، وتفکر فی عیوبه، وأبصر وعقل وعمل).
۷ ـ وعلم ان الله عزوجل قد میّز بین العامل فی سبیله، والقاعد عن العمل فی سبیله.
قال تعالى: (وفضل الله المجاهدین على القاعدیه أجراً عظیماً) النساء/ ۹۵٫
هذه بعض الضمانات التی ضمنت للانسان وخاصه العامل فی سبیل الله عزوجل.
ولما أن نظر إلى صعوبه الطریق الاجتماعی، وإلىک ره ما أحیط به من الأشواک القاسیه، علم وتیقن أن العمل الاجتماعی محفوف بالبلایا حفاً.
فوجد رب العالمین قد وضع البلاء عنصراً من عناصر الاختبار والامتحان، لیمیز الخبیث من الطیب.
قال تعالى: (ما کان الله لیذر المؤمنین على ما أنتم علیه حتى یمیز الخبیث من الطیب) آل عمران/ ۱۹٫
ووجد أیضاً أن هذا البلاء ذو آثار عظیمه، بحیث توجب رفع المرء إلى درجه الشهداء على الأعمال والناس..
قال تعالى: (ولیعلم الله الذین آمنوا ویتخذ منکم شهداء) آل عمران/ ۱۴۰٫
وعلم أن الامتحان والاختبار الإلهی أمر حتمی علىک ل الناس من دون أن یستثنى منه أحد.
قال تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زینه لها لنبلوهم أیهم أحسن عملاً) الکهف/ ۷٫
ولما وجد ان لا محیص من الاختبار الإلهی، وعلم أن البلاء طریق من طرق العروج إلى الله عزوجل، ووسبله لتحصیل قربه..
(اعلم أن بلایاه محشوه بکراماته الأبدیه ومحنه مورثه رضاه وقربه ولو بعد حین) الإمام الصادق.
فبادر المؤمن إلى العمل الاجتماعی لما وجد فیه ما یطلبه من تزکیه نفسه أولاً، ومن ارتفاع قدره وشأنه عند الله عزوجل. ثانیاً، ومن تحقیق الحیاه الحضاریه ثالثاً.
فکان طلبه لتحقیق ذاته محفوفاً بمجموعه طلبات إلهیه فسعى إلیها سعیاً، وبذل لها کل وسعه وجهده، فما کان العمل الاجتماعی بالنسبه إلیه إلا طریقاً من طرق الوصول إلى الله عزوجل. وطریقاً من طرق اکتشاف عیوب النفس فیصلح الفاسد، ویقوی عمود الصحیح منها، إذ لو عاش مفرداً لفقد المرآه الکاشفه لعیوبه، المبنیه له مفاسده، المعینه له فی صراط العبودیه.
وعلم المؤمن العامل أن وراء سعیه وعمله الاجتماعی هو الله عزوجل یسدد خطاه، ویأخذه بیده، ویقیل عثرته ویدفع زلته، ویدفع عنه أعداءه، ویدفع کیدهم ومکرهم، ومقاصدهم السیئه، فالعمل الاجتماعی بالنسبه لهؤلاء إذن سبیل المعارج إلى جناب الحق تبارک وتعالى.
وهذا التفاعل بین المعارف والعمل، لن تجده غالباً إلا على سلوک العارفین بحقائق الوجود.
والملحوظ فی هذا الطریق وعند أصحابه، إنک تجد بروز وظهور معادلات تثیر العجب والاستغراب عند أهل الدنیا، الذین لم یستضیئوا بنور الله عزوجل، فتلاحظ على السالکین صراط العبودیه کلما أحاطت بهم المصائب والبلایا، وکلما أحیطوا بالأعداء والحاقدین والحاسدین، کلما ازداد تعلقهم بالله عزوجل، وزادوا توجهاً إلیه سبحانه وتعالى، وانسلخت أرواحهم تدریجیاً من هذه الدنیا الفانیه، وازدادوا صلابه وقوه وعزیمه على المضی فی درب الحق، غیر مبالین بالسهام الطائشه ترید الفتک بهم، لأنهم دخلوا فی حصن التوحید، والتجأوا إلى طود النور الذی لا یتأثر هو ومن فیه بخدش السهام، فهذا دیدن السالک هذا المسلک، وکلما صعدوا الرتب، وازدادوا معرفه ازدادوا سلوکاً أکثر اتزاناً وخشیه وصلابه، إلى أن یصلوا إلى قمه هرم الوجود حیث لا شیء فوقهم إلا الله عزوجل.
