صله الدین بالرؤیه الکونیه

0

فمعرفه الکون والإنسان جزء من منظومه یعجز الإنسان عن نیلها والتوصل إلیها… وقد ضمَّن الدین هذه المنظومه کل ما یحتاجه الإنسان لهدایته. وفی هذه المنظومه ثمّه أجزاء مستعصیه على العلم، وهنا لیس المهم الحدیث عما إذا کان الدین بالحد الأدنى أو الأقصى، لأنّ تعیین الحد الأدنى أو الحد الأقصى یتطلب معیاراً. فلو قُصد أن على الدین أن یستقصی کل شیء بما فی ذلک ما یقدر العلم على إکتشافه، فذلک لا یعنی أنّ الدین بالحد الأقصى بالتأکید، إذا لا یقول بذلک مفکر أو متکلّم. فالدین منح العقل الحجیه وعدّه مصدراً من مصادره، وأوصى باستخدامه لمعرفه ما لم یوضحه الدین.
وقد تصوَّر بعضهم خطأً لیس على الدین أن یتحدَّث إلا فی ما یعجز العقل عنه، ولو تحدَّث فی ما یتصل بالمجال العقلی أو العلمی فلیس ذلک من الدین فی شیء.
تمتاز النظریات التی قدَّمها الدین فی مجال الرؤیه الکونیه بکونها ضروریه للإنسان. ومع أنّ هدف الدین هدایه الإنسان، إلا أنّ الإنسان محتاج فی مسیره هدایته إلى معارف عن الإنسان والکون. وقد قدَّم الدین فی هذا المضمار نظریات یعجز العقل البشری عن إکتشافها بشکلها المتکامل. فأهم ما فعله الدین فی مجال الرؤیه الکونیه هو انّه فتح للإنسان نافذه یطل منها على عالم الغیب، حینما حدثه عن خلق العالم، وغایه الخلق، وخصائص الموجودات والکون، وعلاقه عالم الماده بعالم ما وراء الماده، وأنواع الموجودات التی لا یمکن للإنسان أن یعرفها بوساطه فکره.
– خلق الکون:
تطرَّق القرآن، فی غیر آیه منه، إلى خلق الکون ونهایته، فقد أفادت جمله من الآیات بما یأتی:
أوّلاً: إنّ الکون کان على شکل ماده شبیهه بالدخان:
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِیَ دُخَانٌ) (فصلت/ ۱۱).
ثانیاً: إنّ السماوات والأرض کانتا کتله واحده ثمّ فُصِلتا وجزِّئتا:
(أَوَلَمْ یَرَ الَّذِینَ کَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ کَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا…) (الأنبیاء/ ۳۰).
ثالثاً: إنّ خلق الکون قد تم بشکل تدریجی، أی أنّ الخلق مر بأطوار کثیره حتى انتهى إلى ما هو علیه الآن، وقد استغرق خلق السماوات والأرض سته أیام:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَیْنَهُمَا فِی سِتَّهِ أَیَّامٍ…) (ق/ ۳۸).
من هذه المراحل الست اثنتان مخصَّصتان للأرض واثنتان للسماء:
(قُلْ أَئِنَّکُمْ لَتَکْفُرُونَ بِالَّذِی خَلَقَ الأرْضَ فِی یَوْمَیْنِ…) (فصلت/ ۹).
(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِی یَوْمَیْنِ….) (فصلت/ ۱۲).
– غایه الخلق:
تقرِّر الرؤیه الکونیه الدینیه أنّ الکون لم یخلق عبثاً، فکل ما فیه خلق لغرض:
(رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً) (آل عمران/ ۱۹۱).
وأنّ العالم لم توجده مصادفهٌ عمیاء کی یکون بلا هدف، بل للکون بما فیه غایه یتحرک نحوها:
(وَهُوَ الَّذِی خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ…) (الأنعام/ ۷۳).
– الخصائص العامه للکون:
یمتاز الکون، فی النظره الکونیه الدینیه، بجمله خصائص منها:
النِّظام: الکون مخلوق بأسره وفاقاً لنظام دقیق، فالنظام یحکم الکون بجمیع تفاصیله من الذره وحتى المجره. فالأرض والسماء والنبات والحیوان وجسم الإنسان وجمیع المخلوقات خاضعه لنظام محدَّد لا تحید عنه:
(الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ) (الرحمن/ ۵).
(وأَنْبَتْنا فِیها مِنْ کُلِّ شَیْءٍ مَوْزُونٍ) (الحجر/ ۱۹).
