الرضا فی المفهوم الاسلامی

0

وقد أورد الغزالی فی إحیائه کیفیه الجمع بین الرضا والکراهه (فإن قلت قد وردت الآیات والأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى فإن کانت المعاصی بغیر قضاء الله تعالى فهو محال وهو قابع فی التوحید وإن کانت بقضاء الله تعالى فکراهتها ومقتها کراهه لقضاء الله تعالى، وکیف السبیل إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه وکیف یمکن الجمع بین الرضا والکراهه فی شیء واحد. فاعلم أن هذا مما یلتبس على الضعفاء القاصرین عن الوقوف. على أسرار العلوم وقد التبس على قوم حتى رأوا السکوت عن المنکرات مقاماً من مقامات الرضا وسموه حسن الخلق وهو جهل محض بل نقول الرضا والکراهه یتضادان إذا توارد على شیء واحد على وجه واحد فلیس من التضاد فی شیء واحد أن یکره من وجه ویرضى به من وجه.. وکذلک المعصیه لها وجهان وجه إلى الله تعالى من حیث إنه فعله واختیاره وإرادته فیرضى به من هذا الوجه تسلیماً للملک إلى مالک الملک ورضا بما یفعله فیه ووجه إلى العبد من حیث أنه کسبه ووصفه وعلامه کونه ممقوتاً عند الله وبغیضاً عنده)) وکذلک الأخذ بالأسباب وبذل الجهد هو من الرضا ولیس اعتراضاً علیه.
والرضا المتبادل بین الخالق والمخلوق هو الفوز العظیم وهما لیس أمران متضادان أو منفصلان وإنما تقوم العلاقه بینهما على أساس أن أحدهما موجب للآخر وتحقیقهما قمه المقامات، (رضی الله عنهم ورضوا عنه ذلک الفوز العظیم) المائده/ ۱۱۹٫ (یا أیتها النفس المطمئنه ارجعی إلى ربک راضیه مرضیه..) الفجر/ ۲۸، وهی المکافأه التی یلقاها حزب الله ومَن اتبع هواه (والذین اتبعوهم بإحسان رضی الله عنهم ورضوا عنه) التوبه/ ۱۰۰، (رضی الله عنهم ورضوا عنه أولئک حزب الله) المجادله/ ۲۲٫
ولا نجد بین المتحدثین عن غایه السلوک الانسانی أو الجهد البشری من یرفض اعتبار الرضا کغایه ولکن اختلافهم یکون دائماً ـ وهو معنا کذلک ـ حول معیار تحقیق هذه الغایه ومجالها. فبینما یتحدث البعض عن إرضاء غریزه ما أو غرائز معینه کمبعث لتحقیق الرضا أو إشباع حاجات دنیویه کسبیل مؤدیه إلى الإحساس بالرضا نجد أن الرضا الوقتی الذی یورث عدم الرضا أو الرضا بالنتیجه المقترن بعدم الرضا عن الوسیله أو الرضا الذاتی المؤدی إلى مقت الآخرین ومقتنا إذا ما کنا فی مقامهم اعتماداً على معیار ذاتی لا یمکن أن تکون ثمرته دائمه شامله ودوام الرضا وشموله لا یتحقق بالرضا بالحیاه الدنیا والاطمئنان إلیها لما فیها من تغیر وتبدل ولذا کان الإیمان بالآخره وتحقیقه فیها ضروره عملیه وکما سبق أن بینا فالأحوط من الناحیه المنطقیه ألا یرفض الملحد أمراً لا یرى قیام دلیل یقینی قطعی ع لیه ولم یقم على نفیه دلیل قطعی. وهو ما یجعل الرضا کمعرفه وحال وعمل بعید المنال علیه.
والرضا بمستوى الکفایه مدعاه لإرضاء الله ببذل الجهد فی حدود الاستطاعه ومن ثم یضمن استمرار الجهد لتحقیق الرضا المتبادل، ومن ثم ینشأ تقدیر الفرد لقیمه الجهد المبذول فی إطار الشکر المؤدی إلى مستویات أعلى، حتى یصل الفرد للرضا عما یفعله لنفسه ولغیره إرضاء لربه والاستمتاع بما أحل الله وإیماناً بوحده الخلق حتى یصل إلى (تکامل الـ نحن) فیسلک بها مقام الرضا الکامل عما أخذ وعما أعطى وعما ینتظر، (ومَن یعمل الصالحات وهو مؤمن فلا یخاف ظلماً ولا هضماً) طه/ ۱۱۲٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.