أهداف التربیه فی الإسلام

0

وهذه النتائج والثمرات المنظوره حین وضع المنهج هی ما نُطلق علیه اسم الأهداف؛ وذلک لأنَّ ما یترتّب على الشیءِ خارجاً، ویکون منظوراً للمقنّن والشارع لحاظاً وتصوّراً قبل وقوع الشیء هو الَّذِی یعبّر عنه بالأهداف والعلل الغائیه.

أنواع الأهداف المنظوره حین التشریع:
والأحکام التی یشرّعها المقنّن (أیّ مقنّن کان) على نحوین:
الأُوَّل: الأحکام التی یرجع ریعها وفائدتها إِلَى المقنِّن نفسه، کما هو الحال فی الأحکام التی یشرّعها ملوک الدنیا فی الغالب.
الثانی: الأفعال التی یرجع ریعها ونفعها إِلَى المقنَّن له، أی: الرعیه التی شرّع لها القانون. 

فالسیِّد عندما یطلب من عبده أنْ یقدّم له الطعام اللذیذ، یکون هذا من النحو الأوّل…
والمقنّن الَّذِی یطلب من رعیّته أنْ یلتزموا بقوانین السیر مثلاً، یکون من قبیل النحو الثانی. 

وعندما نتکلّم عن المنهج التربوی فی الإسلام، فنحن ـ إذاً ـ نتکلّم عن منهجٍ صادر من ربّ الأرباب، من الغنیّ المطلق، منبع القدره والحکمه والرأفه والعداله، فلا یمکن أنْ یعود ریع ونفع وفائده هذا التشریع الإلهی للذات المقدّسه للباری تبارک وتعالى؛ لأنّ ذلک یتنافى مع غناه وعدم احتیاجه المطلق، قال تعالى: (یَا أَیُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ) [فاطر: ۱۵]، والله یحتاج الکُلّ إِلیه، ولا یحتاج هو إِلَى أحد، قال تبارک وتعالى: (الله الصَّمَدُ) [الإخلاص: ۲]. 

وعلیه، فالأهداف المنظوره فی التشریع التربوی فی الإسلام، هی نتائج تترتّب على التزام الناس بهذا المنهج الإلهی والتشریع الربانی؛ لأنّ التزامهم بذلک یعود إلیهم نفعه، وهم المستفیدون منه، قال أمیر المؤمنین ومولى المتّقین: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِینَ خَلَقَهُمْ غَنِیّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِیَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِیَهُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ». 

ومن هنا نعرف أنَّ الاستفاده الکامله من القانون والمنهج الَّذِی یکون من قبیل النحو الثانی ـ أعنی: الَّذِی یعود نفعه إِلَى المشرَّع والمقنَّن لهم ـ لا تحصل إِلَّا بتحقُّق عنصرین: 

الأوّل: صدور التشریع المناسب.
الثانی: اهتمام الرعیه بهذا التشریع ومبالاتهم به.
والعنصر الثانی فی التشریع الإلهی متحقّقٌ قطعاً؛ لأنّه صدر من منبع الخیر والحکمه والعلم والعداله والرحمه کما تقدّم. 

وأمّا العنصر الثانی، فهو أمر یرتبط بنا، فمهما التفتنا إِلَى الأهداف السامیه التی تترتب على الالتزام بالتشریع الإلهی، والآثار الدنیویه والأُخرویه التی تتعقّب هذا الالتزام، کنّا ـ حینئذٍ ـ أکثر التزاماً به، بشرط أنْ لا ننجرف نحو الرغبات البهیمیه التی تشدُّ نحو الانحراف عن جادّه الصواب.

الأهداف المترتبه على المنهج التربوی الإسلامی
بما أنَّ المنهج التربوی الإسلامی یندرج تحت منظومهٍ من القوانین والتعالیم والمعارف؛ ولذا قلنا سابقاً بأنّه لا یمکن التجزئه بین المکونات التی یتألّف منها الدین والشریعه بکلِّ قیمها وأبعادها، فمن هذا المنطلق لا یمکن لنا التجزئه بین الأهداف المترتبه على المنهج التربوی الخاص، والأهداف المترتبه على کلّ الدین والشریعه التی یراد من خلالها إیصال الإنسان إِلَى حاله تکاملها التی یرضاها الله تعالى له، من خلال سیره وکدحه فی سلّم السیر نحو الله تعالى، قال تبارک وتعالى: (یَا أَیُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّکَ کَادِحٌ إِلَى رَبِّکَ کَدْحاً فَمُلاَقِیهِ) [الانشقاق: ۶]. 

والتنوُّع فی الأهداف والغایات الَّذِی یشاهد فی القرآن الکریم وکلمات سیّد المرسلین وصفوه أهل بیته الطاهرین صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین، یمکن قراءته على أساس التنوُّع المرحلی، أو فقل على أساس الأهداف التکتیکیه والاستراتیجیه.
ویمکن الإشاره السریعه إِلَى عناوین بعض الأهداف والنُّصوص الداله علیها: 

الأوّل: إخراج الإنسان من حاله الضلاله إِلَى حاله الهدایه.
قال تعالى:
ـ (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِکَ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَیُزَکِّیهِمْ إِنَّکَ أَنْتَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ) [البقره: ۱۲۹]. 

ـ (کَمَا أَرْسَلْنَا فِیکُمْ رَسُولاً مِنْکُمْ یَتْلُو عَلَیْکُمْ آیَاتِنَا وَیُزَکِّیکُمْ وَیُعَلِّمُکُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَیُعَلِّمُکُمْ مَا لَمْ تَکُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقره: ۱۵۱]. 

ـ (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ إِذْ بَعَثَ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِنْ کَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلاَلٍ مُبِینٍ) [آل عمران: ۱۶۴]. 

ـ (هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِنْ کَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلاَلٍ مُبِینٍ) [الجمعه: ۲]. 

هذا، وسوف أتکلّم مفصّلاً عن هذه الهدف وغیره من الأهداف فی أقسام أخرى إنشاء الله، والحمد لله أوّلاً وآخراً…

Leave A Reply

Your email address will not be published.