التقدیر: بمعنى أنّ الکون یسیر وفاقاً لمقادیر محسوبه داخل نظام الکون:
(وَالشَّمْسُ تَجْرِی لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِکَ تَقْدِیرُ الْعَزِیزِ الْعَلِیمِ) (یس/ ۳۸).
(والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِیزانَ) (الرحمن/ ۷).
وحده الکون: جمیع أجزاء الکون، مرتبط بعضها ببعض، ومنسجمه فی وحده ونظام الکون نظام واحد. والدلیل على هذه الوحده الإتقان والنظام الحاکم لمسیره وحرکه الکون، إذ لو کانت أجزاء الکون منفصله ومستقله ومستقلٌّ، بعضها عن بعض، لافتقد الکون الوحده، ولما کان نظامه على کمال الإتقان والتنظیم:
(صُنْعَ اللهِ الذی أَتْقَنَ کُلَّ شَیءٍ) (النمل/ ۸۸).
الکون آیه: الکون آیه لله تعالى تدل علیه. فالکون دلیل قدره الله التامه وحکمته البالغه. فقد خلق اللیل لیکون للناس سکناً، والنهار لیکون لهم معاشاً، ونزول الماء من السماء، ونمو نبات الأرض وثمرها، وإنتشار الطیر فی جو السماء، ذلک کله آیات لله سبحانه:
(إِنَّ فِی خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّیْلِ وَالنَّهَارِ لآیَاتٍ لأولِی الألْبَابِ) (آل عمران/ ۱۹۰).
جمال الکون: الکون جمیل، وجمال الکائنات فی مستوى یشبع غریزه حب الجمال لدى الإنسان. وقد أشار تعالى فی کتابه إلى جمال السماوات والنجوم والأرض بسهولها وجبالها والدواب والإنسان:
(إِنَّا زَیَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْیَا بِزِینَهٍ الْکَوَاکِبِ) (الصافات/۶).
عظمه الکون: تؤکِّد الرؤیه الکونیه الدینیه أنّ الکون عظیم مهیب، فلو جُعل البحر مداداً والأشجار أقلاماً لتکتب وصف هذه العظمه والهیبه لما کفى.
(قُلْ لَوْ کَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِکَلِمَاتِ رَبِّی لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ کَلِمَاتُ رَبِّی وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الکهف/ ۱۰۹).
نهایه الکون: والکون، على الرُّغم من هذه العظمه کلِّها، آیل للفناء، ولیس له حظ من الخلود، وسیأتی الیوم الذی تتلاشى فیه السماوات بشمسها وقمرها ونجومها، وتزول الأرض بجبالها وبحورها، فلن یبقى منها شیء. وأنّ ذلک واقع لا محاله یوم یُنفخ فی الصور، فیزول کل شیء فجأه:
(وَنُفِخَ فِی الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِی السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِی الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ…) (الزمر/ ۶۸).
– خصائص الکائنات:
یذکر القرآن، فی إطار رؤیته الکونیه، خصائص لعالم الکون، نشیر إلى جانب منها: التَّسویه والتَّقدیر: فکل کائن له ما یناسبه من التسویه والتقدیر:
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّکَ الأعْلَى * الَّذِی خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِی قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى/ ۱-۳).
والتَّسویه تعنی جعل أجزاء الموجود الواحد متسقه منسجمه فی ما بینها. فعندما یوضع کل جزءٍ من أجزاء الشیء فی محله المناسب له، یعمل المجموع بشکل متناسق یؤدی الغرض المخلوق له.
أمّا کلمه "التقدیر" فهی مشتقه من لفظه "قدر"، والتی تعنی الحد والمقدار. فلکل موجود فی الکون حدُّه المقدَّر له وفاقاً لنظام الوجود. أی أن لکل موجود أبعاده وهندسته الوجودیه الخاصه به، والتی هی منشأ تمایز الموجودات واحدها من الآخر.
حرکه الموجودات: جمیع الکائنات فی حرکه دائمه، السماء والأرض والشمس والقمر جمیعها من حرکه دائبه.
(وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَهً وَهِیَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ…) (النمل/ ۸۸).
الهدایه: تبدأ الموجودات، بعد أن تتم التسویه والتقدیر، بالسیر على جاده الهدایه، ولهذه الهدایه أشکال وأنحاء مختلفه. فالجمادات ذات هدایه طبیعیه، والحیوانات هدایتها غریزیه، أمّا الإنسان فیحمل هدایه فطریه، إلى جانب کلا الهدایتین الطبیعیه والغریزیه:
(وَأَوْحَى رَبُّکَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِی مِنَ الْجِبَالِ بُیُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا یَعْرِشُونَ) (النحل/ ۶۸).
(وهَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ) (البلد/ ۱۰).
علم الموجودات وإدراکها: تتمتَّع جمیع الکائنات فی هذا الوجود بعلم وإدراک، کل حسب مستواه وإستعداده:
(قالوا أنطَقَنَا الله الذِی أنْطَقَ کُلَّ شُیْءٍ) (فصلت/ ۲۱).
وتقدِّم الآیات المتعلِّقه بیوم القیام شهاده على تمتُّع الموجودات بالإدراک والعلم. فقد ورد أنّ الأرض ستشهد على ما فعله الإنسان من أعمال یوم الزلزله، وإعطاء الشهاده لا یمکن له أن یتحقق ما لم یکن هناک علم وإدراک.
(وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا * یَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّکَ أَوْحَى لَهَا) (الزلزله/ ۲-۵).
الأجل: ومن خصوصیات الکائنات أن لکل منها "أجلاً" مسمَّى:
(.. مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَیْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى…) (الروم/ ۸).
(هُوَ الَّذِی خَلَقَکُمْ مِنْ طِینٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ…) (الأنعام/ ۲).
وهاتان الآیتان تتحدَّثان عن نوعین من الآجال، أجل مسمَّى، وأجل غیر مسمى. والمراد بالأوَّل هو المصیر الحتمی الذی لا یقبل التغییر، ویراد من الثانی المصیر الطارئ المعرَّض للتغیُّر.
ونسبه الأجل المسمّى إلى غیر المسمّى کنسبه المطلق المنجَّز إلى المشروط المعلَّق، فمن الممکن أن یتخلَّف المشروط المعلَّق عن التحقق، لعدم تحقُّق شرطه الذی عُلِّق علیه، بخلاف المطلق المنجَّز، فإنّه لا سبیل إلى عدم تحققه البته.
الحشر: إنّ الکائنات ستحشر جمیعاً بعد أن تفنى هذه الدنیا وتصیر إلى الحیاه الآخره:
(وَمَا مِنْ دَابَّهٍ فِی الأرْضِ وَلا طَائِرٍ یَطِیرُ بِجَنَاحَیْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُکُمْ مَا فَرَّطْنَا فِی الْکِتَابِ مِنْ شَیْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ یُحْشَرُونَ) (الأنعام/ ۳۸).
– عالم الغیب:
تحدَّث الدین، ضمن رؤیته الکونیه، عن حقائق غیر مادیه، بما یدل على عمق هذه الرؤیه. لأنّها حقائق یعجز الإنسان معرفتها وإکتشافها. وحتى الرؤیه الکونیه الفلسفیه لم تعط هذا النوع من الحقائق ما تستحقه من الإهتمام والدقه. وبهذا یکون الدین بکشفه عنها وتعریفه بها قد قدم خدمه جلیله فی سبیل تطور الفکر الإنسانی، حیث فتح له نافذه یطل منها على العالم الآخر، لیتأمَّل فیه بأفق یتجاوز عالم الطبیعه والمادَّه.
– الکرسی:
من المفردات التی ذکرها القرآن الکریم، وتحدَّث عنها فی غیر آیه من آیاته، الکرسی:
(.. وَسِعَ کُرْسِیُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ…) (البقره/ ۲۵۵).
وقد ذکر المفسِّرون للکرسی معانی کثیره، منها العلم، أی أنّ الکرسی هو کنایه عن نطاق نفوذ علم الله. بتعبیر آخر: إنّ المراد من کرسی الله هو علمه بالسماوات والأرض ومن فیهنّ. والمعنى الآخر الذی قیل للکرسی هو سلطه الله وقدرته، فقدره الله نافذه فی جمیع السماوات والأرض لا یعزب عن قدرته أحد من الخلق، صغیراً کان أو کبیراً. والمعنى الثالث للکرسی، هو أنّه مخلوق یستوعب السماوات والأرض، فهی مستقره فیه.
– العرش:
وقد ورد العرش أیضاً فی غیر آیه من القرآن:
(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِیمِ…) (النمل/ ۲۶).
وقد فُسِّر العرش من قبل بعض الباحثین بالإستیلاء والحکم، فکلمه الاستواء التی وردت فی بعض الآیات التی تتحدَّث عن العرش، تشیر إلى سلطه الله واستیلائه على الخلق. أی أنّ المراد من العرش هو المقام الذی تصدر عنه جمیع تدابیر عالم الإمکان:
(الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ استَوى) (طه/ ۵).
