الخطاب الإسلامی.. أسالیب التطویر
ومتى قصر الخطاب الإسلامی فی أداء هذا الواجب العظیم, وافتقرت منابره إلى الدعاه إلى الله, وتوقفّت أقلامه عن توصیل الهدایه إلى الناس, أصیبت البشریه لا محاله بالفتک والعنت والتشرذم, واضمحلت الجهود الغابره وتبخّرت آثارها, وتحمّل المسلمون مغبّه التقصیر والتفریط أمام الله وأمام الناس.
ولیس من المبالغه إن قلنا: إنّ للخطاب الإسلامی سمات وممیزات یختص بها عن سائر الخطابات الأخرى, ذلک أنّ هذا الخطاب وإن کان من کلام البشر, إلاّ أنّ منطلقه ومدرکه ومرجعه إلى کلام خالق البشر, فهو ربانی المصدر إلهی المنطلق إنسانی الهدف, ومن هذه الممیزات:
۱- نقاؤه من الهوى والتحیّز, وخلوّه عن التعصب والاستعلاء, لما فی هذه الصفات من منافاه لعالمیه الدین الحنیف, قال تعالى: (وجلناکم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أکرمکم عند الله أتقاکم).
۲- أنّه یعظّم کرامه الإنسان, ویعلی من مکانته ملغیاً من قاموسه فروقات اللون والعرق والجنس واللغه, فلا یرى فی هذا الاختلاف إلاّ آیه من آیات الله, وسبباً للتعایش والتعارف والتعاون من أجل النهوض بأمانه الاستخلاف, وإعمار الأرض, وتحریر الإنسان من أوزار العبودیه لغیر الإنسان, ولا سیما عبودیه الإنسان للإنسان.
۳- یناقش الخطاب الإسلامی القضایا الدولیه والمشکلات العالمیه بعقل مفتوح, فلا یجمد على القدیم, ولا یرفض من الجهود الإنسانیه والمنجزات الحضاریه سوى ما یفسد فطره الناس التی فطروا علیها, ویهدر القیم, ویجرح الحیاء, ویثیر الغرائز, ویرحّب الخطاب الإسلام بکل ما فیه عود بالنفع على بنی الإنسان شخصاً ونوعاً.
إلاّ أنّ هذه الممیزات رغم ما لها من مؤهلات وأدوار عظیمه فی بلوره الخطاب الإسلامی, إلاّ لم تکن کافیه للنهوض به لیقف صدّا منیعاً فی وجه الهجوم الإعلامی على الإسلام, ویدرأ الشبهات عنه, من غیر أن یقدّم أیه تنازلات, ومن دون أن یشتم منه رائحه الضعف والوهن عن مجابهه النظریات المنحرفه والأفکار الدخیله التی ملأت الساحه العربیه والإسلامیه.
من هنا, وانطلاقاً من هذه المرحله الحرجه, لا بدّ من العمل على إعاده الثقه إلى الجماهیر الإسلامیه, الثقه فی الله وفی النصر وفی النفس, والعمل على إیقاظ الوعی الحضاری لدى شبابها, وتحقیق الحصانه الفکریه, وذلک عن طریق تطویر الخطاب الإسلامی من خلال:
أولاً: الدعوه إلى وحده الأمه الإسلامیه, لا على أساس الانعزال عن العالم الغربی, ولا على أساس التوحد العنصری, وإنما لأجل جمع کلمه المسلمین وجهودهم, لیکونوا خلیه نشطه فی الجسم الإنسانی تمدّه دائماً بالعافیه والقوه.
ثانیاً: السعی نحو توحید المواقف والمرجعیات لمواجهه الخلافات والفرقه بین أبناء الأمه, ما یستدعی تقارب الصفوف وتوحید صیغه الخطاب.
ثالثاً: العمل على رفع الخلط بین الإرهاب المرفوض إسلامیاً ودولیاً, وبین المقاومه الوطنیه المشروعه المقرره والمقبوله إسلامیاً ودولیاً, ذلک أنّ هذا الخلط یفید الاستکبار أکثر بکثیر مما یعیق المقاومه المشروعه.
رابعاً: على الخطاب الإسلامی أن یتفاعل بکل وسائله ومنابره وأسالیبه مع النقله النوعیه التی هیّئتها ثوره الاتصالات والمعلومات واستثمارها فی تبلیغ کلمه الله, وفی تدعیم التقدم فی حیاه المسلمین فی مختلف مجالات النشاط الإنسانی, وفق الضوابط الشرعیه ومعطیات الفکر الإسلامی المتطور والمتجدد.
خامساً: عنایه الخطاب الإسلامی عقیدهً وشریعهً وقیماً للعالم أجمع, ومواکبه التطورات الاجتماعیه والتغیرات الحضاریه والتحولات العالمیه.
سادساً: تناول المشکلات والقضایا العالمیه المختلفه من منظور إسلامی یصطحب الأصل ویمتد إلى العصر, کالاقتصاد الإسلامی وحقوق الإنسان, وحقوق المرأه والأسره, والتسلیح ووسائل الدمار الشامل, والتلوّث البیئی وحمایه البیئه والفضاء والاستنساخ البشری, مستعیناً فی ذلک کله بالمصادر الفقهیه المعتمده والتعرف على المنجزات الحضاریه والتقنیات المبتکره.
سابعاً: على الخطاب الإسلامی أن یستشعر شدّه الصراع بین الحضارات والثقافات التی روّجت لها جهات معینه من ورائها الصهیونیه, ولا یکفی مواجهه هذا الصراع بالرفض, بل لا بدّ من المواجهه والاستعداد والعمل.
ثامناً: محاربه التغریب عبر العمل على تعزیز دور الثقافه الإسلامیه, وتفعیل دور العلماء والمصلحین لمواجهه الاختلافات الفکریه والسلوکیه.
إن تطویر الخطاب الإسلامی ورفع مستواه, یتطلب إصلاحاً شاملاً للمجتمعات العربیه والإسلامیه, ولا یجوز للخطاب الإسلامی أن یقدّم للعالم مبادئ لیس لها وجود فی المجتمع الإسلامی نفسه, فإنّ الخطاب الإسلامی فی نهایه المطاف مرآهٌ تعکس حال المجتمع الإسلامی.
إنّ الاهتمام بالخطاب الإسلامی والدعوه إلى تطویره, تنطلق من التقدیر لجهود العلماء المسلمین وما خلّفوه من ثروه علمیه, کما تهدف إلى تواصل العطاء العلمی بما یقدّمه الخطاب الإسلامی من جهد فی إعاده بناء الأمه وتواصل عطائها الحضاری.