التأصیل القرآنیّ لمبادئ الوحده والانسجام
وبالانطلاق من هذا، کان المسلمون فی کلّ العصور والمراحل الزمنیّه عرضهً لجمله من الضغوط التی تهدف إلى محاصرتهم وإجبارهم على القبول بالأمر الواقع، وحیکت ضدّهم الکثیر من المؤامرات الخبیثه والدنیئه، والتی یندى لها جبین الإنسانیّه، وتعرّضوا أیضاً لأبشع أنواع القتل والإجرام والإرهاب والابتزاز.
وقد کان أرباب الاستعمار على الدوام یعتمدون فی إنجاح مؤامراتهم هذه، وفی إحکام سیطرتهم على رقاب المسلمین، على وسیلهٍ واحده رئیسیّه، ألا وهی: تکریس عوامل التمزّق والتشرذم والتصارع والاقتتال بین المسلمین، وإشعال نیران الفتن بین مختلف طوائفهم ومدارسهم واتّجاهاتهم. ولم یقتصر اتّباع المحتلّین لهذه السیاسه التفریقیّه والتقسیمیّه على مواجهه التکتّلات والتجمّعات الضیّقه فی داخل الأوساط الإسلامیّه، وإنّما هی سیاستهم المفضّله أیضاً فی مواجهه الدول والحکومات والأنظمه الإسلامیّه، حیث کانت تروم دائماً إلى تکریس التضعیف فی الموقف السیاسیّ لهذه الدول، لضمان عدم وصولها یوماً إلى مرحلهٍ تتّحد فیها، وتقرّر أن تأخذ موقعها الریادیّ الکبیر الذی تستحقّه فی هذا العالم الکبیر.
ومن هنا، کان لا بدّ من إیجاد سلاحٍ استراتیجیّ سیاسیّ یکون قادراً على النهوض بهذا الواقع الخطیر والحسّاس الذی تمرّ به الأمّه الإسلامیّه، وبالأخصّ: فی وقتنا الراهن، حیث اختلطت الأوراق وتشابهت وساد التعقید فی شتّى المجالات، لیزداد الموقف صعوبهً والخیارات دقّهً والمسؤولیّه حجماً.
وحیث إنّ السلاح لا بدّ وأن یکون متناسباً فی الحجم والشکل والمضمون مع طبیعه المواجهه، فلم یکن هناک سلاح أقوى وأمضى وأجدر لمواجهه سیاسات الفتن والتفرقه فی هذه الظروف الصعبه والمصیریّه من سلاح الوحده والانسجام الإسلامیّ، والذی هو سلاح نابع من صمیم الدین، قبل أن یکون ضرورهً سیاسیّه أو اجتماعیّه وغیر ذلک، فالوحده الإسلامیّه واجب دینیّ، ومطلب إنسانیّ عامّ، قبل أن تکون حرکهً سیاسیّه أو نزعهً اجتماعیّه أو غیر ذلک.. هی حرکه إسلامیّه إنسانیّه تحمل فی طیّاتها مشروعاً متکاملاً، سیاسیّاً واجتماعیّاً واقتصادیّاً وتربویّاً وثقافیّاً و..
ولکی نقف على حقیقه هذه الحرکه لا بدّ لنا من معرفه المصادر التی تأخذ هی منها، وتشکّل مرجعیّهً وملاذاً لها. ولا شکّ فی أنّ أهمّ مرجعیّهٍ للوحده الإسلامیّه، هو القرآن الکریم، الذی هو مصدر الفکر الإسلامیّ الأوّل، ومنبع المعرفه والتشریع والحضاره، وعلى أساسه یبنی المسلمون أفکارهم ومعارفهم وثقافتهم السیاسیّه والاقتصادیّه والاجتماعیّه و..
وقد دعا القرآن الکریم إلى عدم التنازع والتناحر، وشدّد فی نصوصه على تعزیز وحده الأمّه وانسجام أطرافها وتواصل أبنائها بعضهم مع بعض، فقال تعالى: [إنّ هذه أمّتکم أمّه واحده وأنا ربّکم فاعبدون]، وقال: [ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ریحکم]، وقال: [واعتصموا بحبل الله جمیعاً ولا تفرَّقوا].
والقرآن یذکّر أیضاً بآثار الوحده وإیجابیّاتها ویحثّ الناس على تجاوز الخلافات الوقتیّه التی قد تنشأ فیما بینهم: [واذکروا نعمه الله علیکم إذ کنتم أعداءاً فألّف بین قلوبکم فأصبحتم بنعمته إخواناً وکنتم على شفا حفرهٍ من النار فأنقذکم منها]..
کما یؤکّد القرآن على أهمّیّه الترکیز على نقاط الالتقاء، لا بین المسلمین أنفسهم فحسب، بل حتى مع أتباع الأدیان الأُخرى، فیقول: [قل یا أهل الکتاب تعالوا إلى کلمهٍ سواء بیننا وبینکم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرک به شیئاً ولا یتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله].
وهذا المنهج یجب أن یدفعنا نحن المسلمین بشکلٍ خاصّ للتأکید على نقاط الاشتراک والالتقاء فیما بیننا، وما أکثرها، بل إنّها تشمل کلّ المجالات تقریباً.
والغریب فی الأمر أنّ البعض منّا مستعدّ لأن یتعایش مع ملحدٍ، ویناقشه بهدوء ورویّه، ولکن عندما یصل الأمر إلى مسلم مثله، فهو لیس مستعدّاً لأن یسمعه أصلاً!!
ولعلّنا نُوفّق فی مقالاتٍ آتیه للحدیث عن التأصیل لمبادئ الوحده والانسجام فی المرجعیّات الفکریّه والإسلامیّه الأُخرى، من السنّه والعقل والإجماع.