ورأى بعض المفسِّرین أنّ العرش شامل لمقام العلم إلى جانب مقام التدبیر، وبذا یمکن لعلم الحق تعالى بالموجودات أن یمثِّل تفسیراً آخر للعرش. وفی ضوء ذلک، یمکن أن یکون علم الله بجمیع مخلوقات عالم الطبیعه تفسیراً للکرسی، فیما یشکل علمه تعالى بعالم الأرواح والملائکه، أی عالم الغیب، تفسیراً للعرش.
– اللّوح والقلم:
وذکر القرآن أیضاً حقیقتین غیبیتین هما "اللوح" و"القلم":
(ن وَالْقَلَمِ وَمَا یَسْطُرُونَ) (القلم/ ۱).
وروی عن النبی أنّه قال: "إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فقال له: اکتُبْ، فَجَرى فی تلک الساعه بما هو کائنٌ".
فالقلم هو مرتبه من الوجود تتحقَّق فیها الموجودات على نحو الإجمال والبساطه، أمّا اللوح فهو المرتبه التی توجد فیها الحقائق بنحو التفصیل. فحقائق عالم الخلق مجمله فی القلم، مفصَّله فی عالم اللوح. والقلم هو وساطه الفیض بالنسبه لوجود المخلوقات التفصیلی، وهذه الحقائق الوجودیه مجرده عن الماده مقارنه للعلم والحیاه.
وقد میّز القرآن بین نوعین من الألواح: اللوح المحفوظ، ولوح المحو والإثبات. معبراً عن اللوح المحفوظ بتعابیر مختلفه منها: الکتاب المبین، وأم الکتاب، والکتاب المکنون، والکتاب المسطور. فجمیع ما فی عالم الخلق مکتوب ومدوَّن فی کتاب مبین قبل أن یُخلق ویخرج إلى عالم الوجود. فقد کتب فیه منذ الأزل کل ما هو کائن وما یکون:
(وَمَا مِنْ غَائِبَهٍ فِی السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِی کِتَابٍ مُبِینٍ) (النمل/ ۷۵).
(وَکُلَّ شَیْءٍ أحْصَیْنَاهُ فِی إِمَامٍ مُبِینٍ) (یس/ ۱۲).
أمّا کتاب المحو والإثبات، فیمتاز بقابلیه التغییر والتبدیل. أی أن کل ما فیه معرَّض للتغیُّر والمحو. فمن الممکن أن یُمْحى شیء مکتوب فیه فی ضوء ظروف وتغیُّرات تطرأ على العلل الناقصه التی تتوقف علیها الأحداث:
(یَمْحُوا اللَّهُ مَا یَشَاءُ وَیُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْکِتَابِ) (الرعد/ ۳۹).
فی حین أن ما دُوِّن فی أمِّ الکتاب واللوح المحفوظ قطعی، لأنّه ذو صله بعلل الموجودات التامه التی لا تحتمل التغیر والتبدل. إذن، فکل ما لا یقبل التغییر مدوَّن فی کتاب مبین، وکل ما هو عرضه للتغییر والتبدل مدوَّن فی لوح المحو والإثبات.
– مخلوقات العالم:
وتتحدَّث الرؤیه الکونیه الدینیه عن مخلوقات لا طاقه لعلم الإنسان على إدراکها. وبذلک قدَّم الدِّین، فی هذا المجال، خدمه جلیله للفکر البشری، عبر تقدیمه لمعطیات واقعیه عن مخلوقات غیر محسوسه وخارجه عن قدرات الإنسان العقلیه والعلمیه. فقد عرّف الدین الإنسان بمخلوقات من عالم الغیب منها:
– الرُّوح:
والآیات التی ذکرت الروح کثیره منها:
(تَنَزَّلُ الْمَلائِکَهُ وَالرُّوحُ فِیهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ کُلِّ أَمْرٍ) (القدر/ ۴).
(یَوْمَ یَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِکَهُ صَفًّا) (النبأ/ ۳۸).
وهذا المخلوق هو أقرب المخلوقات من الله، وهو وساطه الوحی والمرافق للملائکه فی کثیر من المهام المنوطه بها. وبه یؤید اللهُ أنبیاءه، بل وکذلک المؤمنین من عباده:
(وَآتَیْنَا عِیسَى ابْنَ مَرْیَمَ الْبَیِّنَاتِ وَأَیَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ…) (البقره/ ۸۷).