والتاریخ یحدثنا عن مواقف هؤلاء القمم، ساده هذا المسلک الربانی ذی التوحید الخالص.. فقد روی الراوی: (فوالله ما رأیت مکثوراً قط، قد قتل ولده، وأهل بیته واصحابه أربط جأشاً منه (ع)، وإن کانت الرجال لتشد علیه فیشد علیها بسیفه، فتنکشف عنه انکشاف المعزى إذا اشتد فیها الذئب ولقد کان یحمل فیهم وقد تکملوا ثلاثین ألفاً. فینهزمون بین یدیه کأنهم الجراد المنتشر ثم یرجع إلى مرکزه یقول: لا حول ولا قوه إلا بالله العلی العظیم).
فأی نفس هذه التی تملکها هذه الشخصیه العملاقه، إنها تشاهد دماء أحبتها تسیل من أجسادهم، وترى أهل بیتها من دون رجال یحامون عنهم، وهی الوحیده التی بقیت على أرض المیدان، فلا یهزها الخطب، ولا یروعها المنظر، بل تراهم لم تتغیر أبداً، أهی شخصیه ملائکیه! کلا،
أهی نبی! کلا..
إذن مَن هی؟!
إنها (النفس المطمئنه)..
فلاحظ على هذا الخبر المروی الذی یخبرنا عن بعض حالات النفس المطمئنه، انه یذکر عن تصرفها الذی لا تحتمله معادلات أهل الأرض، الذین إثّاقلوا إلیها لأن تلک المعادلات هی معادله أهل السماء، حیث تجدهم فی عروج دائم إلیها، فما رأوا محبوباً إلا هو، فأشرقت قلوبهم بنوره، وزالت کل الموجودات عن وجودها، لأنها لا ترى موجوداً إلا هو.
ألیس موقف النفس المطمئنه یثیر العَجَب، حین تشاهدها وهی تزداد إشراقاً واطمئناناً، بدلاً عن الجزع والفزع!!
ألیس حدیثها عن الموت فی تلک اللحظه أیضاً مثیراً للعجب، فمن لو اکن غیره فی مثل ذلک الموقف العصیب من القتال لتوقف عطاءه الفکری وأما النفس المطمئنه فلا تزال فی موقع العطاء الفکری، والعقائدی، والتربوی!!
ومَن سلک هذا المسلک، ومشى فی صراط العبودیه، وبدأ خطوته الأولى بالتزکیه، واستمر على السیر قدماً، یشق الحیاه ومصاعبها، مستصغراً الدنیا وأهلها، کیف یبالی بهذا یسبه، أو بذاک یعادیه وبأولئک یرفضونه، أو بآخرین یریدون الفتک به، انه یسلک طریق الله عزوجل، ومن مشى فی هذا الطریق فإن الله ناصره، والمحامى عنه، وقائده، ومرشده.
وهل یهتم السالک للاموجود ویترک (الموجود)!!
إلهی..
(ماذا وجد مَن فقدک، وما الذی فقد مَن وجدک، لقد خاب مَن رضى دونک بدلاً، ولقد خسر مَن بغى عنک متحولاً، کیف یرجى سواک وأنت ما قطعت الإحسان، وکیف یُطلب من غیرک، وأنت ما بدلت عاده الامتنان).
وإلیک فی خاتمه المطاف هذه الروایه:
(روی أن داود (ع) خرج مصحراً منفرداً، فأوحى الله إلیه: یا داود ما لی أراک وحدانیاً؟
فقال: إلهی اشتدّ الشوق منّی إلى لقائک، وحال بینی وبین خلقک، فأوحى الله إلیه: ارجع إلیهم فإنکم إن تأتنی بعبد آبق أثبتک فی اللوح حمیداً).