المرجعیّات الفکریّه للوحده والانسجام

0

لا نستثنی من ذلک شعباً من شعوب الأرض، ولا نخصّ بهذا الحدیث الشعوب المسلمه خاصّهً.. کلّا..
فها هو التاریخ، القریب والبعید، یحدّثنا عن توافد المستشرقین ممّن جذبهم نور الإسلام، من أقصى بلاد الأرض إلى بلاد المسلمین، لیأخذوا منهم مفاهیم ومبادئ ونظریّاتٍ أوّلیّه تدارسوها وحفظوها واعتنوا بشأنها أبلغ الاعتناء لیحملوها لاحقاً إلى بلدانهم وشعوبهم، حتى کان لها الأثر البالغ فیما وصلت إلى الحضاره الغربیّه الآن من إنجازات ونجاحات. 

وکانت دائره الاهتمام فی الفکر الإسلامیّ دائرهً واسعه النطاق، فهی دائره ذات شعاعٍ یمتدّ لیطال کافّه الجوانب والأبعاد التی تدخل فی قوام الحیاه الإنسانیّه والاجتماعیّه، ومن بین هذه الجوانب ـ بالتأکید ـ: الجانب السیاسیّ، الذی رافق نشأه الدوله والحکومه الإسلامیّه فی المدینه المنوّره على ید النبیّ محمّد (ص)، وراح یطرح من المبادئ والقیم ما یتعلّق بمجتمع المسلمین وظاهره التفافهم حول هذا النبیّ والقائد الفذّ الذی لم ولا ولن یجود الزمان بمثله أبداً. ولعلّ من أبرز هذه المبادئ: طرح الفکر الإسلامیّ لمشروع الوحده والانسجام المتکامل بین المسلمین. 

وکنّا قد تحدّثنا فی مقالهٍ سابقه عن مرجعیّه القرآن الکریم ودوره فی التأصیل للوحده الإسلامیّه، ونتحدّث فی هذه المقاله ـ بإیجاز ـ حول سائر المرجعیّات الفکریّه والإسلامیّه الأُخرى التی تُغنی هذه الوحده وتحدّد لها أرکانها ومحاورها وأبرز مکوّناتها. 

ومن أهمّ هذه المرجعیّات الفکریّه:

أوّلاً: السنّه النبویّه المطهّره:
وهی المصدر الثانی من مصادر الفکر الإسلامیّ بعد القرآن الکریم، لذا، فهی المصدر والمنبع الآخر للوحده والانسجام الإسلامیّ، وقد ورد فیها تحدید دقیق للمبانی العامّه للتمسّک بها، ونبذ کل أشکال التفرقه، وفیها أیضاً تحدید لعناصر قیمومه الوحده والتآلف بین المسلمین، وتشخیص للأمراض والآفات والأسباب التی تحول دون حصول ذلک بین المسلمین، کما أنّها تصوّر المشهد الحقیقیّ للوحده، وترسم العلاقه الوطیده بین المسلمین، وتعرض لنا آثارها الوحده والانسجام فی الدنیا والآخره. فالسنّه النبویّه هی أیضاً، کالقرآن الکریم، محطّه یجب التوقّف عندها للاطّلاع عن کثب على الأحادیث الشریفه التی تدعو إلى الوحده ونبذ الفرقه، بعد أن شخّصت الأسباب التی تعطّل الوحده وتمنع التلاحم بین المسلمین. 

ومن العناوین التی تطرحها السنّه فی هذا المجال:
أ. وجوب التمسّک بالوحده ولزوم الجماعه: ففی سنن ابن ماجه عن رسول الله(ص) أنّه قال: ثلاث لا یغلّ علیهنّ قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصیحه لولاه المسلمین، ولزوم جماعتهم؛ فإنّ دعوتهم تحیط من ورائهم. 

ب. النهی عن الفرقه والاختلاف: عن ابن عبّاس فی تفسیر قوله تعالى: [ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بکم عن سبیله]، وقوله تعالى: [أن أقیموا الدین ولا تتفرّقوا فیه]، قال: نهاهم عن الاختلاف والتفرقه. وقال رسول الله(ص) فی خطبهٍ له: أوصیکم بما أوصانی به الله فی کتابه: من العمل بطاعته، والتناهی عن محارمه، إلى أن قال: إنّ الاختلاف والتنازع والتثبّط من أمر العجز والضعف، وهو ممّا لا یحبّه الله، ولا یعطی علیه النصر والظفر. 

ج. عناصر هدم الوحده بین المسلمین: بعد أن حدّدت السنّه النبویّه معنى الإسلام وکیفیّه حصوله وانعقاد، کما ورد عن أنس بن مالک أنّه قال: قال رسول الله (ص): من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأکل ذبیحتنا فذلک المسلم، حدّدت مجموعهً من العوامل التی عدّتها عناصر تقوّض دعائم الوحده الإسلامیّه، ومن بینها العناوین التالیه: النمیمه وشحن القلوب بالحقد والکراهیه، تتبّع عورات الآخرین، التعصّب الأعمى، المراء والخصومه، خبث السریر وسوء الضمائر.. إلى غیر ذلک.

ثانیاً: العقل:
وهو المصدر الثالث من مصادر المعرفه والفکر الإسلامیّ، بما حوى من آفاقٍ وأبعاد واسعه وعطاء ثریّ وبنّاء. فالعقل هو الأداه الفعّاله التی استخدمها العلماء والمفکّرون فی اکتشاف العلوم والمعارف والأفکار والمفاهیم الحضاریّه المختلفه. وما الدعوه إلى الوحده والتآلف والانسجام الإسلامیّ إلّا نتاج ممارسه العقل لدوره هذا فی تشخیص مکامن القوّه عند المسلمین، واکتشاف أهمّ الأخطار التی تهدّد کیانهم. إذ إنّ من بدیهیّات العقل المقرّره: أنّ المسلمین أمّه واحده؛ لأنّه أمر معلوم من الدین بالضروره، ولا ینبغی أن یجادل فیه مسلم، وإذا کانت کذلک، فالعقل یحکم بأنّه لا عزّه للإسلام، ولا نهوض لجماعه المسلمین ولا قوّه لهم إلّا بالوحده والتآلف فیما بینهم. وبخاصّه إذا التفتنا إلى أنّ الممارسات الاستعماریّه تکشف عن أنّ الغرب یعتبر الوحده الإسلامیّه سلاحاً فتّاکاً یضرّ بمصالحه فی المنطقه والعالم.

ثالثاً: الإجماع:
وهو المصدر الرابع من مصادر الفکر الإسلامیّ. وفیما یتعلّق بالوحده بین المسلمین نستطیع أن نقول: بأنّ المتأخّرین والمعاصرین من المسلمین، على الأقلّ، قد أجمعوا على ضروره الوحده والانسجام فیما بینهم لدفع الأخطار المحدقه بهم. وهذا الاتّفاق والتسالم الإسلامیّ على مسأله الوحده لم ینطلق اعتباطاً، بل هو انطلاق من المصلحه الحقیقیّه للشعوب والأمم؛ إذ لیس من عاقل بإمکانه أن یعتقد بأنّ التشتّت والتفرّق یمکن أن یکون ذا منفعه وخیر للشعوب والأمم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.