(أُولَئِکَ کَتَبَ فِی قُلُوبِهِمُ الإیمَانَ وَأَیَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) (المجادله/ ۲۲).
– الملائکه:
وهی مخلوقات مجرّده تکرّر ذکرها فی القرآن الکریم فی مواضع کثیره لدورها فی عالم الخلق. وقد عدّ القرآن الإیمان بالملائکه ملازماً للإیمان بالله والأنبیاء.
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَیْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ کُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِکَتِهِ وَکُتُبِهِ وَرُسُلِهِ…) (البقره/ ۲۸۵).
وهی مخلوقات مؤمنه بالله مخلصه له، دائبه فی تسبیح الله وتقدیسه والسجود له.
(یُسَبِّحُونَ اللَّیْلَ وَالنَّهَارَ لا یَفْتُرُونَ) (الأنبیاء/ ۲۰).
مطیعه لله لا تعصی أمره:
(لا یَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَیَفْعَلُونَ مَا یُؤْمَرُونَ) (التحریم/ ۶).
والملائکه على درجات کثیره، ولکل منهم مقامه الذی یناسب مرتبته:
(وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) (الصافات/۱۶۴)
دور الملائکه فی عالم الخلق: تؤدی الملائکه مهمَّاتٍ وأدواراً مختلفه تکشف عن أهمیه مقامها وعلو منزلتها، وهی رسل الله الموکله بأمره:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِکَهِ رُسُلا…) (فاطر/ ۱).
۱- تدبیر شؤون الکون بأمر الله.
۲- تبلیغ وحی الله إلى أنبیائه.
۳- تدوین الأعمال.
۴- قبض أرواح الناس.
۵- تبشیر الأنبیاء والأولیاء: وذلک من خلال إطلاع أولیاء الله على بعض الأمور، کما بشرت الملائکه زکریا بولاده ابنه یحیى.
۶- إنزال السکینه على قلوب المؤمنین، والشد على قلوبهم، فالله ینزِّل ملائکته على من یثبت من عباده على سبیله ویستقیم، لتبشرهم بالجنه ولتربط على قلوبهم.
۷- دور الملائکه یوم القیامه: تؤدِّی الملائکه، إضافه إلى واجباتها فی الدنیا بتنفیذ أوامر الله، أدواراً ومهمّات أخرى یوم القیامه.
– الجن:
المخلوق الآخر الذی تطرَّقت الرؤیه الکونیه إلیه وأکَّدت وجوده هو الجن، وهی موجودات مخلوقه من النار.
(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (الرحمن/ ۱۵).
وهی مخلوقات مکلَّفه عاقله الهدف من خلقها عباده الله کالإنسان.
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِیَعْبُدُونِ) (الذاریات/ ۵۶).
وللجن أنبیاء ورسل یبعثهم الله إلیهم ینذرونهم ویهدونهم لعباده الله وطاعته:
(یَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِنْکُمْ یَقُصُّونَ عَلَیْکُمْ آیَاتِی) (الأنعام/ ۱۳۰).
وهم فرقتان کالإنسان، منهم المؤمنون ومنهم الکافرون الصادُّون عن سبیل الله وأنبیائه.
– الشیطان:
کما صرَّحت الرؤیه الکونیه الدینیه بوجود مخلوق اسمه الشیطان، ینتسب إلى کفّار الجن:
(.. فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِیسَ کَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ…) (الکهف/ ۵۰).
وقد عصى الشیطان أمر الله، إذ تمرَّد عندما أمره بالسجود لآدم وامتنع مستکبراً، فغضب الله علیه، ولعنه وطرده من جنته.
لکنه طلب من الله بعد أن طرده أن یمهله إلى یوم الدین.
وکان هدفه من هذه المهله أن یجد متسعاً من الوقت یسعى فیه إلى إضلال الإنسان وغوایته، کی یثبت أفضلیته علیه.
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَیْتَنِی لأزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الأرْضِ وَلأغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ) (الحجر/ ۳۹).
فعلى الإنسان أن یتجاوز الکثیر من العقبات والمطبّات، ویواصل سیره فی حرکه دؤوبه توصله إلى مراتب الکمال. فإن استطاع التغلُّب على وساوس الشیطان والإعراض عنها بإرادته وإختیاره لیخطو باتجاه هدفه، وإلا فلو لا وجود هذه الوساوس، سواء الصادره منها من الشیطان أم من النفس الأماره، لما بقی لتکامله معنى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.